مراتب العدالة والحكمة
..
قصّة قصيرة للروائيّة اللبنانيّة
هند نصر Hind Nasr
..
.
يروى أن ملكاً، اشتهر بعدله، وحبه لرعيته، فكان شديد المحبة، يتمتع بالفضائل، والخصال الحسنة والحميدة. حكم بلاده لفترة زمنية طويلة، بمحبة، وحكمة، حتى أحبه شعبه، محبة لا توصف. لأن الكل في عهده كان ينعم بالأمان، والإستقرار، والسلام.
فكان كل شيء مؤمَّن للشعب، من مطالب، وحقوق في جميع المجالات، فأصبح الكل يتفانى في عمله، كقدوتهم الصالحة، ومثلهم الأعلى ملك الملوك.
بالرغم من حبه لمملكته التي يسودها العدل. الأمان الحرية، كان الملك حزيناً خاصة كلما تقدم به العمر.. كان يحمل همّاً كبيراً لا تحمله الجبال.. ما هو سبب حزنه يا ترى؟؟
كان له ابناً وحيداً.. وهو ولي عهده.. وسيستلم الحكم من بعده.. حزن الملك كان!! كيف يمكن أن يسلِّم البلاد التي هي أمانة في عنقه، ورقاب العباد الذين يعتبرهم عائلته الكبيرة، إلى ابنه، الذي لا يجده أهلاً لذلك؟؟؟
فقد كان الأمير الشاب الذي يدعى (عادل) رغم طلعته البهية، ووسامته، وعلى درجة عالية من جمال الخلق، وأناقة الملبس. كان الجميع يتحاشونه لعجرفته، وتكبُّره، وهو أيضاً لا يحب أحداً من المحيطين به. فوق كل ذلك، كانت الجامعات قد رفضته لاستهتاره ولعدم تحمُّله المسؤولية.
لأجل هذا كان حزن الملك، والده صاحب المبادئ، وصاحب «الضمير الحي» فإذا كان هو نفسه غير مقتنعاً بإبنه، فكيف سيفرضه على شعب طيب أخلص له؟؟
بدأت صحته تتدهور من شدّة القلق والهمّ، وكل تفكيره كان كيف سيطمئن على بلاده، ومستقبل شعبه قبل رحيله...؟؟
خطرت بباله فكرة، لماذا لا يرسله «إلى المعلّم الحكيم» كان قد سمع عنه في الجوار. إنه «معلم مرشد» يشتهر بحكمته، وعلومه وروحانيته، وأسراره الكونية؟
زار الملك المعلِّم وروى له قصته مع إبنه. وكيف أنه لا يرضى أن يسلِّمه الحكم، إذا بقي على هذا الوضع، ولو كلّفه ذلك حياته.
تفهَّم المعلم الوضع، رحّب بالمساعدة، مع أنها مهمة ليست بالسهلة ولا يستهان بها.
سأل الملك المعلم: كم يلزمه من الوقت؟؟
أجاب المعلم: ثلاثة أشهر كافية.
بدأ الأمير عادل حياته الجديدة «مع المعلم الحكيم» الذي كان متصوفاً يقيم في صومعة خاصة به، شبه معزولة عن الناس، وبدأت مهمته في شرح الأمور وقد خصص يوماً لكل موضوع يشرح فيه للأمير عادل. وبقي على نظامه، وطريقة حياته اليومية من ممارساته وتأملاته الروحية كالمعتاد.
إفتتح المعلِّم أول حديث للأمير عن «المحبة» فهي المفتاح الذي استعمله لفتح قلب الأمير المغلق، ليصل إلى فكره وعقله أيضاً.
كلَّمَه عن التواضع، التضحية.. الإخلاص، الوفاء، السَّهر على مصالح الشعب، المسؤولية، الإرادة والإدارة، الشجاعة، الضمير. قال له:
يا بني: كن ملكاً على بصيرتك أولاً.
إذا مات القلب، ذهبت الرحمة.
وإذا مات العقل، ذهبت الحكمة.
وإذا مات الضمير مات كل شيء.
بعد أن شرح له: ما هو سر وجود الإنسان على كوكب الأرض، ولماذا جاء، وما المهمة التي اختارها ليقوم بالدور على أكمل وجه.
