ولا تقنطوا من رحمة الله ..
...
قصّة قصيرة من إعداد وتقديم الروائيّة اللبنانيّة هند نصر
مع تنويه أسرة بنك لبنان الدولي بكاتبتهم المبدعة..
...
نادر، بعمر الخامسة عشر اضطر إلى الإنقطاع عن متابعة دراسته بسبب الفقر. فوالده لم يعد بمقدوره أن يوفر له الحد الأدنى من المعيشة المتواضعة، ممّ اضطرّه (كونه بكر العائلة) إلى التخلي عن الدراسة، ودخول معترك العمل في سن مبكرة. بدأ العمل في محطة للوقود. يزوِّد السيارات بالوقود وينظف زجاجها. كان يذهب صباحاً إلى عمله ليعود في نهاية النهار إلى البيت، حيث يغتسل ويتناول طعامه، ويلاعب إخوته الصغار قبل النوم. كان كل شيء رتيب ممل متكرر بالنسبة لنادر، فثمّة شيء يزعجه، ينغص عليه حياته. وما زاد في نفسه كآبة، رؤية رفيقه من عمره. وهو يقود سيارة حديثة الطراز، يدخل إلى المحطة بسيارته الفخمة ويأمر نادراً أن ينظف زجاج سيارته ويعبئ لها البنزين، كان زميله في المدرسة أيام كان فيها. ويناوله مبلغاً يساوي ضعف ما يجب عليه أن يدفع قائلاً: الباقي لك. بإبتسامة سخرية واستهزاء، بعدها ينطلق مسرعاً نافثاً خلفه ضبابة من الدخان الأسود. وتاركاً ضباباً كثيفاً من الحقد والغيرة والكآبة في نفسه. حزّ في نفس نادر، ما رآه من تصرف رفيق الدراسة. فانتابه الحزن، وشعر بصداع أليم في رأسه. ارتفعت حرارته، لازم الفراش مدة يومين لم يذهب إلى العمل. فكانت بمثابة هزة نفسية مؤلمة يشعر بها للمرة الأولى في حياته. ومم يزيد الطين بلّة، أيضاً إنتكاس صحة والدته، مما إضطره لنقلها إلى المستشفى، بقيت عدة أيام فيها. لكنها نجت من موت محتّم بعد تعرضها لنوبة قلبية خفيفة. كاد قلب نادر أن ينفطر عليها من شدة الخوف لكن الحمدلله، أتت بألطف ما يكون. فلو لم تنجُ الوالدة من وعكتها الصحية، من كان سيهتم بأخويه الصغار؟ هل كان سيترك عمله، إذ لا يمكن أن يكفيهم مدخول واحد لإعالة الأسرة. كم أنت رحيم بعبادك يا الله.
...
عادت والدته إلى المنزل، وعادت الحياة إلى طبيعتها. والبهجة إلى قلوب الجميع. تتوالى الأيام منتظمة، ونادر كل يوم يذهب إلى عمله، الوجوه أصبحت مألوفة إليه. منها وجوه جديدة باسمة، ومنها مكفهرّة تنم عن حزن عميق يسكن القلوب. وجوه عابسة تكشف عن كره، وحقد، وحسد. أما هو فيقف كل يوم في البرد القارس، أو في لهيب الشمس، ينظف الزجاج ويزوّد السيارات بالوقود. ما هذه الحياة العجيبة؟ يتطلع إلى شبان وفتيات يحملون كتبهم، ويذهبون إلى المدرسة وكان يراهم في نهاية العام الدراسي فخورين بنتائج دراستهم. يسأل: رباه؟؟ لماذا حُرمت من هذه الفرصة؟؟ هل كتب عليَّ أن أبقى جاهلاً؟؟ لماذا كتب عليَّ الشقاء؟؟؟ أنا بكر العائلة: وأنا أتحمّل المسؤولية الأكبر؟؟ فإخوتي يذهبون إلى المدرسة، بمساعدتي لهم. ليتني أستطيع أن أعود إلى المدرسة، وأن أحمل كتبي وأذهب كل صباح إلى حيث أحب، أن أكون في الصف وبين الرفاق. والذي يزيد في مرارته. نظرات المارة، حين يرمقونه بنظرات الذل، والإحتقار. حتى بات هو ينظر إلى نفسه ذات النظرة. شعوره بهجر الدراسة يعذبه، ولكن ماذا يفعل؟؟ لا يستطيع شيئاً حيال هذا القدر. الذي يرسم له خطوات عليه أن يسلكها. لكنه كان يقنع نفسه أنه ليس الوحيد في هذا العالم الذي يخضع لحكم القدر.
