الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة

نحو فهم أعمق للحقوق الخاصة

يمكننا أن نعتبر اتفاقية الأشخاص ذوى الإعاقة اتفاقية فريدة من نوعها إلى حد كبير، وتختلف بدرجة ملحوظة من حيث التفاصيل عن باقي مواثيق حقوق الإنسان ألأخرى، فرغم احتفاظ الاتفاقية بالشكل العام للمواثيق الحقوقية، من حيث البدء بالتأكيد على المصادر المرجعية و المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان إلا إن الاتفاقية تختلف من حيث المضمون عن باقي المواثيق .

فالاتفاقية تتبنى أكثر الرؤى للأشخاص ذوى الإعاقة تقدما، وتؤكد من خلال التفاصيل على ما يواجهه المعاقون من حواجز عديدة تبدأ من تفشى الجهل بشؤونهم و إمكانيتهم الكامنة والمهدرة، فبداية تؤكد الاتفاقية على إن مفهوم الإعاقة مازال خاضع للتطور وهو ما أدى إلى مرونة الصياغة بشكل كبير، كما تبنت الاتفاقية النظرية الاجتماعية للإعاقة التي ترى الإعاقة في الحواجز البيئية وليست في العاهة الجسدية أو الحسية

ومن هنا أرى من الخطأ التعامل مع الاتفاقية فقط بوصفها ميثاق لحقوق الإنسان صار جزء لا يتجزأ من المرجعية الدولية، فمع صحة ذلك إلا إن ما جاءت به من أفكار نضجت و تعمقت عبر تفاعل طويل بين الخبراء و المختصين في العديد من المجالات تلقى بمسئوليات كبيرة على عاتق منظمات حقوق الإنسان بشكل خاص وعلى المجتمع كله بشكل عام، فكثير من النقاط التي حسمتها الاتفاقية، مازالت محل جدل داخل المجتمعات العربية والمجتمع المصري، فبداية من الحق في الزواج و تكوين الأسرة ومرورا بالحق في الجنسية والمشاركة السياسية بمعناها الشامل أي الحق في تقلد المناصب و الترشح وانتهاء بالحق في الدمج و التواصل و الاعتراف بثقافة فئات المعاقين المختلفة .. ما زالت غير مستقرة حتى داخل منظمات حقوق الإنسان، وإذا كانت مواجهه التصورات والأفكار الرجعية أحد مهام نشطاء حقوق الإنسان فماذا لو كانت تلك الأفكار سائدة بين النشطاء في هذا المجال أنفسهم؟ أن الاتفاقية كما تفتح أبواب الأمل لفئة اجتماعية عانت عبر قرون و مازالت تعانى بدرجات مختلفة من أقصى حالات التهميش و العزل تطرح في نفس الوقت الصدام الحتمي والذي لن يكون بسيطا مع الأفكار الرجعية المهيمنة اجتماعيا، والمحاطة بهالة من القدسية الدينية .

أن هذه الورقة لا تطمح في تغير كثير من الرؤى السلبية السائدة ولا تدعى شمولها لحقوق الأشخاص ذوى الإعاقة، فقط تأمل أن تكن بداية لفتح أوسع حوار ممكن بين النشطاء والمهتمين حول ما جاءت به من حقوق، فيجب أن نحسم بداية بيننا الخلافات النظرية حول الحقوق الخاصة بالمعاقين، لنوحد رؤيتنا لفئة اجتماعية مازالت إلى حد كبير خارج دائرة الضوء، كما نأمل أن تكن بداية لعمل جماعي يهدف إلى نشر الحقوق الخاصة بالمعاقين على أوسع نطاق ممكن

