بسم الله الرحمن الرحيم
{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}..
وارتجت جنبات القاعة بالهتاف:
الله أكبر الله أكبر... فليرتفع صوت الأزهر..
الله أكبر الله أكبر... فليرتفع شأن الأزهر..
بينما تعلقت به الأبصار وهو يتقدم ليجلس في مواجهة قضاة محكمة أمن الدولة العليا.. وصمت الجميع وقد حبسوا الأنفاس يترقبون، وساد السكون لحظات مرت كأنها الدهر ثم انطلقت الكلمات من فمه.. عالية مدوية.. رزينة متئدة.. صادقة قوية.. تهز كل شيء.. تهز القضبان الحديدية.. وتهزنا.. تهز منصة القضاة.. وتهز ضمائرهم هزاً عنيفاً يترك آثاراً واضحة على قسمات وجوههم.. وتخترق الكلمات جدران القاعة، وتتعدى.. رغم الحراسات - أسوار المحكمة لتسري في وجدان هذه الأمة.. تحييه وتوقظه وتدفعه من حال الخمول والسبات إلى الحق والجد والبذل والعطاء..
وتحطم كلمات الشيخ عمر عبد الرحمن كل حواجز الشبهات وقلاع الأكاذيب التي أقامها النظام المصري ليحول بين المسلمين ودينهم..
وعشنا تلك اللحظات، عشناها بكل أحاسيسنا، نتابع كلمات سيتكبها التاريخ بذات المداد الذي كتب به كلمة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: (إذا تكلم العالم تقية، والجاهل يجهل، فمتى يعرف الناس الحق؟)..
إنه الحق الذي كان ينبغي أن يقال منذ أمد بعيد..
إنه الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال؟..
إنه النور الذي طالما حاربه الباطل وحاول إطفاءه.. ها هو يشرق ويسطع ضياؤه وأين!! في محكمة أمن الدولة العليا بمصر!!..
صدقت والله يا ربنا {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ومضى الشيخ ينافح عن دينه، يعرى الباطل ويفضحه، وانسابت فيوضات الحق تكتسح زبد الباطل فإذا به يذهب جفاء، وتتابعت الحجج والبراهين تحاصر الشبهات وتكيل لها الضربات فتزهق بإذن الله...
كانت فرحتنا غامرة، ونحن نرى الحق يشرق ويعلو والباطل يخفت ويندثر غير أن خاطراً ما، كان يلوح لنا بين الفينة والفينة فيقلل من هذه الفرحة.. إن الشيخ قد يدفع حياته ثمنا لهذه الكلمات.. قد نفقد شيخنا ومعلمنا.. نفقد أستاذنا ووالدنا.. نعم هو يرجو الشهادة ويطمع أن يكون مع سيد الشهداء مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله)..
غير أنّا في حاجة إليه، بل في أشد الحاجة إليه عالما ومعلما.. قائدا ومربيا.. وكنا نطرد هذا الخاطر ونعود بوجداننا نعيش مع الكلمات.. إلى أن باغتنا الشيخ بعبارات ترجم فيها ما يدور بخلدنا.. وانطلقت الكلمات تتحدى:
إنني مطالب أمام عقيدتي وأمام ضميري أن أدفع الظلم والجبروت وأرد الشبهات والضلالات وأكشف الزيغ والإنحراف وأفضح الظالمين على أعين الناس، وإن كلفني ذلك حياتي وما أملك، فإذا كانت النيابة تطالب بإعدامي فإن هذا لا يروعني ولا أحزن له، بل أقول حينئذ: (فزت ورب الكعبة) وأردد مستبشرا:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
ولم نتمالك أنفسنا، ونحن نسمع الشيخ ينعى إلينا نفسه، وأبى الدمع إلا أن يفيض في مسيرة صامتة مهيبة.. يودع الرجل الذي أحببناه وسرنا معه، نعمل خلف رايته وتحت لوائه..
ولكن..
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}...
وينجي الله - بقدرته - عبده من القتل.. ويخرجه من السجن.. ويبقيه لنا ولدينه..
بل وتشاء حكمته سبحانه وتعالى، أن تكون هذه الكلمات سببا في حقن دماء الكثير من الشباب المسلم المجاهد.. فبالرغم من أن المحكمة قد حكمت بالقانون الوضعي الحقير، إلا أنها أبت أن تقتل أحدا لأنها اقتنعت بسمو الغاية التي من أجلها قام هؤلاء.. هكذا قالت المحكمة سبحان ربي {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ}...
ويخرج الشيخ من السجن، كأعز ما يكون الرجال، مرفوعة رأسه عالية ويمضي يتابع مسيرته.. يدعو ويعلم.. يقود ويربي.. يدور مع الإسلام حيث دار وكان درسا لا ينسى..
(واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف)..
ويمضي الشيخ...
غير أن كلماته ما زالت تعيش في نفوسنا وتجول في خواطرنا، وكأننا نسمعها للمرة الأولى.. هناك.. في محكمة أمن الدولة العليا.. وكأننا ما زلنا نقف خلف القضبان، وقد تعلقت به أبصارنا وقلوبنا ها هو يتقدم بتؤدة ها هو يجلس في مواجهة القضاة.. ها هي الكلمات تنطلق.. ها هي القضبان تهتز كل شيء ما زال يهتز، تحت وقع الكلمات..
· <!--[endif]-->"نعم { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} كلمة حق وصدق نادى بها من قبل الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم نبي الله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، نادى بها من داخل سجنه من مصر، ولم تمنعه قيود السجن من أن يعلن الحق..."...
· <!--[endif]-->"إن كنا نحن خوارج، فمن تكونون أنتم؟ هل تكونون عليا وأصحابه؟ هل كان علي رضي الله عنه مقتبسا أحكام شريعته من النصارى واليهود؟ أم كان حكمه يقوم على الاشتراكية والديمقراطية؟"..
· <!--[endif]-->"ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحى شريعة الله عن حكم الحياة، ويستبدل بها شريعة الجاهلية وحكم الجاهلية، ويجعل هواه هو أو هوى شعب من الشعوب أو هوى جيل من البشر فوق حكم الله، وفوق شريعة الله؟"...
· <!--[endif]-->"وبعد فجريمتي أني نقدت الدولة وأظهرت ما في المجتمع من مفاسد ومعاداة لدين الله، ووقفت في كل مكان أصدع بكلمة الحق التي هي من صميم ديني واعتقادي، إن منابر المساجد وقاعات المحاضرات وساحات الجامعات تشهد كلها أنني عن الشريعة أذود وأدافع وفي بيان دين الله أصول وأجول، وفي سبيل الله أقدم النفس والمال.."..
· <!--[endif]-->"أيها القاضي المستشار: رئيس محكمة أمن الدولة العليا: إتق الله، فإن الله يمنعك من الحكومة وإن الحكومة لا تمنعك من الله."...
· <!--[endif]-->"أيها القاضي المستشار: حق الله ألزم من حق رئيس الجمهورية.."...

