آفــــــــــــــاق

الموقع خاص بالكاتب ويتضمن إنتاجه الأدبى المنشور

 

 

 

                                       

 

 

تأملات فى الناس والمكان

" رؤية خاصة جداً "

 

 

         

العـجــوز  و الصباح

 لم يكن قد مضى على استلامى العمل فى المكتبة التى تقع فى أطراف استراحة العاملين بالمصنع الكبيرسوى بضعة أيام ، ولذلك لم أفهم ما يريد .. كنت قد سمعت خطواته الزاحفة فى بطء شديد يعكس وهنه وضعفه ، توقعت أن يدخل ليطلب كتاباً أو غيره ، لكنه لم يفعل ، فقط أطل بوجهه الأسمر الذى انتشرت على صفحته تجاعيد خلفها زمن قاسٍ ضنين .. كلن يرتدى جلباباً نظيفاً أبيض اللون وطاقية من القماش الأبيض برز من كلا جانبيها كتلة من الشعر الأبيض الخفيف .. تمتم بكلمات خافتة لم أتبين منها شيئ .. تحيرت قليلاً وقبل أن أهم بسؤاله عما يريد  كان زميلى الأقدم منى قد تنبه لوجوده فأسرع ماداً إليه يده بصحيفة اليوم ، تناولها شاكراً بحركة خفيفة من رأسه واتجه إلى دكة خشبية قريبة تغمرها أشعة الشمس الدافئة بعد أن رمقنى بنظرة سريعة دون أن تتغير ملامحه وجلس يتصفح الجريدة ، نظرت إلى زميلى مستفهماً عن الرجل وحكايته .. ولماذا هو الوحيد الذى يسمح له بقراءة الجريدة خارج المكتبة ، ابتسم الزميل قائلاً ..

-         تسلمت هذه العادة منذ أن تسلمت عهدة هذه المكتبة ، والطريف أننى عندما سألت الزميل الأقدم منى أجابنى بما أجيبك به الآن .. تعجبت لأيام ثم أخذ الأمر حكم العادة مثل كل شيئ هنا، أنا آسف كان يجب أن أخبرك منذ البداية ببعض الأشياء التى تحدث فى هذا المكان ، و من يدرى ، ربما تجيب أنت أيضاً يوماً ما بنفس الإجابة على هذا السؤال ذاته ..!

 لا أدرى لماذا انشغل به خاطرى لهذه الدرجة .. جلست فى مواجهة باب المكتبة بحيث يمكننى رؤيته .. كان يتصفح الجريدة بكل هدوء.. لا تتغير ملامحه كثيراً أثناء مطالعته للصفحات المختلفة ..

 أصبح الرجل عادة يومية ، تماماً مثل كوب الشاى والصحيفة والسيجارة والتوقيع حضوراً وانصرافاً .. ألِفْتُ سماع خطواته تزحف كل صباح ،  ألفت تجاعيد وجهه حتى كدت أحفظ خريطته ، ألفت جلبابه الأبيض وطاقيته البيضاء وشعره الأبيض ..

 فى ذلك الصباح ، وبينما أشعة الشمس تحاول جاهدة أن تنفذ من خلال السحب الداكنة لترتمى على الأرض ضعيفة واهنة لا يكاد الانسان يشعر بها ، وبينما كوب الشاى أمامى يكاد يفرغ تماماً ، بدأت أشعر بالقلق ،  لا أدرى لماذا يخيل إلى أننى نسيت شيئاً أو أن هناك شيء ما لم أفعله ، حتى أننى ذهبت لأتأكد أننى وقعت فى دفتر الحضور ، جذبت الأنفاس المتبقية فى سيجارتى وألقيت بها بعنف ، تناولت صحيفة اليوم كارهاً فأنا لا أحب قراءة الصحف ، رحت أتصفحها بعصبية ولم ألبث أن ألقيت بها على المكتب وفجأة قفز إلى ذهنى الرجل العجوز .. خطواته الزاحفة الواهنة لم تطرق سمعى هذا الصباح .. لم يطلّ الوجه الطيب فى هدوءه المعتاد يمد يده ليتلقف الصحيفة دون كلام .. اندفعت على الفور أبحث عنه ، توقفت فجأة ، فما إن خرجت من باب المكتبة حتى لمحته هناك فى مقعده المعتاد على الدكة الخشبية يجلس مطرقاً يبدو عليه حزن ثقيل .. عدت إلى المكتبة بسرعة ، توقفت أمام المكتب ، تغلبت على ترددى ، التقطت الصحيفة وأسرعت إليه حيث يجلس ، كانت عيناه تتابعان سحابات الدخان الأبيض الكثيف المتصاعد من مداخن المصنع الكبير ، لم يشعر بى .. مددت يدى بالصحيفة فانتبه .. حاول اغتصاب ابتسامة لكنه لم يفلح تماماً .. تناول الصحيفة شاكراً بهزة من رأسه كعادته .. ابتسمت له وانصرفت إلى عملى شاعراً بالراحة .. بعد قليل  دفعنى الفضول إلى إلقاء نظرة عليه ، كانت الصحيفة ملقاة إلى جانبه مطوية كما هى ، وكان هو ما زال غارقاً فى تأملاته باتجاه المصنع يتابع الدخان فور اندفاعه كتلة بيضاء كثيفة من فوهة المدخنة ثم تتسع الكتلة شيئاً فشيئاً وتقل كثافتها ، تتكون سحابة غير منتظمة تظل تتسكع قليلاً فى الفضاء ، تتجه صوب الأعالى ثم تأخذ فى التلاشى رويداً رويدا .. تتلاشى سحابات أخرى وأخرى ، تزداد تجاعيد الوجه عمقاً ، تزداد خطواته التصاقاً بالأرض وهو يمضى بخطواته الزاحفة ، والصحيفة فى مكانها لم تمس ..

