إحياء تراث التللى بأسيوط

أسيوط .. مدينة قديمة عرفت فى العصر باسم ((سوت)) وسماها الإغريق (ليكو بوليس)  تقع على خطى طول 30,14 شرقا وخطى عرض 27,13 شمالا .تبعد عن مدينة القاهرة 375كم إلى الجنوب,ومدينة أسيوط هى قلب الصعيد وعاصمتة,ومحافظة أسيوط هى أكبر محافظاتة وأكثرها ازدهارا وتميزا فى المجالات الثقافية حيث توجد بها جامعتان كبيرتان وهى اكثر استعداد للنمو الاقتصادى والاجتماعى..تتصل بواحات الوادى الجديد عن طريق درب الأربعين الذى كانت تسلكة قوافل التجارة القادمة من السودان متجهة إلى ساحل المتوسط , مما جعل من أسيوط مركزا تجاريا وصناعيا مهما منذ القدم

إن تلك القوافل التى كانت نحط رحالها لقضاء بعض الوقت للراحة أو لعقد صفقات كانت فى الوقت نفسه تعرض ما نحمله من أقمشة ومواد خام كالجلود وسن الفيلوريش النعام والصوف والأخشاب وغيرها, مما كان له الأثر الكبير فى التكوين المهنىلأهل أسيوط التى احترف أهلها صناعات بعينها عرفت بهم كما عرفوا بها,مثل صناعة الكليم والسجاد وأعمال الصدف والعاج

كانت تلك صناعات أجادها الرجل أما المرأة الأسيوطية فاختارت حرفتها التى تفوقت فيها فنا وإبداعا..تلك هى صناعة التلّى :-

لا نستطيع أن نضع حدا فاصلا بين الفن والحرفة عند رؤيتنا قطعة من هذا النسيج..فهو وإن كان يحمل كل القيم الجمالية والتشيكلية الإ أنه استهدف فى المقام الأول قيمة نفعية  تتحقق فيها استخدامهامتعددة ومنهاانةفن شعبى ينبع من المخزون ثقافى عميق يعود إلى ألاف السنين مرتبط بقيم المجتمع ومثالياتة وعاداتة وتقاليده,, فهو كفن شعبى مصرى لم يكن يوما نوعأمن الحرف بقدر ما هو ضرورة حياتية ووسيلة ذكية للقمة العيش , تعين هؤلاء الكادحين وتفتح لهم بابا للرزق يحققون من خلاله ولو الحد الأدنى من الحياة الكريمة

وهذا الفن الحرفى يعتمد فى إنتاجة بصفة أساسية على نسيج الناموسية (التل) الأبيض أو المصبوغ بالأسود مع خيوط معدنية مفلطحة قد تكون من ذهب أو فضة أو معدن مركب لايصدأ, اما الوحدات الزخرفية فهى من الموروث الشعبى المصرى,ونستطيع أن نتبين منها النخلة والجمل والعروسة والفارس,وقد صيغت بأشكال متنوعة ,مع مساندة من وحدات زخرفية هندسية ومجردة

لم يدر بخلد المرأة الصعيدية أن يعرض بعض إنتاجها فى المتاحف أو ترتدى قطعة منه إحدى الفنانات العالميات كما حدث فى الحفل الختامى لمهرجان مؤخراً ,,لكن هى الفطرة المبدعة والموهبة الصادقة والقدرة على الربط بين الجمال والمنفعة والهواية ولقمة العيش ... إنها صاحبة الفضل فى حفظ تراثنا عبر القرون حبا ونبضاً

وإذا كانت الظروف قد أدت إالى اندثار هذه الصناعة فى أواخر النصف الأول من القرن العشرين فالأمانة تقتضى ألانغفل دور السيدة الجليلة عزيزة الشعراوى حرم الدكتور سليمان حزين أول مدير لجامعة أسيوط حيث قامت بمحاولة جادة لإحياء هذا التراث فى الفترة ما بين عامى 1959,1954م وهى تقريبا الفترة التى شغل فيها  الدكتور حزين منصبه فى الجامعة غادر بعدها أسيوط إلى القاهرة وزيرا للثقافة.فتوقف مشروعها لإحياء ودعم الحرف والصناعات التقليدية