...
ثلاثة أعوام من الوقت مرّت، لا شيء يتغيّر في حياته إلا درجة الحرارة فقط: فمن لفحات باردة مثلجة تصفع جسده الهزيل وهو واقف في المحطة إلى درجة مرتفعة تلهب عروقه وهو في نفس المكان. بدأ يقتنع بقدره الذي يصنع حياته، ويفرضها عليه. فيواظب على التنفيذ كشخص محب لعائلته. «إلى أن حدث شيئاً غريباً»... إذ بدأت تتردد إلى المحطة سيارة فخمة وإذ بسيدة في عقدها الرابع، تجلس في المقعد الخلفي من السيارة، في غاية الذوق والأناقة. والثراء باد عليها. يقود السيارة موظفاً بلباسه الرسمي. كانت تمر هذه السيارة كل صباح للتزود بالوقود. وبدأت السيدة تتأمل من وراء زجاجها الخلفي. تتأمل نادر، بعيون المحبة والعطف، والإستغراب. كأنها تتساءل لماذا هو هنا في هذا المكان؟؟ وليس على مقاعد الدراسة. إحتار نادر في أمرها، وأمر نظراتها الحنونة كل يوم له!!! نظرات مشدوهة من وراء الزجاج لتعود السيارة وتقلع بعيداً. لم ينس تلك النظرات. ماذا تريد منه ؟؟.. لماذا تتفرّس في ملامحه؟.. هل ذكّرها بأحد أقاربها، أو معارفها. أم أنها فوجئت، لوجود شخص رقيق الحال مثله. فيما هي من الطبقة البورجوازية. لا تعرف بوجود من هم أمثاله من عباد الله الكادحين. ظلت نظراتها تلاحقه في الذاكرة طيلة النهار. حتى أن شعوره رافقه إلى السرير. يوماً بعد يوم، السيارة تمر إلى المحطة، السيدة تحدّق فيه ثم تنطلق بعيداً. شعور بالرهبة والقلق من كل جانب، ويسأل نفسه هل تراقبه؟؟؟ هل يخبر أحداً من عائلته بالأمر إذ ليس من عادته أن يطلع أحداً على أموره الخاصة، وأسراره.
...
أصبح بكل شوق ينتظر وصولها كل صباح. هو أيضاً بدأ ينظر إلى وجهها الحالم الذي تعلوه مسحة حزن. بدأ عنده حب الاستطلاع ليعرف. من هي؟؟.. من تكون؟؟ .. ما اسمها؟؟ لكنه أقنع نفسه، قد يرتاب أحد ما في أمره إن استعلم عن اسمها، والمعلومات عنها. قلبه يتلوى ألماً، يكاد يتوقف عن الخفقان. لماذا هذا الألم الحارق الذي يزهق روحه. لم يعد يستطيع صبراً ولم يعد قادراً على تحمل قسوة الحياة بعد وفاة أمه المفاجئ. مضى أسبوع عى وفاتها، وهو ما زال أسير المنزل، للإعتناء بأخوته الصغار. والبقاء بقربهم، وبقرب والده الذي سقط طريح الفراش يئن ألماً دفيناً في معدته. والحزن على زوجته قد شلّ قدرته على العمل. بالرغم من كل شيء. لا زال يؤمن بحكمة الله وعدله. كانت صلاته الدائمة. إلهي أعرف أنك لن تتركنا وحيدين. لا بد أن تساعدنا، إلهي إيماني قوياً بك إنك ستنشلنا جميعاً. حضرت عمته إلى منزلهم، وكأن القدر أبقاها عانساً، دون زواج كي تهتم بهذه العائلة، ولكي يعود هو إلى عمله. هذا الصباح كانت نظرات السيدة الملهوفة. القلق، والخوف باديان على وجهها. ما إن وقع بصرها عليه، حتى ارتاحت وانفرجت أساريرها، وراحت تتفرس فيه طويلاً. وكأنها تعبر عن قلقها لغيابه الطويل. وكالعادة غابت السيارة عن الأنظار.
...
