
التناص مع النص القرآني في قصيدة ( بوح الأهلة ) للشاعر أحمد عبدالحافظ
بقلم/ عبدالله صبري
في قصيدته ( بوح الأهِلَّةْ ) يسعى الشاعر أحمد عبدالحافظ إلى منح القصيدة خصائص اعتراضية ناقدة للأوضاع السياسية و الموروث الاجتماعي عن طريق الاتكاء على استحضار القرآن الكريم ، فالشاعر يتكئ على ما هو أقوى لمقاومة ما هو أضعف .
أما عن التناص فلم تثر كلمة في قاموس النقد الحديث من الجدل النقدي والنقاش الفكري ما أث...ارته كلمة التناص Intertextualité ،وبخاصة في صفوف الحداثيين العرب. فهي مصطلح يسوده التذبذب في الترجمة والغموض في الأداء. فتارة تترجم بالتناص وتارة بالبينصية، وثالثة بالنصية. وهذا ما يؤدي إلى التباس وغموض، وإلى ضرورة القيام بوقفة يقظة لتجلية مفهوم المصطلح وتمييز الحدود بينه وبين ما قد يلتبس به. فالتناص هو غير النصية المرتبطة بالبنيوية وما تعنيه عند تحليل النص الأدبي؛ الذي هو منتج مغلق، ونسق نهائي يمكن تحليله وتفسيره في ضوء علاقات وحداته داخل نسقه الأصغر بعضها ببعض. ¹
- منذ مفتتح قصيدته ( بوح الأهِلَّةْ ) يعتمد الشاعر أحمد عبدالحافظ إلي استحضار النص القرآني فيقول مخاطبًا الرئيس المصري السابق مبارك
فاختر أي الموتين تفضل ْ ...
وسنحكم فيك َ بحكم الله ِ تعالى
ونسير على نهج الآية هـ ...
فاليومَ ننجيك َ ببدنك ْ ...
لتكونَ لمن خلفك آية ه
و هنا يستحضر قول الله تعالي ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ )
و يقول الشاعر :
تبَّت يداهُ
ومن حباه وتبَّ ...
من ظن يوما أنَّه ُ
سيكون بعد الله ربَّا ..
هنا يستحضر قول الله تعالي في سورة المسد (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) ، فهو يصب جام غضبه على الطغاة و المنتفعين ، محملهم مسؤولية ما آلت إليه الأمور في الأوطان من فساد و شعور باليأس و الإحباط و الضياع و ما أصاب أحلام الناس من تغريب و شعور معظمهم بالاغتراب الروحي ، فيستطرد الشاعر قائلاً :
وانساب في أذهاننا ...
يحي مرارَ اليأس في أفواهنا ...
ويميت جذوة عمرنا وشبابنا ...
ويغرب الأحلام في أحداقنا
شرقا وغربا ...
إن مفهوم الاتجاه الإسلامي في الأدب؛ بجميع أجناسه القولية؛ نعني به انطلاق الأديب المسلم من تصور إسلامي فينظرته إلى الكون والإنسان والحياة، وفي نظرته إلى القضايا والأحداث والأشخاص والمشكلات،وفي تعبيره عن العواطف والمشاعر والمُثل التي تكرس قيمة الإنسان من حيث كونه حاملا للأمانة السماوية دون غيره من الكائنات.
وبذور هذا الاتجاه كثيرا ما نجدها، أو نجد لمحات منه، في أدب بعض الكتاب ممن ليسوا من أصحاب الفكر الإسلامي، بل من دعاة إيديولوجيات معارضة أو مباينة له. أو ممن ليسوا على عقيدة الإسلام. وتلك البذور واللمحات إنما ظهرت في كتاباتهم نتيجة الثقافة أو المشاعر، لا نتيجة النظرة الشاملة المنبثقة من التصور الإسلامي الكامل ².
يقول شاعرنا :
فرض الهروب ِشريعة ٌ بكتابه ِ
فاختر لنفسكَ قبلة ً أخرى هناكَ
وولِّ وجهك شطرها ....
أو حيثما كنتم فولوا وجهكم
شطر البعيدِ وأبحروا
بل واغرقوا هربا ....
و هو هنا يستحضر قوله تعالي :
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) البقرة150.
إن التناص يرصد التنويع داخل نص ما، وهذا التنويع قد يقع على نواة أو موضوعة أو أصل نص، بحيث يعتري المُنَوَّع تبديلٌ أو تغيير. فإذا كان على أصل مستقل سمي تناصا خارجيا، وإذا كان تنويعا داخليا سمي تناصا داخليا. وكلا التناصين له طرفان، وبينهما درجات. فالتناص الخارجي طرفاه: التطابق والتباين، والتناص الداخلي طرفاه التطابق والتناقض.
ويُرصد التناص الخارجي في إطار بنية أصلية ذات مكونات مضمونية وخاصيات شكلية تتخذ أصلا يُقاس عليه لإبراز التماثل والاختلاف بين البنية الأصلية والبنية الفرعية ³.
و نري الشاعر أحمد عبدالحافظ يستحضر النص القرآني أيضاً في ختام قصيدته ( بوح الأهلة ) في قوله :
هزِّي إليك ِ بجزعها
يساقط الأولاد فوق ترابها
حبات نور ٍ
لؤلؤاتٍ
رطبا يُقَـوِّتُ عودها
بمخاضها
فيرجُّ وجه َ الأرض ِ صوتُ وليدها
أنَّا شققنا الأرضَ شقا ...
و هو هنا يستحضر قوله تعالي :
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا . مريم-25
- مما لا شك فيه أن التناص مع النص القرآني و استحضار آيات القرآن الكريم من الآليات الفنية التي اهتم بها كثير من الشعراء المحدثين ، بغية إثراء النص الشعري بتحميله دلالات و إشارات فنية تضيف إليه و ترتقي به ، و الشاعر أحمد عبدالحافظ شاعر ذو ثقافة دينية واسعة يعتمد عليها في بناء خطابه الشعري و تفكيك الموروثات و القيم السلبية في مجتمعه ، و كأنه يستقوي بعظمة و قدسية و جلال النص القرآني على ما يواجهه من إحباطات و هموم ، مقدمًا رؤى جديدة تعتمد علي هضم المقدس و التراثي و استلهامه في خلق بنية فنية محدثة تقدم تجليات جديدة لإشكاليات عصره و هموم مجتمعه .
عبدالله صبري
هوامش :
1- د. عبد العزيز حمودة: المرايا المُحمدية: من البنيوية إلى التفكيك.
2- مأمون فريز جرار: الاتجاه الإسلامي في الشعر الفلسطيني
3- د. محمد مفتاح: مشكاة المفاهيم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 2000م، ص: 173.



ساحة النقاش