لماذا الاتفاقية؟

دائمًا ما يثار التساؤل عن أهمية المواثيق الحقوقية الخاصة بفئات معنية وينطلق هذا التساؤل من فرضية كفاية المواثيق الأساسية( الإعلان العالمي والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان) وشمولها لكل الحقوق وبالتالي انطباقها على كل إنسان بصرف النظر عن وضعه المادي والاجتماعي، ولكن و كما قال احدي مفوضي الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أثناء مناقشة الاتفاقية الخاصة بحقوق المعاقين (لو كنا في عالم مثالي لكانت الحقوق الواردة بالإعلان العالمي كافية لحماية حقوق الإنسان)... وبالطبع لسنا في هذا العالم المثالي و لكنى أود أن أضيف سببا أخر لأهمية الاتفاقيات الحقوقية الخاصة وهو التطور الاجتماعي و العلمي، فتطور المجتمعات كشف في الواقع عن انتهاكات لم تكن موجودة أو مرصودة في السابق وبالتالي الاحتياج إلى تجريم أفعال لم تكن مجرمة والنص على حقوق تفصيلية لم تكن مطروحة سابقا كما أن التقدم العلمي على المستوى التقني اظهر تفصيلات لحقوق لم تكن موجودة فالخبراء فهموا الحق في "التواصل و الاتصال" بشكل أفضل مع التقدم الكبير في هذا المجال على المستوى التكنولوجي و كذلك تطور لغة الإشارة وطريقة برايل والطباعة بالحروف الكبيرة و البارزة ... بالإضافة للتقدم الهائل في مجال تأهيل المعاقين ذهنيا و الذي كشف عن إمكانيات و مواهب لم يعتقد الكثيرين بوجودها أصلا

ومن ناحية أخرى وطبقا لنظرية النمو المركب واللامتكافئ، فهذا التقدم ما زال حتى الآن متاح للأغنياء فقط ومازال بعيد المنال بالنسبة للفقراء الذين يشكلون 90% من بين ال650 مليون معاق في العالم و بالتالي لم يعد من المقبول على الأقل نظريا أن يحرم المعاقون الفقراء من الكثير من الحقوق فقط لكونهم فقراء ويجب أن يتم التأكيد من خلال وثيقة حقوقية دولية على المساواة في هذه الحقوق اتساقا مع مبدأ عالمية الحقوق و انطباقها على الجميع دون تمييز.

عرض عام للحقوق الواردة بالاتفاقية

من الصعوبة بمكان اختيار طريقة محددة لعرض الحقوق الواردة بالاتفاقية الخاصة لحقوق الأشخاص ذوى الإعاقة، فكما قال ماكي "أن ما تسعى إليه الاتفاقية هو أن تشرح حقوق المعوقين بالتفصيل " وكما ينطبق قول ماكى على هذه الاتفاقية ينطبق في الواقع على كل الاتفاقيات الخاصة بالفئات الأكثر ضعفا كالمرآة ، الطفل، اللاجئين ...فالتفاصيل هنا لا تعد شرحا وتفسيرا للحق فقط، بل واقعيا تشكل التفاصيل حقوق فمع الأخذ في الاعتبار مبدأ تكامل الحقوق و تشابكها خصوصا في مجال الحقوق الخاصة، فالفصل حتى علي المستوي النظري بين الحقوق يعد صعبا بدرجة كبيرة، وحلا لتلك الإشكالية، ستركز الورقة المطروحة على عرض عام للحقوق اللصيقة بالمعاقين مع التركيز على الحقوق التي تثير إشكاليات نظرية وعملية، اتساقا مع الهدف الخاص للورقة فسوف نبدأ بأهم ما جاءت به الديباجة من أفكار جوهرية ثم نعرض لمجموعات الحقوق التي تنشأ التزامات على عاتق الدول الأطراف و أخيرا تنتهي بما يمكن أن نسميه مسئوليات المجتمع المدني

الديباجة و النظرية الاجتماعية :

تلتزم دائما ديباجة المواثيق الحقوقية بشقين، الأول شكلي وهو عرض للمرجعية الدولية كمصادر أساسية، مع التأكيد على المبادئ الجوهرية لحقوق الإنسان، والشق الثاني موضوعي و يعنى بتوضيح الدوافع التي دعت لصدور الاتفاقية وأهدافها العامة والخاصة .

ومع احتفاظ الاتفاقية الجديدة بالهيكل العام لباقي المواثيق إلا أن ديباجتها جاءت في الشق الثاني "فقرة ه" لتؤكد أن الإعاقة "كمفهوم" لا يزال قيد التطور و بالتالي فهو مفهوم غير مستقر وجاءت باقي الفقرة بالرؤية الاجتماعية الحديثة للإعاقة(أن الإعاقة تحدث بسبب التفاعل بين الأشخاص المصابين بعاهة و الحواجز في المواقف والبيئات المحيطة التي تحول دون مشاركتهم مشاركة كاملة فعالة في مجتمعهم على قدم المساواة مع الآخرين).

