من أين يأتينا الخطر؟ [1]

د.حسن يوسف الشريف – يقظة فكر
سؤال يطرحه المسؤولون في القيادات العسكرية والأمن القومي, والخطأ في الإجابة على هذا السؤال قد يسبب للدولة خسائر فادحة، ولكن السؤال هنا ليس موجهاً من هؤلاء ولا إليهم, ولكنه موجه لكل مواطن عربي شريف غيور على بلده وأمته… من أين يأتينا الخطر؟
لاشك إنَّ إجاباتنا ستختلف, لكن يجب ألا نفترق, وهناك فرق بين اختلافنا وافتراقنا، دعنا من أن نوجه الإتهام للآخرين, أليس من المحتمل أن الأفضل أن نوجه الإتهام إلى أنفسنا؟ إن أكبر المخاطر إنما يأتينا من داخل أنفسنا، فالمؤمنون بالله واليوم الآخر لو سألناهم هذا: أى المخاطر أكبر؟ سيقولون النفس ثم الشيطان؛ وذلك لأن الشيطان سيقول يوم القيامة (فَلَا تَلُومُونِي وَلُوُمُوا أنْفُسُكُم).
إن الخطوة الأولى في إحداث التغيير نحو الأفضل تبدأ من أنفسنا (إنَّ الله لا يُغّير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
إن عناصر النجاح لأي عمل اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي تكمن في ثلاثةِ أشياء: عقلٌ مفكر، وإرادةٌ فاعلة، وإدارة ناجحة, والإدارة الفاشلة هي التي تقضى على كل عقل مفكر وكل إرادة فاعلة, والإدارة الناجحة هي التي تُثير الفكر نحو الإبداع وتحرك الإرادة إلى الفعل.
إن أزمة العالم الثالث -ونحن جزء منه- ليست في عدم وجود العقول المفكرة أو غياب الإرادة الفاعلة, لكنه في تغييب الإدارة الناجحة التي تقوم بحشد الطاقات, وضبط الأمور، وتوحيد الصفوف للاستفادة من كل الجهود في تحقيق تنمية حقيقية وشاملة، والإدارة الناجحة هي التي تصنع الرجال كما تصنع الأعمال، دعنا نفكر قليلاً في فكرة بيع القطاع العام, وما جرته علينا من زيادة في الضَعْف الإقتصادى.. لماذا إذن بعد بيع المصنع “س” مثلاً وتحوله من قطاع عام إلى قطاع خاص فأصبح ناجحاً بعد أن كان فاشلاً، ومربحاً بعد أن كان خاسراً؟!!، أليس الذي تغير فقط هو الإدارة؟! فليس السر في عدم نجاح القطاع العام أنه ملك الدولة, وليس السر في نجاح القطاع الخاص أنه ملك الأفراد، إنما في وجود إدارة ناجحة أو إدارة فاشلة, ولا تخلو أمتنا من المديرين الناجحين في كل تخصص, لكن العالم الثالث إنما يقدم فيه من يبرق اسمه لا من يبرق علمه وكفاءته، كما أن الواسطة والمحسوبية وراء كل فشل وفساد.
برزت في مصر خلال ثمانينات القرن العشرين شركات اقتصادية ناجحة بكل المقاييس، مثل شركة الشريف والريان والحجاز والسعد، وحققت إنجازات ضخمة، وكادت أن تقترب من تحقيق طفرة اقتصادية، وفجأة صدرت الأوامر من المخابرات الأجنبية الكبرى بضرورة القضاء على هذا الخطر، وتم تدمير هذه الإنجازات، وهنا أذكر مقولة الدكتور مصطفى الفقي “وكأنّنا أمة الفرص الضائعة”.
الخطر يأتينا من أخطائنا, ونحن المسئولون عن هذه الأخطاء وليس غيرنا, نحن المسئولون عن هزائمنا وليس غيرنا “قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم”.
لابد أن نجتهد في اكتشاف أخطائنا؛ فهو الخطوة الأولى نحو النجاح، فاكتشاف المرض هو نصف العلاج, والخطوة الثانية هي تحديد الدواء والطريقة السليمة في تناول الدواء.
من الخطأ أن نفكر بعقل غيرنا، لقد أعطانا الله نعمة العقل, فلماذا لا نستعملها؟! ومن الخطأ أن نعتمد على الآخرين في حل مشاكلنا، فهذه طفولة سياسية.
مسكين هذا الذي يعتمد على الأمم المتحدة أو البنك الدولي في حل مشاكله, إنه طفل يلهو وسط عولمة متوحشة سوف تلتهمه في الوقت المناسب, ومن الخطأ ألا نتعلم من تجاربنا, والتاريخ هو معمل ومخزن هذه التجارب، فهل استفدنا من تاريخنا؟! هل قرأناه بعناية واستخرجنا الدروس المستفادة؟!.
إن دراسة التاريخ لا تعنى معرفة أحداثه بأشخاصها وزمانها ومكانها وملابساتها، وإنما دراسة التاريخ تعنى الدروس المستفادة من كل أحداثه بسلبياتها وإيجابياتها، فإذا مررنا في حياتنا بأحداث تشابه ما مضى من تاريخنا ولم نسترجع دروس الماضى لنستفيد منها في الحاضر فكأننا لم نتعلم من دراسة التاريخ شيئاً.
لقد تعلمنا من التاريخ أن الوحدة قوة والتفرق ضعف, وأن النصر مع الصبر, وأن قوة الإرادة تهزم قوة السلاح مهما طالت المعركة, وأن ما أُخذ بالقوة لا يُسْترد إلا بالقوة, وأن الحقَّ من غير قوةٍ ضعف, وأن الاحتلال الخارجى لا يتم لشعبٍ إلا عند ضعفه واختلاف أفراده وتفرقهم, وأن من يتعاون مع الاحتلال فهو خائن لوطنه وأمته، وأن الاحتلال لا يخرج إلا تحت قوة الجهاد والقتال, وأن الأمة التي لا تزرع ما تأكل لا تملك قرارها, وإنما قرارها بيد من يبيع لها الغذاء, وأن قوة اشتعال النزاعات المذهبية والطائفية داخل أي أمة إنما تغذيها يد أجنبية شعارها “فرق تسد”.
إن أمة لا تعرف تاريخها بانتصاراته وهزائمه، وأسباب نصرها أو هزيمتها, هى أمة تسير في طريقها نحو الخطر, وسياسيون لا يعرفون تاريخ أمتهم فهم أطفال فى موضع القيادة, ومن الخطورة الكبرى أن يتولى الأطفال قيادة أمة؛ لأنه مكتوب على من لا يقرأ التاريخ أن يعيش طفلاً.
والكارثة الكبرى حينما تُصاب طبقة من النخبة بعمى الألوان الفكرى فترى تاريخ أمتها من خلف نظارة سوداء، فتتنكر لتاريخها وثقافتها وحضارتها، وهؤلاء هم في الحقيقة عملاء ووكلاء الاحتلال فى بلادنا, الذين لا يكلون ولا يملون ليل نهار من دعوتنا إلى أن ندور في فلك التبعية للقوى العظمى الأجنبية، تحت ستار الحداثة والتحديث والتطوير والتنوير.



ساحة النقاش