الإصلاح الصعب
التاريخ: 2010-02-18

حسن أبو مطير
تتكون أي أمة من الأمم من ثلاثة عناصر أساسية :العنصر الأول هو الأفكار و هي التي تتمثل في العقيدة و القيم و الأخلاق و المبادئ , و العنصر الثاني هو الأشخاص قادة و محكومين , والعنصر الثالث هو الأشياء و التي تتمثل في الأموال و الزينة , و هذه العناصر الثلاث تمثل معيارا دقيقا نستطيع من خلاله الحكم على حالة أي أمة , فمتى ما دار الأشخاص و الأشياء في فلك الأفكار الصحيحة كانت الأمة حيةً في أوج صحتها و عافيتها , و متى ما دارت الأفكار و الاشياء في فلك الأشخاص شاع المرض و استشرى الفساد و الأستبداد في الأمة , ومتى ما دار الأشخاص و الأفكار في فلك الأشياء انحدرت الأمة نحو الهاوية وصولا إلى حالة الوفاة و الموت المحقق , و هذه العناصر الثلاث في حركة دائمة مستمرة.
و ليس أصدق من التاريخ في تصديق حركة الأمم و تدافعها و دورانها حول هذه العناصر الثلاث , و الواقع يشهد لهذه الحركة و يصدقها.
و لا شك أن التاريخ يُعد مصدرا مهماً لفهم الواقع , و لا شك أن التاريخ سيظل مدرسةً كبيرةً مفتوحة الأبواب لكل من أراد أن ينطلق لإحداث تغييرٍ إيجابيٍ واعٍ في المجتمع , و بدون الولوج إلى مدرسة التاريخ فإن حلقةً عظيمةً من حلقات فهم الواقع ستكون مفقودة, و مالم نحسن قراءة التاريخ قراءة متبصرة , و الأستفادة من تجارب السابقين فإن كثيرا من جهود الإصلاح ستبوء بالفشل.
و لا أريد أن يتبادر إلى الأذهان أن هناك إصلاحا سهلا و أخر صعبا , فطبيعة الإصلاح الفطرية “صعبة” و هي غالبا مما لا تقبله النفس البشرية بسهولة بل و تعمل على مقاومته في بعض الأحيان, فالنفس البشرية تسعى دوما نحو الرفاهية و الدعة و الراحة, تماما كحال المريض الذي يتمنع عن تقبل الدواء المُرِ من أجل أن يكون سببا في شفائه من مرضه بسبب أن نفسه لا تقبل بمرارة الدواء, و لكن الذي سأشير إليه في هذه الكلمات هو ما يمكن أن يزيد عملية الإصلاح صعوبةً إلى صعوبتها الفطرية.
و سأحاول أن أورد في نقاط محددة ما يزيد عملية الإصلاح صعوبةً :
1- طغيان المجاملة , و المدح الزائد, و تمجيد الذات على النصح و التوجيه و الإرشاد , مما يسبب غفلة عظيمة عن الحالة الصحية التي ينبغي أن يكون عليها المجتمع.
2- شيوع الروح السلبية و التبعية الفكرية للاشخاص , و عدم المقدرة على طرح تنوع فكري, و مقابلة الرأي بالرأيو الحجة بالحجة .
3- حب التفرد و الظهور و نزعة الـ”أنا الأعلى” عند بعض المنتسبين للعمل الإصلاحي, و هذا يتمثل في كثير من الأحيان عند حصول أي نوعٍ من اختلافٍ في وجهاتِ النظرِ بين أفراد العمل الواحد , مما يجعل بعضهم يفكر في الإنفصال و إقامةِ عملٍ أو مشروعٍ إصلاحي مستقلٍ بذاته معتمدا على ما لديه من خبرة و كفأة و علاقات.
4- كثرة التنظيرات و تقديم الكلمات على الأفعال , بحيث تُظهر الكلمات بهرجاً للأفكار و بريقاً دون أن تجد من يطبقها على أرض الواقع إما خوفاً من الفشل أو عدم وجود رغبة كافية للتضحية بشيءٍ يسييرٍ من المال في سبيل تطبيقها , مما يجعل البعض يظن أن هذه الفكرة هي مجرد خدعة.
