آفــــــــــــــاق

الموقع خاص بالكاتب ويتضمن إنتاجه الأدبى المنشور

<!--

<!--<!--<!--<!--

 

المـلاّية

 كما الأرض تدور ..والساقية تدور ..وعجلات الجرار تدور فإن الزمن أيضا يدور .. يلف ويدور ، ولا يمشي دوغري أبدا علي حد قول الغلابة المتلقحين علي سلالم الزاوية ، والعواطلية القاعدين علي القنطرة يتابعون تيار الماء البطئ بنظرات بليدة ..

العلامات التي تفلت من أيدي الأنفار تفقس ، وتخرج منها آلاف الديدان الصغيرة ،تظل تتلوي وتدور ، وتقرض الأوراق الطرية حتي تشبع وتكبر وتقوي ،ثم تسافر من ورقة إلي أخري ، وتأكل وتكبر ، وتفلت من رش التوكسافين ، وتتسرب إلي باطن الأرض الدافئ متخمة بما التهمت .. تتشرنق وتختبئ في اطمئنان في بطن الشرنقة ، الشرنقة البيضاء الناعمة مثل الحرير ويدور الزمن مثل الأرض والساقية وعجلات الجرار ، ويعود الصيف مرة أخري ، حارا رطبا تماما مثل الصيف الفائت .. تنفجر الشرانق وتخرج منها فراشات نشيطة سريعة الحركة مليئة بالحياة .. تطير .. تطير وتستقر علي الأوراق الخضراء الطرية.. تبيض علامات جديدة .. يعود الأنفار يفتشون بحثا عنها – تماما مثل الصيف الفائت ،وتنتظم صفوف الأنفار ، كل نفر في خط ، وأنصاف مثل الجميع ،لها خط تفتش شجراته وتلتقط العلامات وتضعها في عبها وتغني ..

   - يوحا .. وطلعنا الجبل .. يوحا ..

بين الحين والحين ، تختلس نظرة سريعة لنهديها .. هي تلحظ أنهما قد ازدادا استدارة هذا الصيف .. وتشعر بفخر لا تستطيع أن تبوح به

عصا الخولي دائما مرفوعة فوق الرؤوس المنحنية .. وصوته الغليظ يدوي بين الحين والحين ..

-        طاطي .. طاطي يا وله منك له ..

تتلفت عيناه .. يخشي أن يتهمه المعاون بالكسل والتهاون وخصم منه أجر يوميته ، تشتد قبضته علي عصاه ، ويزداد صوته غلظة .. يشعر الأنفار بالخوف يكبل قلب الخولي ، تعلو أصواتهم..

-        ما تخافش يا خولينا .. أنفارك سدادين ..

تتجاوب معهم أصوات الفرقة القريبة في الغيط المجاور ، تنكسر حدة الشمس ، وتهب نسمة رقيقة ، يصرخ صوت رفيع بانتصار ..

-        علامة .. علامة ..

عيون الولد الكبير الذي يفتش وراء الأنفار ترقب البت أنصاف  والبت أنصاف منحنية .. يميل الشجر بين يديها يمينا ويسارا ، تتوقف عيون الولد الكبيرعلي الخدين المتوردين بفعل الشمس الساخنة ، والدم الفتي .. عيون الولد تعبر حقل الرمان بصدر أنصاف ، وتتفسح علي صفحة الظهر القوي ، وتستقر عند انحناء الساقين ، يفور الدم،ويجف الحلق،وترتجف الشفتان،تشعر أنصاف بعيون الولد الكبير- رصاصتين قاتلتين تخترقان الجسد الطرى- يزداد تورد الخدين ، يعلو صوتها مع أصوات العيال                   

-    يوحا .. وطلعنا الجبل .. يوحا ..

يلف الولد .. ويدور .. جاعلا من جسد أنصاف مركزا له .. يشتم الأنفار ويهدد من يترك علامة بحرمانة من اليومية .. ترتجف القلوب الصغيرة عند ذكر اليومية ، يرتجف قلب أنصاف أكثر من كل القلوب ، تكف عن الغناء قليلا وتبحث في كل الأوراق ، ثم لا تلبث أن تنسي التهديد .. تعاود الغناء، تمد بصرها هناك حيث شجرة شعر البنت تفرش ظلها علي رأس الغيط .. وفي الجنة تحت الشجرة تجلس البنت فكرية-الملاية- ترتكز بكوعها علي فم الزلعة المليئة بالماء البحارى وتنعم بالظل والطراوة .. عادت ببصرها إلي الأوراق والتقطت علامة.. دستها في عبها ، لامست يدها النهد الطري،فشعرت بالزهو، والخوف .. ماذا لو أفلتت منها هذه العلامة ...؟

أحست بالإنتصار علي الولد الكبير، ارتفع صوتها منفردا ..

-        قابلتني قطيطة ..يوحا ..لابسه برنيطة .. يوحا..

علي البعد بدت الكتلة السوداء ، يتصاعد من مقدمتها دخان خفيف لا يلبث أن يتلاشي في الفضاء الرحيب .. ترقص القلوب الصغيرة ، وتشخص إليه العيون .. يسرسع صوت رفيع بفرح ..