يا بني: إسمك عادل هل فكرت بمعنى إسمك؟؟
هل أنت على القدر الكافي لتكون إسماً على مسمّى، وتحكم بالعدل؟؟
لتكون كذلك عليك أولاً أن تتخلى عن (الأنا) فعندما تتخلى عنها تصبح محبتك أوسع وأشمل، ويصبح فكرك واسع، وقلبك كبير، وصدرك أوسع. لا تفكر في نفسك، وطمعك، وجشعك، على حساب لقمة الفقير، والضعيف، والمسكين. بالعكس كن أباً للفقراء والمساكين، فدعوة واحدة من عجوز مسكين ترد إليك أضعافاً مضاعفة، فكيف بدعوات شعب بأكمله؟ دعهم يدعون لك لا عليك لا سمح الله.
يا بني: آمن بالمحبة تلامس قلب الوجود، كن محباً فقط تصنع المعجزات.
«العدل أساس الملك»، علِّق هذه العبارة أمام كرسي الحكم لكي تقرأها دائماً ولا تنساها.
فرَح شعبك هو فرحك.
وحزن شعبك هو حزنك.
ونجاحهم هو انتصار لك.
يا بني: الغني والفقير يشبعهما رغيف يسد جوعهما لا أكثر. فتعامل مع الله دائماً وافتح حساباً عنده خير لك من البنوك، ولن تكن خاسراً. هل سمعت أحداً أخذ معه شيئاً إلى القبر عندما رحل؟؟ الغني يلزمه مساحة مترين من الأرض، حسب طول قامته ليدفن بها، والفقير أيضاً نفس الشيء. دع الأرض تفتخر برفاتك حين تضمها، ودع النور يغمر روحك عندما يستقبلها.
يا بني: المُلك يزول، والقصر يزول، وجهه الكريم الباقي الدائم الذي لا يزول. وعملك الصالح وحده الذي سيرافقك، ليرفعك درجات عند الله، وتترفع صفوف.
خفف من حمولتك، وأتقالك وأوزارك، من أطماع مادية، كن كالمنطاد لا يعلو إلا إذا أزيلت أثقاله. فيرتفع، فتخلص من أحمالك لتعلو أكثر وتقترب من الله. فالمادة والطمع يا بني تشدُّك إلى أسفل لا بل إلى أسفل السافلين.
خلق الفضاء الرحب للتحليق وللنسور، فكن نسراً محلقاً في هذا الكون الفسيح، وروحاً شفافة، نقية، صافية، وعانق النور.
رسالتك يا بني، هي رسالة إلهية، كونية، إختارك الله لأن تحكم، ولكي تمثّله على الأرض، وهذا هو امتحانك فانجح في الامتحان، وكن أهلاً لهذه الثقة، ولهذا الإختيار. أنظر إلى والدك الملك وتعلّم منه، كيف له شخصيّه قياديّة مميّزة، حازمة وقوية، إلى جانب المحبة، والحكمة، والعقل الراجح. فعرِف كيف يجمع بين هذه الصفات، متى يجب أن يكون حازماً وصارماً ومتى يكون ليناً ومحباً. هو «الملاك والملك» في آن واحد، وهو «معلِّم».
لم يميّز نفسه عن الشعب بشيء، من حيث طريقة حياته ومعيشته، وهذا هو سر نجاحه.
كان يعتبر نفسه مؤتمناً على مال الشعب، فلا يبذره على نفسه ومظاهره. أو يضمه إلى حساباته الخاصة، هو بنفسه يشرف على جميع وزاراته، ولا يتساهل أبداً بالغلط والطمع «أي هدر كان»، يده نظيفة، لا بل هي يد الله الخفية التي تساعد وتساعد. وقد ملأت محبته البلاد.
يا بني: حارب الظلم، نم مظلوماً ولا تنم ظالماً، فلا ينام ملء جفونه، ويرتاح على وسادته إلا كل مرتاح الضمير. إفتح المدارس، وانفق بسخاء على تعليم الشباب، والفتيات وهذا الجيل الناشئ، فهم مستقبل البلاد وثرواتها، فاستغل هذه الثروة، وحارب الجهل بالعلم والثقافة، تزدهر البلاد، فكلّما فتحت مدرسة أقفلت سجناً.
