وقدم الدكتور عمر عبد الرحمن مرافعة تاريخية عن الحاكمية ووجوب تطبيق الشريعة وحكم الحاكم الذي لايحكم بما أنزل الله ، وقد وصفت مقدمة كتاب كلمة حق تقديم الشيخ للمرافعة بهذا الوصف قالت:
بسم الله الرحمن الرحيم
{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}..
وارتجت جنبات القاعة بالهتاف:
الله أكبر الله أكبر... فليرتفع صوت الأزهر..
الله أكبر الله أكبر... فليرتفع شأن الأزهر..
بينما تعلقت به الأبصار وهو يتقدم ليجلس في مواجهة قضاة محكمة أمن الدولة العليا.. وصمت الجميع وقد حبسوا الأنفاس يترقبون، وساد السكون لحظات مرت كأنها الدهر ثم انطلقت الكلمات من فمه.. عالية مدوية.. رزينة متئدة.. صادقة قوية.. تهز كل شيء.. تهز القضبان الحديدية.. وتهزنا.. تهز منصة القضاة.. وتهز ضمائرهم هزاً عنيفاً يترك آثاراً واضحة على قسمات وجوههم.. وتخترق الكلمات جدران القاعة، وتتعدى.. رغم الحراسات - أسوار المحكمة لتسري في وجدان هذه الأمة.. تحييه وتوقظه وتدفعه من حال الخمول والسبات إلى الحق والجد والبذل والعطاء..
وتحطم كلمات الشيخ عمر عبد الرحمن كل حواجز الشبهات وقلاع الأكاذيب التي أقامها النظام المصري ليحول بين المسلمين ودينهم..
وعشنا تلك اللحظات، عشناها بكل أحاسيسنا، نتابع كلمات سيتكبها التاريخ بذات المداد الذي كتب به كلمة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: (إذا تكلم العالم تقية، والجاهل يجهل، فمتى يعرف الناس الحق؟)..
إنه الحق الذي كان ينبغي أن يقال منذ أمد بعيد..
إنه الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال؟..
إنه النور الذي طالما حاربه الباطل وحاول إطفاءه.. ها هو يشرق ويسطع ضياؤه وأين!! في محكمة أمن الدولة العليا بمصر!!..
صدقت والله يا ربنا {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ومضى الشيخ ينافح عن دينه، يعرى الباطل ويفضحه، وانسابت فيوضات الحق تكتسح زبد الباطل فإذا به يذهب جفاء، وتتابعت الحجج والبراهين تحاصر الشبهات وتكيل لها الضربات فتزهق بإذن الله...
كانت فرحتنا غامرة، ونحن نرى الحق يشرق ويعلو والباطل يخفت ويندثر غير أن خاطراً ما، كان يلوح لنا بين الفينة والفينة فيقلل من هذه الفرحة.. إن الشيخ قد يدفع حياته ثمنا لهذه الكلمات.. قد نفقد شيخنا ومعلمنا.. نفقد أستاذنا ووالدنا.. نعم هو يرجو الشهادة ويطمع أن يكون مع سيد الشهداء مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله)..
غير أنّا في حاجة إليه، بل في أشد الحاجة إليه عالما ومعلما.. قائدا ومربيا.. وكنا نطرد هذا الخاطر ونعود بوجداننا نعيش مع الكلمات.. إلى أن باغتنا الشيخ بعبارات ترجم فيها ما يدور بخلدنا.. وانطلقت الكلمات تتحدى:
إنني مطالب أمام عقيدتي وأمام ضميري أن أدفع الظلم والجبروت وأرد الشبهات والضلالات وأكشف الزيغ والإنحراف وأفضح الظالمين على أعين الناس، وإن كلفني ذلك حياتي وما أملك، فإذا كانت النيابة تطالب بإعدامي فإن هذا لا يروعني ولا أحزن له، بل أقول حينئذ: (فزت ورب الكعبة) وأردد مستبشرا:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
ولم نتمالك أنفسنا، ونحن نسمع الشيخ ينعى إلينا نفسه، وأبى الدمع إلا أن يفيض في مسيرة صامتة مهيبة.. يودع الرجل الذي أحببناه وسرنا معه، نعمل خلف رايته وتحت لوائه..
