آفــــــــــــــاق

الموقع خاص بالكاتب ويتضمن إنتاجه الأدبى المنشور

<!--

<!--<!--<!--

          إن المسافة بين قرية صفط تراب وقرية ديكانكا جد بعيدة ، صفط تراب .. تلك القرية الصغيرة التى تقبع هناك وسط دلتا نهر النيل العظيم والتى يقطنها قوم طيبون جداً يعملون فى فلاحة الأرض ، وقرية ديكانكا ، تلك القرية الصغيرة أيضاً فى جمهورية تسمى أوكرانيا ، ولا يستطيع أحد من سكان صفط حتى ولو كان الأستاذ فهيم نفسه الذى يعرف شيئ عن كل شيئ كما يقول لا يستطيع أن يزعم أنه يعرف شيئاً عن ديكانكا هذه ، ومن يزعم ذلك فهو مدعٍ ولا ريب ويمكنك أن تكشفه بسرعة إذا ما سألته عن أى لغة يتحدث بها سكان هذه القرية البعيدة ، وعلى الجانب الآخر نفس الوضع لا يجرؤ أىٍ من سكان ديكانكا أن يدعى مجرد سماعه بقرية تسمى صفط تراب ولا يعرف حتى كيف ينطق كلمة صفط تراب .. لكن كل هذا غير مهم ولا مفيد ولا أعرف لِمَ تدور بخلدى هذه الأمور العبثية ولِمَ أنجرف فى ثرثرة لا طائل من ورائها ، لنعد إلى المهم فى الموضوع وأقصد به أنه لولا ظهور ذلك الرجل العظيم ذو المعطف الواسع الذى يعرفه العالم كله باسم نيقولاى جوجول لما سمع أحد باسم قريته ديكانكا ولا باسم صفط تراب ..

          كم كان حكيماً ورائعاً ذلك الرجل حين قال " إن ما يطبع فى أيامنا هذه لأكثر مما يسد حاجة المرء إلى ورق اللف " يا الله ..! يقول هذه الكلمات فى تلك الأيام الجميلة حين كانت المطابع لا تخرج عشر معشار ما تخرجه اليوم ، فما باله لو كان يعيش بيننا اليوم ..؟ ترى ماذا كان سيقول عن أطنان ما يطبع ..؟ أتدرون ماذا قفز إلى ذهنى فى تلك اللحظة ..؟ واسمحوا لى أن أحدثكم هكذا بلا تكلف ، إنه جنكيز خان ملك المغول حين أراد عبور النهر كما يقولون فلم يجد غير مكتبة بغداد المليئة بالكتب والمخطوطات يلقيها فى النهر كى تمر عليها خيوله .. يالها من فائدة لهذه الكتب التى تتقيأها المطابع كل صباح ، معذرة ، يبدو أننى انزلق إلى الثرثرة بسهولة فاغفروا لى وأعدكم أننى سأحاول قدر استطاعتى أن أظل فى صلب الموضوع ..