بدأ نادر يرتاح لرؤيتها يومياً. خاصة بعد غياب أمه. بدأ يشعر أنه يعرفها منذ زمن، لكن من تكون؟ يود أن يعرف كلّما تلاقت نظراتهم؟ ذات يوم كان قد بلغ الثامنة عشرة من العمر، راح يسأل نفسه، لماذا هو من بين سائر الشبان؟؟ بعد أن حصل أمراً مكروهاً في العائلة إذ أنّه مجدداً فقد والده الحبيب المسكين لم يحتمل الحزن والمرض بعد وفاة زوجته وأم أولاده. أما نادر هل ما زال قادراً على تحمل المزيد من العذاب النفسي؟ متى يا الهي أعيش حياتي كالبشر؟؟ هل سأعرف السعادة يوماً بعد كل هذه المحن؟؟ صفعة بعد صفعة من الحياة تهز كيانه ثم يعود إلى عمله وإلى الرتابة نفسها. لكنه لا زال يؤمن بعدل الإله بعد أن سلم له أمره. بدأ يحب عمله، رغم حزنه أنه لم يكمل دراسته من أجل أخوته الثلاثة الصغار. لمن يتركهم، ما ذنبهم بعد أن أصبحوا أيتاماً. يريد لهم متابعة دراستهم. ولن يترك الحياة تحكم عليهم كما حكمت عليه- وليحققوا ما لم يستطع تحقيقه. رغم تردد رفيق الدراسة الدائم إلى المحطة ليذكره بنفسه بطريقة مؤلمة. وهو يقود سيارته الحديثة الطراز، وبالفارق الإجتماعي الكبير. هل هذا هو عدل الحياة؟
...
ذات يوم. جاءت سيارة السيدة كعادتها في كل صباح. نظرت إليه طويلاً، أكثر من ذي قبل، وكان التردد بادٍ على محيّاها. لكنها حزمت أمرها. فتحت النافذة، بعد أن تأمّلته ملياً، سألته بصوت مرتجف. هل تحسن قيادة السيارة؟؟ هذه أول مرّة تكلّمه فيها. عجب لسؤالها، أخفى ابتسامة خجولة، كان جوابه يا ليت... قالت: أبحث عن سائق لسيارتي. لأن السائق القديم يرغب في ترك العمل. كم يلزمك من الوقت لتتعلم قيادة السيارات؟؟ صعق لسؤالها، إندهش، ولم يصدق أبداً أنها قد تعرض عليه عملاً من هذا النوع. أجابها أستطيع أن أتعلم بسرعة. أبدأ من اليوم، ارتاحت لجوابه. وقالت أن سائقها سيعلمه مساء كل يوم قيادة السيارة. لم يصدق نادر إذا كان في حلم أم في يقظة. تعلّم القيادة خلال أربعة أسابيع، كانت السيدة قد حصلت له على رخصة قيادة.
...
أصبح موظفاً عندها براتب يبلغ ثلاثة أضعاف ممّ كان يتقاضاه في عمله السابق. شكراً لله على نعمه.. كان يردد دائماً. إكتشف نادر حيث حضر لأول مرة إلى منزل السيدة النبيلة ليستلم الوظيفة الجديدة. إنها تسكن وحيدة في منزل فسيح. أشبه ما يكون بفيلا فخمة. يرعى شؤونها الخدم والحشم وهي صاحبة أربع شركات. هي تدير إحدى هذه الشركات بنفسها في المدينة. لكنها تفضل الوحدة بعد عودتها من العمل. هكذا أخبره السائق القديم. بعد أن فقدت زوجها وابنها معاً في حادث سير مروّع. وأصبحت وحيدة تعيش مع حزنها، وألمها. وأصبحت متعلقة بنادر حيث كان ابنها سامي في نفس عمر نادر. وهناك شبهاً كبيراً بينهما، هذا ما جعلها تطيل النظر إليه. وتحدق به. فلقد حوّلت كل محبتها له. بدأت السيدة ترتاح لوجود نادر. فكأن نادر بدأ يغير حياتها الحزينة. وبدأت تسأله عن نفسه، عن عائلته وأخوته. وأخبرته الشيء القليل عن عملها. أيضاً بدأ نادر يشعر بسعادة لا تضاهيها سعادة. فلقد التقى الشخص نفسه، زميل الدراسة سابقاً مزهوا كعادته بسيارته الجديدة. لكن هذه المرّة تفاجأ صديقه بنادر حين رآه يجلس خلف مقود سيارة تفوق سيارته فخامة. فانطلق مسرعاً، والغضب باد على وجهه.
...