فمن المسلم به في الفقه القانوني سواء على مستوى القانون الدولي أو الداخلي أن القانون يعبر أو يعكس العلاقات التي بنيت على مفاهيم مستقرة، فكيف للقانون أن يعبر عن مفاهيم غير مستقرة ؟ أن الإجابة على هذا التساؤل تكمن في العلاقة بين التطور العلمي من جهة والمنظومة الحقوقية من جهة أخرى، فمع الاعتراف بالطبع بخصوصية المواثيق الحقوقية واختلافها عن التشريعات الداخلية من حيث العمومية و المرونة، إلا أن التطورات العلمية الحديثة والمتسارعة سواء العلوم الاجتماعية أو التقنية أدت إلى ضرورة تطور القوانين بدرجة أسرع من ذي قبل- بدرجة اقل بالطبع من التطور العلمي- والتناسب بين سرعة التطورات العلمية وبين تطور المواثيق الحقوقية هي التي أدت إلى ضرورة صدور الاتفاقية برغم عدم استقرار الإعاقة كمفهوم قانوني، فالتطور العلمي في مجال الإعاقة على المستوى التقني وخصوصا في مجالي الطب وتكنولوجيا الاتصال، أصبح أسرع من إمكانية تتبعه وربما يتعجب الكثيرون حين يقرئون عن التقدم المذهل في هذه المجالات و الذي ينبأ بإمكانيات واقعية لإزالة الكثير من الحواجز التي تحول بين المعاقين والتمتع بحياة طبيعية، فالصم على سبيل المثال يمكنهم ألان متابعة المواد التلفزيونية التي تترجم مواده تكنولوجيا ومباشرة من خلال جهاز صغير يوضع داخل التلفزيون ناهيك عن التقدم الكبير في علاج الكثير من حالات الصم عن طريق إعادة الاتصال بين الإذن الوسطى و مركز السمع بالمخ وفى مجال المكفوفين فهناك الآن أجهزة الكمبيوتر ووسائل الاتصال مثل التليفونات المحمولة الخاصة بهم ... وأدت هذه التطورات التقنية مع عدة أسباب أخرى منها نشاط حركة المعاقين في الكثير من دول العالم إلى تطوير النظرية الاجتماعية للإعاقة، وهى النظرية التي تبنتها الاتفاقية الجديدة، فقد برهنت التطورات العلمية على الإمكانيات والمواهب الكامنة لدى الأشخاص ذوى الإعاقة كما أوضحت من جهة أخرى أن المعاناة من الحواجز البيئية ليست قدرا محتوما، بل حرمان من حقوق إنسانية وإهدار لكرامة ملايين البشر.

كما أن النظرية الاجتماعية عمقت الرؤية الحديثة للإعاقة بعكس النظرية التقليدية التي مازالت سائدة وترى الإعاقة في العاهة اى داخل الشخص نفسه، فنظرة سريعة على قوانين الإعاقة العربية مثلا و منها قانون التأهيل المصري 39لسنة75 نجدها تتبنى في مجملها النظرية التقليدية والفرق العملي بين النظريتين شاسع للغاية فالأولى تدعو لسياسات وبرامج تنطلق من العمل على إزالة الحواجز وخلق بيئة محيطة يسهل تعامل المعاقين معها، أما الثانية فتبنى السياسات و البرامج انطلاقا من الشخص المعاق وكيفية أعالته و توفير بعض الخدمات له وهذا الاختلاف يدعو إلى ثورة في هذا المجال لإعادة دراسة الواقع وإعادة صياغة السياسات و البرامج طبقا للنظرية الحديثة .

أهمية التأكيد على تنوع المعاقين:

ربما يعتقد البعض أن تأكيد ديباجة الاتفاقية على الاعتراف بتنوع الأشخاص ذوي الإعاقة، هو تأكيد لما هو مؤكد، فالمعاقين متنوعين واقعيا، ولكن لهذا الاعتراف والتأكيد عليه أهمية كبيرة سواء على المستوى الحقوقي أو على مستوى التمتع بالحقوق واقعيا

فمع الاعتراف باختلاف فئات المعاقين يجب التأكيد النظري على وحدة الحقوق وعدم إمكانية تجزئتها، و على المستوى العملي عانت ومازالت حركة المعاقين من التشتت، فغالبية المنظمات المعنية بالمعاقين نشأت و تطورت انطلاقا من رؤية أخلاقية تنبع من الشفقة والعطف وليس الحق وتمسكت غالبية المنظمات بالنشاط الفئوي المحدود فهناك منظمات للصم فقط وأخرى للمكفوفين وغيرها للمعاقين ذهنيا.... وإذا كانت حركة المعاقين تهدف إلى تحقيق مكاسب عملية فيجب أن تحل هذه الإشكالية من خلال الاعتراف بوحدة الحقوق وتنوع المتمتعين بها، كذلك فالهدف الأصيل للنظرية الاجتماعية الحديثة التي تبنتها الاتفاقية وهو الدمج الاجتماعي الشامل اى قبول الأخر من منطلق أن الإعاقة جزء من التنوع البشرى الطبيعي، فالتشتت يحد من مساحات التفاعل الاجتماعي بين فئات المجتمع المختلفة وبالتأكيد النشاط الفئوي والذي يصل إلى حد العزل في الكثير من الحالات و خاصة المكفوفين و المعاقين ذهنيا يضيق كثيرا من مساحات التفاعل الاجتماعي