          ولكن أى موضوع ..؟ آه .. تذكرت .. كنا نتحدث عن تلك الأمسيات –  التى حدثت فى زمن ماضٍ   يصفه الناس دائماً بأنه كان جميلاً –  قرب قرية صفط تراب ، أمر عجيب والله ..! وما عسى أن تكون هذه الأمسيات ؟ إن الأيام تمر على صفط هذه دون أن تترك عليها أى أثر، كل صباحاتها متشابهة وكل مساءاتها رتيبة وكأنها تستعصى على الزمن .. ليس فيها ما يستوقف المرء ليحكيه ، ومع ذلك فليس هناك ما يمنع فى بعض الأحيان أن يسقط حجر فى الماء الراكد فيثير موجات متتالية ثم لا يلبث كل شيئ أن يعود كما كان .. سيقول قائل –  أفترض أنه مهذب حتى نرى منه غير ذلك – وما شأننا نحن بصفط أو ديكانكا هذه التى لا نستطيع نطق اسمها بسهولة ..؟ بهذا يكون قد كشف عن وجهه غير المهذب ، وهو بهذا يستحق الرد الذى سأرد به عليه ، أما لو تسائل بأدب ولياقة عن موقع صفط تراب بالضبط أو لماذا أكبد نفسى مشقة الكتابة عنها ؟ ، فسوف نرد عليه بأدب أكثر من أدبه بأنها تقع فيما بين مدينتين كبيرتين ويمر بها قطار يتوقف فى محطة تحمل اسمها مكتوباً بخط أسود جميل على لوحة خشبية – تآكلت هذه الأيام بفعل شمسها الحامية فى الصيف –  لكن الاسم واضح ما زال ، كما أن حجرة قطع التذاكر الخشبية ذات السقف الهرمى ما زالت قائمة تتحدى الزمن مثل أهل صفط ، وأرجو ألاّ أنسى أن أخبركم أنهم يقولون أن الانجليزهم من أنشأوها – المحطة لا صفط – عندما كانوا يحتلون البلد ولن أعدد لك معالمها الآن فسوف يأتى ذكرها بالتأكيد فى السياق ، وإذا ما عزمت يوماً على زيارتنا فى صفط فعليك أن تتجه عقب نزولك من القطار إلى طريق ترابى طويل بعض الشيئ على جانبيه الغيطان التى تشكل زمام البلد الزراعى وهذا الطريق خالٍ من الأشجار تماماً لتمشى زهاء نصف الساعة تقريباً حتى تصل إلى أول بيت فى القرية ، وعندئذٍ لن تجد صعوبة فى الوصول إلى من تقصد فقط عليك أن تسأل أى ولد من العيال الذين يلعبون فى الطريق بملابسهم المتسخة عن صاحب الدار التى تقصدها ولست فى حاجة للتأكيد على أنك تعرف اسمه بالطبع مقروناً باسم العائلة أو حتى اسم من أسماء أولاده .. ويلعب الحظ دوراً كبيراً فى زمن الزيارة من حيث فصول السنة ففى الصيف حين ترتفع درجات الحرارة والرطوبه يصبح الأمرصعباً بعض الشيئ لمن يضطر إلى قطع هذا الطريق سيراً على الأقدام ، أما إذا كنا فى الشتاء وكانت السماء ممطرة والأرض موحلة فعليك الحذر الشديد حسب وصايا السيد جوجول وكن حريصاً على ألاّ تشبك يديك خلف ظهرك وتمشى مرفوع الرأس للإيحاء بأهميتك وإلا وجدت نفسك وحيثياتك كلها ممدداً فى الوحل فى حالة يرثى لها ، وربما مع محاولتك النهوض سريعاً تعود فتنزلق مرة أخرى على جانبك الآخر ، وساعتها لن تضطر لأن تبرر ما حدث فهو بالضرورة مفهوم للكل وهذا ما يحدث عادة لتلاميذ المدارس الذين يتلقون تعليمهم فى أى من المدينتين الكبيرتين ، ولا أقصد بالطبع أن أجعل من زيارتك لنا مهمة ثقيلة ، ولا تستسلم لذلك الهاجس الذى يداهمك بأننا بخلاء أو أننا لا نحب الغرباء .. لا والله ، لا شيئ من هذا البتة .. لكنها مجرد تحذيرات لتعرف موطئ قدمك ، ثم إن المقابلة التى ستراها من أهل البلد ستنسيك بالتأكيد كل المشقة التى كابدتها فى الطريق ، خاصة إذا ما تذوقت فطيرنا المشلتت بسمنِه البلدى مع العسل الأسود أو الأبيض أو الأرز باللبن أو طواجن الأرز المعمر – هكذا اسمه – مع البط المحمر الذى ستراه بعينيك يرعى فى الترعة أو البحر الصغير كما يسميه أهل البلد طوال النهار ثم يعود كل سرب إلى داره دون قائد من البشر فى آخر النهار ..

          كل ما ذكرته لك الآن كان فى زمنٍ ماضٍ ، زمن الأمسيات التى اتفقنا على حكايتها ، أما اليوم فقد تغير كل شيئ ولم تعد فى حاجة إلى كل تلك المحاذير السابقة ، لم يعد الطريق ترابياً فهو الآن طريق أسفلتى لامع تجرى عليه السيارات بكل أنواعها ليل نهار، كما لن تجد الغيطان الخضراء على جانبى الطريق ، وستجد بدلاً منها بيوتاً عالية من ثلاثة أدوار أو أكثر تقف السيارات الخاصة أمام معظمها ، وربما لن تجد أيضاً فطيراً أو طواجن الأرز التى جاء ذكرها سابقاً ، وهذا هو حال الدنيا كما يقولون – مع تنهيدة طويلة – تحسراً على الخير الذى قل والبركة التى لم تعد موجودة كما كانت فى سالف الأيام ..           

samibatta

أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى ، كما أرجو أن تتواصل معى وتفيدنى بآرائك ومناقشاتك وانتقاداتك ..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 228 مشاهدة
نشرت فى 17 نوفمبر 2014 بواسطة samibatta

ساحة النقاش

سامى عبد الوهاب بطة

samibatta
أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى على صفحات هذا الموقع .. كما أرجو أن تتواصل معى بالقراءة والنقد والمناقشة بلا قيود ولا حدود .. ولكل زائر تحياتى وتقديرى .. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

72,850