-        قطر الغدا .. قطر الغدا ..

ينطلق الأنفار الصغار في اتجاه شجرة شعر البنت علي رأس الغيط .. الشجرة ترسل شعرها لتغسله في مياه القناة الصغيرة التي تمر تحت جذعها ..

انتصبت الرمانتان واعتدل الظهر القوي واختفي دوران الساقين مع الردف ..ومختالة .. اتجهت أنصاف إلي الجنة تحت الشجرة وهي تتحاشي الرصاص المنطلق من عيون الولد الكبير.. اقترب منها وهمس في أذنها ، ابتسمت- طهرت غمازتان بالخدين المتوردين – شدت عصابة الرأس فانهمر شعر البنت علي الكتفين ، انخفض صوتها وهي تردد..

-        يوحا .. وطلعنا الجبل ..يو....

اقترب الولد الكبير أكثر .. حاصرها ، أمسك بيدها ، حاول أن يجذبها نحو عشة حموده .. تقلصت ملامح وجهها فظهرت الغمازتان ثانية .. قال بصوت مرتعش ..

-        ح اخليكي ملاية يا بت ، ح ترتاحي يا بت ..

خلصت يدها بصعوبة وجرت إلي الظل وهي ترمقه بنظرات غاضبة .. جلست وسط الأنفار وفتحت صرة الغذاء وراحت تقرش العيش الناشف بالجبن القديم وهي ساهمة .. وا زالت عيون الولد المبير تحاصرها ، ترقب الغمازتين وحقل الرمان ، راح يقرض طعامة ببطء شديد ، والرعشة تجتاح جسده ، تناول قلة الماء وراح يجرعه بصوت مسموع .. تجشأ بصوت عال ، عيونه علي البنت وهي تتحاشي نظراته ، والوقت يمر سريعا ..

يعود الأنفار إلي الخطوط ، يقلبون الأشجار يمينا ويسارا ، يفتشون عن العلامات ، والولد الكبير يفتش في كل الخطوط خلف الأنفار ولا يفتأ يهدد من تفلت منه علامة ، والخولي متأهب للعقاب ويخشي أن يهبط المعاون من السماء أو يطلع من تحت الأرض فيصرخ في العيال ..

-        طاطي يا واد منك له .. طاطي ..

ترتفع الأصوات الرفيعة ، تتجاوب معها أصوات الفرق الأخري في الغيطان القريبة وينهق حمار وينبح كلب ويصيح الولد الكبير في لهجة انتصار رافعا يده بعلامة وينطلق إلي الخولي ..

-        علامة .. علامة ..

-        ورا مين يا ولد .؟

-        ورا البت أنصاف..

تبهت أنصاف .. هي علي يقين من أنها تم تفلت أي علامات ، يبدو الرعب في عينيها الواسعتين ، يخفق القلب بشدة – إلا اليومية - تحتج دون أن تنطق ،والخولي لا يعبأ باحتجاجها ، تنقض عصاه الغليظة علي الظهر القوي ، تدمع العينان وتلتقيان مع عيون الولد الكبير ،يشعر الولد بالخزي للحظة ، تشعر بالمرارة وتعاود الانحناء تتمايل الأشجار بين يديها يمينا ويسارا .. تحلف لنفسها أنها لم تترك هذه العلامة خلفها .. تلعن الولد الكبير ، والعلامات والخولي والملاية ، تمسح بطرف جلبابها الدموع والعرق ، تلكزها بنت في الخط المجاور وتضحك .. تبتسم أنصاف ، تضحك أنصاف ، تغني أنصاف ..

-        وطلعنا الجبل .. يوحا .. ننقي سبل .. يوحا

تدور الشمس .. تدور حتي يوشك علي السقوط هناك في الغيطان البعيدة ، ويهبط الليل كما هبط بالأمس .. ومثلما سيهبط في الغد .. وعندما تطلع الشمس ثانية في الصباح سيعود الأنفار إلي خطوطهم .. وتعود أنصاف إلي خطها .. ويعاود قطار الغداء مرورة ليطلق صفيره الحاد الطويل ، وتعود العلامات تفقس ديدا نا كثيرة .. تظل تأكل وتكبر وتتشرنق .. وتعود الشرانق تنفجر من جديد وتخرج منها فراشات نشيطة مليئة بالحياة تبحث عن أوراق خضراء طرية  وتبيض علامات جديدة .. وتظل الأرض تدور .. والسواقي تدور .. وعجلات الجرار تدور .. ويظل الزمن يدور ولا يمشي دوغري أبدا  لكن .. تري ..؟ هل سترضي أنصاف أن تشتغل ملاية .. ؟

 

samibatta

أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى ، كما أرجو أن تتواصل معى وتفيدنى بآرائك ومناقشاتك وانتقاداتك ..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 101 مشاهدة
نشرت فى 1 نوفمبر 2012 بواسطة samibatta

ساحة النقاش

سامى عبد الوهاب بطة

samibatta
أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى على صفحات هذا الموقع .. كما أرجو أن تتواصل معى بالقراءة والنقد والمناقشة بلا قيود ولا حدود .. ولكل زائر تحياتى وتقديرى .. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

72,782