ولكن..
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}...
وينجي الله - بقدرته - عبده من القتل.. ويخرجه من السجن.. ويبقيه لنا ولدينه..
بل وتشاء حكمته سبحانه وتعالى، أن تكون هذه الكلمات سببا في حقن دماء الكثير من الشباب المسلم المجاهد.. فبالرغم من أن المحكمة قد حكمت بالقانون الوضعي الحقير، إلا أنها أبت أن تقتل أحدا لأنها اقتنعت بسمو الغاية التي من أجلها قام هؤلاء.. هكذا قالت المحكمة سبحان ربي {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ}... وسأله القاضي سؤالا مهما قانونيا :هل هذا رأيك الشخصي أم تنقل عن العلماء أجاب هذا ما أنقله عن علماء الأمة
مضمون مرافعة فضيلة الشيخ عمر عبد الرحمن
بعد أن حمد الله تعالى قدم المقدمة التالية:
فمنذ انطلق أول قبس من أنوار الهدى في رمضان سنة ثلاث عشرة قبل الهجرة ومنذ انبعثت الثورة الإسلامية بقيادة محمد صلى الله عليه وسلم تجدد شباب الحياة، .
منذ ذلك الحين حرص الإسلام على تربية الفرد المسلم
والأسرة المسلمة
والجماعة المسلمة
والحكومة المسلمة.
ربى الإسلام الفرد: عقله بالعلم، وروحه بالعقيدة والعبادة، وجسمه بالنظافة والرياضة، ليسلم ويقوى، وبالتداوي ليبرأ ويشفى.
وربى نفسه: بالتحلي بمكارم الأخلاق،
ورباه اجتماعيا: بالحث على الدعوة إلى الله وإلى الخير وعمل البر
وربى الأسرة: حافظ على كيانها ،
وحرص الإسلام كذلك على تربية المجتمع المسلم تربية صحيحة قويمة
وحرص كذلك على إعداد جهاز الدولة المسلم والقيادة المسلمة وحث الحكام على الشورى والعدل والأمانة وأداء الحقوق، والحكم بما أنزل الله {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}..
ومن هذه المقدمة دلف الى قضية الحاكمية فقال:
إن التسليم بقضية الحاكمية لله عز وجل هي نتيجة بديهية وحتمية ومنطقية لأساسيات ثابتة في الدين، يعرفها الصغير والكبير ولا ينكرها عاقل.
فالله تعالى هو خالق كل شيء وله ملك كل شيء {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}..
فالسلطان لا ينبغي أن يكون إلا لله.. والحكم لا ينبغي أن يكون إلا لله {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}
فالحاكمية لله تعني أنه سبحانه هو المالك الآمر المشرع الذي لا يجوز لأحد غيره أن يحكم أو يأمر أو يشرع. فحق التشريع غير ممنوح لأحد من الخلق،
ثم بدأ الشيخ في عرض ما كتبه أئمة الأمة وعلماؤها في أربعة آيات تتعلق بالحاكمية وقال : ونأخذ في بيان هذه الآيات إن شاء الله بشيء من التفصيل...
أولا: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
وفصل فصيلا مستفيضا ثم قال:
الخلاصة: إن الحاكم لا يطاع لذاته وإنما يطاع لطاعته لله ورسوله وإن الخلاف بين الراعي والرعية لا يقضي فيه إلا الكتاب والسنة وعلى هذا أجمع الفقهاء سلفاً وخلفاً، وليس بعد كلام الله كلام وليس بعد حديث الرسول حديث، وليس بعد إجماع العلماء حكم.
ثانيا: قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}: وبعد أن سرد اقوال العلماء وآراءهم وخلافهم في تفسير الأية والأحكام المستنبطة منها قال:
وبعد..