يا بني: إذا سرق جائع فقير رغيف الخبز، فاعلم أن وراءه ملك جائر وظالم. ويجب أن يحاكم الملك لا السارق الفقير.
أخيراً: ثق بالله وثق بنفسك، تصنع المعجزات. هذا هو الدور الذي جئت من أجله، فالعبه بشرف، وكرامة وعنفوان. كن قدوة صالحة، يقتدى بها، ومثلاً لكل من جلس على كرسي الحكم، فهذه الكرسي لا تليق إلا بالشرفاء. واجعل مملكتك مضرب مثل ومفخرة بين كل ممالك الأرض.
المعلم يتكلم ويتكلم، ومحبته تفيض وتفيض، والأمير يصغي ويصغي بصمت المتفهم. لا يتكلم إلا إذا كان لديه سؤالاً أو إستفساراً لكنه مأخوذ ومندهش من وجه المعلم المشع بالنور، وبالصفاء، والنقاء الباديان على روحه المتوهجة، وصوته الهادئ، ونفسه الراضية القنوعة بعد أن استنتج أنه أسعد إنسان على وجه الأرض.
إستطاع أيضاً أن يكتشف سر فرح معلمه الداخلي الذي كان بادياً إلى الخارج، فكان هذا المعلم نوره ينعكس على وجهه ليزيده جمالاً ونورانية وصفاء ولا أجمل.
تعود الأمير عادل أن يكفيه الشيء القليل من المأكل والمشرب واعتاد على ممارسة التأملات الروحية بعد ان علَّمه إياها.
وأعجب بحياة معلمه، السعيدة الهادئة، والبسيطة، والبعيدة كل البعد عن حياة التكلف.
سأل أخيراً الأمير عادل: ما سر فرحك الداخلي الذي يسكنك؟
ابتسم المعلم: وأجاب: سيأتي يوم، وتكتشف هذا السر بنفسك يا بني، وليس بعيداً إنشاء الله.
لم تنته مدة الثلاثة أشهر: متى كان للأمير عادل ولادة ثانية جديدة على يد «المعلم الحكيم».
طلب الأمير عادل من معلمه: أنه يرغب في إكمال حياته معه وأن يعفى من استلام الحكم، والمملكة.
قال له المعلم: إن مهمتي غير مهمتك أنت يا بني.
مهمتك هذه جئت إلى الأرض من أجلها، وعليك أن تمشي الدرب التي اخترتها، وستنجح باذنه تعالى، ولا مانع عندي أن نمضي أوقاتاً ممتعة مع بعض من وقت لآخر. أكون فرحاً وسعيداً بك.
عندئذ: طلب الأمير أن يبقى شهراً كاملاً إضافياً يختلي فيه مع نفسه، لا يرى أحداً. باركه المعلم مبتسماً وقال له، لك ما تريد.
جلس الأمير الشاب بمفرده في رحلة روحية، متأمّلاً متفكّراً في كل كلمة قالها له المعلم، وبعد أن اختمرت في رأسه جميع المعلومات، والنصائح، والحكم والإرشادات.. عاد إلى القصر، إلى أحضان والده الملك، عاد إنساناً ثانياً، يفتخر به والده وبلاده.
كانت فرحة والده الملك لا توصف، وأبكى جميع من حوله لدموع الفرح التي سكبها على كتف إبنه وهو يغمره.
إحتفل برجوع الملك بفرح كبير، ألبسه والده التاج الملكي أمام شعبه ورعيته. أما الملك الوالد فقد ارتاح وهنَّأ إبنه، وقال الآن أموت وأنا مرتاح الضمير. سلَّمت الأمانة لمن يستحقها. بعد أن أكرمني الله بإبني الملك عادل، فإلى جانب ثقافته العميقة الروحانية، وعدله الذي وعد به أن يكون أساس ملكه واستغفر الله فالملك لله وحده. فكان حديث الناس، ومضرب مثل هو ومملكته.
لم ينس الملك عادل زياراته المتكررة للمعلم «من حين لآخر» للتزود من نور وجهه، ومحبته، وبركاته..
سلام إلى كل معلم مرشد وحكيم..
سلام إلى النور في قلوبكم أيها القرّاء المحبون..
ينير الأضواء في قلوب المريدين.
دميت - الشوف في 12-6-2016
هند نصر
.
.