قبض نادر أول راتب جديد، لم يمسك بحياته مبلغاً بهذا القدر. كالعادة شكر الله على نعمته. إشترى لإخوته الملابس الجديدة. والحلويات لم يحلموا بها من قبل. كان دائماً شديد الإيمان بالله. واليوم تيقّن من هذه الحقيقة، وثبت الإيمان في قلبه أكثر وأكثر. بدأت السيدة تصارحه وتبوح بسرها. كيف كانت تراقبه منذ مدة طويلة. وكانت تنتظر حتى يبلغ الثامنة عشر ويحق له برخصة قيادة السيارات، وتعرض عليه الوظيفة. إعترفت له أيضاً أنها حالما وقع بصرها عليه شعرت بشيء عميق داخلها. وتشعر كأنه ابنها الذي حرمتها منه الحياة وهو في ربيع العمر. واصل عمله الجديد. فبدأ يوصل السيدة في صباح كل يوم إلى الشركة، ويعيدها في المساء إلى المنزل.
...
بدأت السعادة تملأ قلبه، وحياته، وروحه.. طلبت منه ذات يوم أن يساعدها في حمل بعض الحاجات التي كانت معها إلى المنزل. وكانت هذه المرّة الثانية الذي يدخل فيها منزلها الجميل. لفت نظره مكتبتها المليئة بالكتب. وقف قليلاً أمام تلك المكتبة ينظر إليها بحسرة. وإذا بالسيدة رأته يتفحص الكتب. بإمكانك أن تستعير أي كتاب. هل تجيد القراءة ؟؟ سألته. أجاب: تقريباً، فأنا تركت المدرسة في سن مبكرة. ولم أكمل تعليمي. أعرف ذلك، هل ترغب في تحصيلك العلمي؟؟ أجابها: نعم ولكن فات الأوان. إن كنت تستطيع وتحب أن تتعلم. مستعدة أن أوفر لك ذلك. أتكفل بتكاليف، وأقساط المدرسة. قال لها: الوظيفة والعمل. أجابته توصلني صباحاً باكراً ثم تذهب أنت إلى مدرستك. تبقى السيارة معك، ثم تعود بعد الظهر لتأخذني إلى المنزل. ماذا قرّرت؟ من الغباء أن يرفض هكذا عرض، لكن سيعود إلى المدرسة ليجلس على مقاعد الدراسة مع فتيان أصغر منه بسنوات؟؟؟ لكن لا بأس ألم يكن هذا حلمه؟؟
...
سرَّت كثيراً حين سمعت منه أنه موافق. بدأ يذهب إلى المدرسة. طبعاً مدرسة خاصة مميزة. كان هناك بعض الصعوبة في التكيف مع زملاء الصف. وهم أيضاً تقبلوا وجوده. لكنه كان قليل الإختلاط بهم كي لا يتسبب بالإحراج لنفسه ولهم. الشيء الذي أفرحه، وعوَّض عليه بعض الإرتباك أنه كان يذهب إلى المدرسة بسيارة يقودها بنفسه. ممّ جعله مميزاً عن رفاقه. وأصبح يقوم بوظيفته على أكمل وجه. ويذهب إلى المدرسة بعد أن ينجز جميع الواجبات والفروض اليومية. سألته إذا كان يلزمه مساعدة في دروسه قبل إجراء إمتحاناته الرسمية. أن يأتي كل مساء بعد أن أحضرت له مدرساً خصوصياً يشرح له المسائل ويساعده في أي شيء يحتاجه. بينما هي بنفسها كانت تشرف على توفير الجو الملائم وتقديم الطعام له. وأصبحت تعامله كأنه إبنها بالضبط. وهو يشعر تجاهها أيضاً بمثابة أمه التي حرم منها.
...