التزامات الدولة الطرف و إشكالية المادة4:

وردت التزامات الدول الإطراف بالمادة 4 ولكن في الحقيقة فالالتزامات الواردة بها ليست أكثر من البديهيات أما الالتزامات الجوهرية فهي مستمدة من كل نصوص الاتفاقية فكل حق يمثل التزام سواء بالمعنى السلبي الكف عن الانتهاك أو بالمعنى الايجابي توفير إمكانية التمتع بالحق.

فرغم المنطقية النظرية لهذا النص -فليس من المعقول أن نطالب الدولة بما لا تملك- إلا أن الواقع أكد أن هذا النص و أمثاله في المواثيق الأخرى وخاصة العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عطلت التمتع بهذه الحقوق فعليا، وكما ينطبق ذلك على كل المواثيق تقريبا ينطبق أيضا على هذه الاتفاقية فغالبية الحقوق الواردة بها هي حقوق اقتصادية واجتماعية فجوهر الاتفاقية هو العمل على إزالة الحواجز المادية، وهو الأمر الذي يحتاج بالطبع إلى تكاليف مالية، وعلى المستوى النظري و في ظل هذا النص يحرم المعاق من أمكانية المطالبة القضائية بالحق فالدولة لديها الرد القانوني الجاهز" عدم توفر الإمكانيات وعدم كفاية الموارد" وبرغم سذاجة هذا الرد و إمكانية دحضه اقتصاديا، إلا انه رد قانوني ويصعب عمليا السجال القضائي معه، ويرى البعض أن المشكلة هنا لا تعود لهذا النص وأمثاله لأنه منطقي نظريا من جهة ولان غالبية دول العالم الثالث تؤكد عليه قبل الانضمام إلي الاتفاقية، وجوهر هذه المشكلة يعود للتشريعات الداخلية، ومع الاعتراف بمنطق هذا الرأي إلا انه يتنافى مع المنطق القانوني البسيط، فالحق الذي لا يمكن المطالبة به قضائيا يظل حقا نظريا له قيمة معنوية أكثر من قيمته الالتزامية

الالتزامات الجوهرية على المستوى التشريعي :

يتخذ التشريع في الكثير من الأحيان كأداة لتغيير أفكار وعادات رجعية، والدفع نحو تبنى أفكار أكثر تقدما, وقد ساهمت مواثيق حقوق الإنسان في الدفع نحو ذلك في الكثير من التشريعات الخاصة بالطفل والمرأة والمهجرين واللاجئين ...... الخ وسوف نلقى الضوء هنا على أهمية هذا النوع من الالتزامات بربطها بالمبادئ والأفكار الجوهرية للاتفاقية بداية من تبنى رؤية الاختلاف وقبول المعاقين كجزء من التنوع البشرى

فالحق في التعليم والعمل والصحة والحق في التعبير والمشاركة السياسية، كل تلك الحقوق تحتاج لإعادة صياغة الكثير من القوانين، كما أن مراجعة التشريعات القائمة لإلغاء ما بها من تمييز طبقا للمادة 4 ينطبق بشكل أو بأخر على غالبية الحقوق، فالقوانين القائمة وخاصة في التشريع المصري إما لا تلقى بالا للمعاقين ألا في أضيق الحدود وطبقا لنظرية القرن التاسع عشر مثل التشريعات العامة, وإما تتبنى رؤية رجعية للمعاقين مثل قانون التأهيل المصري 39 لسنة 75 .

الكاتب: غريب سليمان - المحامي

  • Currently 321/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
107 تصويتات / 2460 مشاهدة
نشرت فى 3 مايو 2009 بواسطة sn1

ساحة النقاش

wanderfull
الاتفاقيات والقوانين حبر علي ورق
الامل فى 22 سبتمبر 2009 شارك بالرد 0 ردود

عدد زيارات الموقع

171,403