فإن الحكم بما وضعه الأفراد من قوانين مستوردة من دول الكفر لتطبق في البلاد الإسلامية، ولا سيما في المواد التي هي صريحة في مخالفة الكتاب والسنة الصحيحة أو الحسنة، كفر بلا ريب وضلال لا يرقى إليه شك كإباحة الربا.. وممارسة الزنا، وإلغاء الحد على شارب الخمر، والزاني والسارق والمحارب ونحو ذلك وكذا يكفر من يتحاكم إلى ذلك القانون.. راضيا به.
ثالثا: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً}..
والمعنى ألم تر إلى هذا العجب العجاب من قوم يزعمون الإيمان ثم يهدمون هذا الزعم في آن واحد، قوم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل عليك وإنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر وإلى منهج آخر وإلى حكم آخر، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الذي يخالف ما أنزله الله عليك وما أنزله على من قبلك،
رابعا: قوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}..
يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد إليه باطناً وظاهراً ولهذا قال: {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.. أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كلياً بغير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة
خامسا: قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}..
والقضية في جوهرها تتلخص في الإجابة على هذا السؤال:
أيكون الحكم والشريعة والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه التي استحفظ عليها أصحاب الرسالات السماوية واحدة بعد الأخرى، وكتبها على الرسل، وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم؟
وبعد عرض هذا الجانب الشرعي تناول الشيخ اتههامات النيابة لشخصه بالتفنيد والرد
وفي ختام مرافعته قال:
أيها المستشارون.. إن الحق أبلج والباطل لجلج، وقد ظهر الصبح لذي عينين، وانقطعت المعاذرير، وأقيمت الحجة، وجاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون.
28) وختاماً:
فجريمتي أنني نقدت الدولة وأظهرت ما في المجتمع من مفاسد ومعاداة لدين الله ووقفت في كل مكان أصدع بكلمة الحق التي هي من صميم ديني واعتقادي، إن منابر المساجد وقاعات المحاضرات وساحات الجامعات تشهد كلها أنني عن الشريعة أذود وأدافع وفي بيان دين الله أصول وأجول وفي سبيل الإسلام أقدم النفس والمال.. إنني إن لم أفعل ذلك أكن عاصيا لربي ظالماً لنفسي مقصراً في حق الناس، إنني مطالب أمام عقيدتي وأمام ضميري أن أدفع الظلم والجبروت وأرد الشبه والضلالات وأكشف الزيغ والانحراف وأفضح الظالمين على أعين الناس وإن كلفني ذلك حياتي وما أملك..
أنا لا يرهبني السجن ولا الإعدام، ولا أفرح بالعفو أو البراءة، ولا أحزن حين يحكم علي بالقتل، فهي شهادة في سبيل الله وعندئذ أقول: فزت ورب الكعبة، وعندئذ أقول أيضاً:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
وعند ذلك انطلق هتاف قوي من داخل الأقفاص الحديدية بالمحكمة رج القاعة رجا شيدا يقول:
فإ ن قتلوك ياعمر بن أحمد فإن الله يختار الشهيد
إنني مسلم أحيا لديني وأموت في سبيله، ولا يمكن بحال أن أسكت والإسلام يحارب في كل مكان، أو أن أهدأ وأمواج الشرك والضلال تتلاطم وتغمر كل اتجاه {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} كيف لي أن ألين والطغيان يزداد صلفاً وعتوا {فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ* وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} كلا وألف كلا.. لن نرضى بحكم الطواغيت، ولن نستكين لحكم العبيد، الذين يستبدون بالناس ويذلونهم ويعبدونهم لغير الله...
إن هذا الدين لا ولن يموت ولو كان يموت لمات يوم أن كان في مكة محاصرا مطاردا وكان وقتها وليدا أو نبتة صغيرة لكنه بقي وظل شامخا...
إن هذا الدين لا ولن يموت ..ولو كان يموت لمات يوم أن أخرجوا رسوله فريدا وحيداً ليس معه إلا ربه ثم صاحبه ولكنه هاجر واجتمع حوله المهاجرون والأنصار وتكونت دولة الإسلام وقويت شوكتها ...