جاءت نتائج الإمتحانات تفوقاً بارزاً، كانت فرحتها لا توصف كأن النجاح نجاحها. عندما انتهت الإمتحانات قرأ حزناً في عينيها، ألماً عميقاً لأنه سيتوقف عن زيارتها كل مساء. وسيعود إلى بيته وأخوته. صباح يوم، ما إن كان يحاول أن يفتح لها الباب الخلفي للسيارة حتى تصعد. حتى وجدها تفتح باب السيارة الأمامي تلاقت نظراتهما طويلاً، فتحت الباب وجلست إلى جانبه في المقعد الأمامي. أثناء الطريق كانا يتبادلا الأحاديث بدون انتباه منه من شدّة فرحته بها كيف جلست إلى جانبه، وجد نفسه يناديها (ماما) ما إن سمعت هذه الكلمة التي كانت تنتظرها طويلاً حتى انفجرت بالبكاء، وتأخذه بين أحضانها وتغمره بحنانها وتشبعه لثماً. كأن ابنها عاد إليها بعد طول غياب. عاماً بعد عام، ونادر يترفع صفوف. وكان ينهي عامين دراسيين في عام واحد. ذات يوم، طلبت منه لينتقل ويسكن معها في الفيلا. إعتذر منها لأنه لا يستطيع أن يترك إخوته. قالت: من قال أنك ستتركهم، أنت وإخوتك ستسكنون الطابق العلوي الذي لا يشغله أحد. أنظر إلى هذا البيت كم هو كبير. لا احتاجه، لماذا لانكون عائلة واحدة ستملؤن حياتي بهجة وسروراً.
...
لم يصدق نادر كيف أن الله ينعم عليه بالهدايا المتتالية. وهكذا انتقل هو وإخوته لينعموا بحياة عائلية وبمستوى معيشي لائق، يليق بهم. إنتهى آخر عام دراسي له بعد أن حاز على شهادة البكالوريا القسم الثاني بنجاح باهر. سألته ألا تريد أن تنتسب إلى الجامعة. طلبت منه أن يقوم بنفسه وأن ينهي معاملات التسجيل في الجامعة، لكنها لفتت نظره، أنها ترغب أن يدرس «الإقتصاد وإدارة الأعمال» لم تخبره لماذا. نزل عند رغبتها هو أيضاً يميل إلى هذا الإختصاص. وهكذا كان يوصلها في الصباح، ويذهب إلى جامعته. الأيام تمر بسرعة، ونادر أنهى إجازة إدارة الأعمال في مدة ثلاث سنوات إقتصر الوقت بدل أربع سنوات. حيث كان يأخذ دروساً إضافية في عطلة الصيف أيضاً. إذ كان نظام الجامعة يسمح بذلك. أقيم احتفال كبير في منزل السيدة بمناسبة تخرجه من الجامعة. حضره العديد من الأقارب والأصدقاء. وتلقى نادر الهدايا الثمينة. قالت له: حان الوقت لتبحث لك عن وظيفة، تليق بك وبإجازتك الجامعية. أجابها: لكن أين؟؟ ومن سيوصلك إلى عملك؟؟ قالت: وهل لي في الدنيا غيرك؟؟ أنت بالتأكيد. آن الأوان لتساعدني في أعمال الشركة، فإذا حدث، وانتقلت من هذه الدنيا فجأة، أطمئن أن لي إبناً يدير الشركة دون سواه.
...
إقشعر جسمه حين ذكرت الموت، معاذ الله أن يفقدها. بعد أن أصبح يذهب إلى المكتب، يتدرب على تصريف الأعمال، وإدارة الشركة، وكيف يشرف على شؤون الموظفين. عينته «مديراً عاماً» بعد أن كان عاملاً في المحطة أصبح «المدير العام» أليست هي والدته. مالكة الشركة، ويحق لها أن تفعل ما تشاء بشركتها. أول مناسبة مرت بعد أن أصبح مديراً عاماً، كانت الاحتفال بعيد ميلاده. حيث كانت هديتها له مفاجأة لا تصدق، لم تخطر «في بال الحلم نفسه حتى» لقد قامت بتسجيل الشركة بإسمه. وأيضاً سجّلت الفيلّلا باسمه وباسم إخوته أيضاً. وسلّمته وثائق الملكية للشركة، وأيضاً وثائق ملكية المنزل.
...
أما نادر فبقي لفترة طويلة لا يصدّق ما وهبه الله من «نِعَمْ»،أحلامٌ كانت ولا بالأحلام، وأهم من كل ذلك، وجودها في حياته وحياة إخوته. أكبر هدية من الله عوضه فيها عن أمّه التي فقدها، وأيضاً تعويضاً عن والده فكانت له «الأم»، و«الأب». فرحتها به لا توصف. كان كل همها، وشغلها الشاغل، كيف تسعد الإبن الذي تبنّته رسمياً، وكيف توفر له كل وسائل الراحة بعد أن وجدته، وبعد أن استعادت روحها كأنها كانت ضائعة وعادت إليها.
حقاً، إنَّ خير الناس، أنفعهم للناس.
دميت الشوف 21-4-2016
هند نصر