ق أما محاولتى المتواضعة فكانت فى الشهور الأولى من عام 1992 حيث أنشات"بيت التلى" الذى تم افتتاحه رسميا عام 1994 بالقرب من مرسمى بحى الوليدية ,وقد قمت بتصميمة بهذا الشكل الشعبى ليناسب وفكرة التلى ليصبح البيئة المناسبة لإنتاج المرأة الريفية البسيطة ,لكن كيف جاءت الفكرة لإحياء هذة الصناعة ؟

صباح يوم من شتاء 1992 التقى زميلى وصديقى الفنان التشكيلى بسيدة إنجليزية أتت من لندن خصيصا تسعى لاقتناء بعض قطع التلى من أسيوط موطن هذه  الصناعة الأصلى ... وللأسف لم تعثر على شئ فاهدت لصديقنا الفنان صورة فوتوغرافية لقطع من التلى من إنتاج أسيوط معروضة بأحد المتاحف البريطانية ...وفى المساء من اليوم نفسه التقيته أسفا على اندثار هذا الفن

أخذت منه الصورة الفوتوغرافية التى أدهشنى ما بها من إبداع ..ثم بدأت عملية البحث النظرى ثم الميدانى بين أحياء أسيوط القديمة حتى تعرفت على سيدتين لازالتا تذكران هذا النوع من التطريز بخيوط الذهب والفضة وأما ما شابهها لم أكن قد رأيت التلى من قبل .وأثناء البحث حصلت من بعض الأصدقاء على أجزاء من شال وبقايا من جلباب .وفى (طما) المدينة التى تقع فى محافظة سوهاج متاخمة  لحدود محافظة أسيوط أهداتنى إحدى العائلات العريقة واحدة من مقتنياتها صنعت منذ نحو 150 عاما .. وقديما كانت العائلات الكبيرة تستعين ببعض الريفيات ممن يجدن هذا الفن للعمل على تنفيذ احتياجات تلك العائلات من هذه الأزياء التى كانت تعد عليها الوجاهة الاجتماعية

ق لم يكن البحث عن الخامة أقل عناء من التعرف على أصحاب الخبرة فقد استلزم الأمر بحثا مضنيا فى أحياء القاهرة القديمة

وأخيرا اكملت الدائرة ...لقد توافرت الخامات فقدمتها للسيدتين المسنتين وتعلمت ابنتى بطريقة العمل التى راحت بدورها تدرب بنات جيلها حتى أصبح لدينا 24 فتاة يجدن العمل فى هذا الفن ؛ وداخل بيت التلى فى أحد الأحياء الشعبية التى اشتهرت قديما بهذه الصناعة

ولما كان ذلك يتمشى مع دور الصندوق الاجتماعى للتنمية الذى كان قد أنشا فرعأ له فى أسيوط  آنذاك فقد وافق على فكرة دعم المشروع بمبلغ يمنح لجمعية أهلية فى أسيوط يتم المشروع من خلالها على أن أعمل مديرا تنفيذيا لدى هذه الجمعية وراعيا للمشروع

ولكن بعد أن تم نحقيق المستهدف خلال عام من مدة المنحة وهو تدريب 100 فتاة توقفت الجمعية عن الاستمرار فى المشروع ،ولكننى لم أتوقف فقد طلبت من كل متدربة أن تنقل خبرتها لصديقاتها  أو جارتها أو شقيقاتها فأصبح لدينا نحو 600 سيدة وفتاة مؤهلة للإنتاج ...ومع ابنتى السيدة /منال سعد زغلول استطعنا الاستمرار فى المشروع لنقدم لعشاق العمل اليدور والفن النسائى هذه النماذج من الأزياء التى نحمل قيما جمالية تناسب هذا العصر برغم انتمائها لفن تمتد جذوره فى عمق التاريخ المصرى الحافل بالقيم الإنسانية النبيلة

وقد سعدت عندما عملت أن جمعيات أهلية فى مصر ومنها قصر الثقافة بأسيوط ,قد تتبعت خطواتى لتنشئو مشاغل للتلى ,,مما قد يساعد على ازدهار هذه الحرفة الفنية.

المصدر: بيت التللي- الفنان التشكيلي سعد زغلول
  • Currently 180/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
58 تصويتات / 1739 مشاهدة

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

73,931