5- البداية من نقطة الصفر في كل عمل إصلاحي جديد , فكثيرا من العمل الإصلاحي لم – لا – يُحسن الأستفادة من تجارب السابقين بما يتناسب مع واقعه.
6- تكوين قاعدة العمل الأولى على أساس هش يفتح المجال لكل المندفعين للمشاركة في عملية الإصلاح دون أن يكون لهم القدرة الروحية و الأخلاقية و الجسدية على تحمل أعباء المشاركة في عملية الإصلاح.
7- شيخوخة الفكر و عدم قدرة رواد الإصلاح – الأشخاص – على الأستجابة لمتطلبات الواقع وتغيراته الكثيرة و المتسارعة.
8- كثرة المنتقدين لمسيرة العمل الإصلاحي دون المساهمة الحقيقة في توجيه انتقاد يدفع نحو العمل الصحيح , فإنه من السهل على أي شخص يوجه انتقادا لاذعاً و لكن من الصعب جدا أن يتحرك نحو العمل .
هذه هي بعض النقاط التي يمكن أن تزيد الصعوبة في عملية الإصلاح, و أنا أجزم أن هناك أمورا أخرى كثيرة تتسع مع اتساع العمل و تطوراته , و إن واحدا من هذه النقاط من شأنه أن يؤخر مسيرة الإصلاح فكيف إذا اجتمعت!
و لعلي أسوق بعض النصائح التي تخفف من وطأة ما سبق على العمل الإصلاحي:
1- يجب على كل من أراد أن ينخرط في أي عمل إصلاحي أن يتأكد من إخلاص نيته في كل وقت و أن يكون بشكل مستمر في حالة اتهام لنيته خوفا من الوقوع في ما يفسد نيته لان (كل ما لا يريد به وجه الله يضمحل).
2- أن يبادر و يتقدم من يجد في نفسه القدرة و الكفأة على تحمل المسؤولية , و أن يكون في مقدمة صفوف العمل الإصلاحي و أن يساهم في تشكيل قاعدة صلبة تقوم على النصح و التوجيه و المشاورة بدلا من المجاملات و المدح المُطغي للأشخاص و الاستداد بالرأي , و لان تخلفهم من شانه أن يفسح الطريق لمن هم أقل كفأة و قدرة و في هذا خطر عظيم.
3- يغفل كثيرٌ من الأشخاص الذين يكون لهم مقومات قيادية عن حقيقة مهمة ألا و هي ” أن الكفر المنظم لا يقابل إلا بإسلام منظم “, و ربما قد يفلح البعض منهم في إقامة عمل إصلاحي منفرد تحقيا لذاته و تطلعاته الشخصية , وقد ينجح في بعض الأحيان , و لكن ما لا يدركه هؤلاء الأشخاص أن ما يضيفه هذا العمل في مواجهة الكفر المنظم سيظل ضعيف التأثير و هو لا يرقى لمستوى المواجهة, لذلك فإن الجماعة رحمة و مفارقتها شقاء و عناء (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).
4- التأسيس الصامت و تجميع الثقات و العمل بمهنجية تحترم التنوع , و تعمل كثيرا و تتكلم قليلا من أجل أن لا تكون الأفكار محل اتهام السذج من وراء كثرة التنظيرات و قلة العمل.
5- قراءة الإرث التاريخي للأمم قراءة متبصر تُحسن اقتناص المفيد و تعمل على التجديد المستمر بما يناسب كل مرحلة.
هذه بعض نصائح تركزت في مجملها على الأشخاص لانهم هم من يحدد من يدور في فلك من , فالأفكار وحدها لا تبني أمةً قوية مالم يتحرك الأشخاص و يسخروا ما لديهم من أشياء في سبيل الأفكار و يدوروا في فلكها...



ساحة النقاش