إن هذا الدين لا ولن يموت ولو كان يموت لمات يوم أن حوصرت المدينة في غزوة الخندق إذ جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنونا ولكنه بقي وارتفعت رايته وبلغ ما بلغ الليل والنهار...
أيها المستشار رئيس محكمة أمن الدولة العليا:
لقد أقيمت الحجة وظهر الحق وبان الصبح لذي عينين فعليك أن تحكم بشريعة الله وأن تطبق أحكام الله فإنك إن لم تفعل فأنت الكافر الظالم الفاسق لأنه يصدق فيك قول الله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وليس الحكم بمنتهي في هذه القاعة ولا في هذه الدنيا بل الحكم هناك ينتتهي أمره في الآخرة يحكم فيها الحكم بالعدل: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}...
وإننا لا نخشى سجنا ولا إعداما ولن نرهب بأي تعذيب ولا إيذاء.. ونقول ما قاله السحرة لفرعون: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}...
واعلم أيها المستشار.. أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث فكيف إذا أتاها من يليها، وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم، واذكر أيها المستشار الموت وما بعده وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر، واعلم أيها المستشار أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحباؤك، ويسلمونك إلى مقرك فريدا وحيدا، فتزود له ما يصحبك {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}
واذكر إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور، فالأسرار ظاهرة والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. فالآن وأنت في مهل، قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل، لا تحكم في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين، فتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك، ولا تنظر إلى قدرتك اليوم ولكن انظر إلى قدرتك غدا، وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما..
أيها القاضي المستشار رئيس محكمة أمن الدولة العليا: حق الله ألزم من حق رئيس الجمهورية والله أحق أن يطاع فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإذا قالت لك النيابة: كلم وزير العدل على المسرة فلا تبال، وأنت حقا لا تبالي، واعرض أوامرهم وكتبهم على كتاب الله عز وجل فما وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به، وما وجدته مخالفا لكتاب الله فانبذه..
أيها المستشار رئيس محكمة أمن الدولة العليا: اتق الله فإن يوشك أن يأتيك رسول رب العالمين يزيلك عن كرسيك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك، وتقدم على ربك، وتنزل على عملك..
أيها القاضي المستشار رئيس المحكمة: الموت طالب لا يمل الطلب، ولا يبطئ الخطا ولا يخلف الميعاد، ولا يعجزه المقيم، ولا ينفلت منه الهارب.. وذكر سكرة الموت كفيل برجفة تدب على الأوصال، الموت الذي يصرع الجبابرة بنفس السهولة التي يصرع بها الأقزام، ويقهر به المتسلطون كما يقهر المستضعفون سواء.. وهو رحى دوارة بين الخلق، وكأس يدار بها عليهم، لا بد لكل ذي روح أن يشربها وأن يذوق طعمها، وهو هازم اللذات ومنغص الشهوات الموت الذي يفرق الأحبة، ويمضي في طريقه لا يتوقف ولا يتلفت، ولا يستجيب لصرخة مقهور ملهوف ولا لحسرة مفارق، ولا لرغبة راغب، ولا لخوف خائف.. الموت الذي لا حيلة للبشر فيه وهم مع هذا لا يتدبرون القوة القاهرة التي تجريه.. فكيف بك أيها المستشار إذا ورد عليك مذلل الملوك وقاهر الجبابرة وقاصم الطغاة، فألقاك صريعاً بين الأحبة والجيران، مفارقا لأهل بيتك وإخوانك، لا يملكون لك نفعا ولا يستطيعون له دفعا.
أيها المستشار رئيس المحكمة: إن الله يمنعك من الحكومة، وإن الحكومة لا تمنعك من الله وإن أمر الله فوق كل أمر، وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأسه الذي لا يرد على القوم المجرمين.. أيها القاضي المستشار، الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب، والله بالمرصاد، والسلام عليكم ورحمة الله...
الإثنين
25 جمادى الأولى 1404 هـ
27 فبراير 1984 م