 

 

16 /7 /1989

 

 

 

 

تأملات فى الناس والمكان

الجنــــرال

 

طوى الجريدة القديمة تحت إبطه وانتفض واقفاً ، فارع الطول ، نحيل القوام ، طويل الساقين بشكل ملحوظ ، قصير الشعر، نظرات عينيه الحادتين تتجهان للأمام ، شفتيه مضمومتان فى إصرار تحت أنفه المدبب ، مضى يضرب الأرض بحذائه العسكرى القديم فى خطوات سريعة منتظمة حتى غاب عن أعيننا ..

التقت نظراتنا فى وقت واحد تتعجب وتتسائل ..أين كان يجلس ، ولماذا انتفض هكذا تاركاً المكان باحتجاج و بكل هذا القرف ..!؟ انقطع حديثنا فجأة ، خيل إلى أننا جميعاً نسينا فيم كنا نتحدث ، وماذا كنا نقول .. لم تكن تلك هى المرأة الأولى التى أراه فيها منطلقاً بخطواته العسكرية مخترقاً فناء الاستراحة إلى الخارج تحت إبطه دائماً جريدته القديمة ورأسه الصغير مرفوع فى شموخ وتحدٍ .. أراقب حركاته للحظات ، تلفت نظرى غرابة أطواره .. لم يجالس أحدا يوما .. دائماً وحيد ، ودائما متجهم لا من غضب ، بل من إصرار وانتظار وتحفز ، لكنه هذه المرة لم يخفِ غضبه .. كانت نظرات عينيه الحادتين تحمل لنا الكثير من الاحتقار ، هذا ما شعرت به ، وبالتأكيد شعر به زملائى أيضاً ، تنطق بهذا وجوههم جميعاً ..

-         أنا أعرفه ..

اتجهت عيوننا وآذاننا إلى مصدر الصوت فى لهفة ، تمطى الفضول بصدورنا وانتظرنا.. رأى اللهفة فى نظراتنا فتباطأ .. وانتظرنا ..

-         قبل الحرب كان يعمل بالمصنع ، وعندما تسلم ورقة صغيرة ذات يوم من مندوب التعبئة ملأ العنبر رقصاً وغناءا حتى ظننا أنه جن .. كان كثيراً ما يتحدث عن ثأر قديم له عند اليهود - الأمر الذى جعله يقرأ الكثير من الكتب عنهم – بينما ظن البعض أنه فرح لأنه استراح من وجه ملاحظ العمل الذى كان يصفه دائماً بالغبى أمام أصدقائه ، المهم أنه ذهب إلى الحرب ولم يعد .. وبعد أن انتهت الحرب وتم توقيع معاهدة السلام وأعلنت أنها آخر الحروب .. عاد وتسلم عمله ثانية خلف المغزل الكبير وأمام وجه الملاحظ الغبى ، وبدأت حاله تسوء شيئاً فشيئا ، كثرت مشاحناته مع الملاحظ ومع المهندس وحتى مع رجال النقابة ، كان يصفهم علناً بالنصابين والانتهازيين والعملاء والكثير مما لا أذكره ، وكانت النتيجة كما ترون ، تم فصله من العمل .. صرخ محتجاً ، ثم بدأ يهدد ويتوعد ، ثم هجم ذات يوم على رئيس مجلس الإدارة نفسه وفى مكتبه ، قال البعض أنه كان يريد قتله والثأر منه لأنه لم يتمكن من أخذ ثأره عند اليهود .. وقال البعض أن كل هذه التهم لفقت له كذريعة لفصله ليستريح الجميع منه ومن مشاكله ، وزعم آخرون أن تقارير الملاحظ كانت سبب فصله ، المهم أن الجنرال مُنِع من دخول بوابة المصنع الداخلية فاكتفى بالحضور يوميا وفى نفس مواعيد عمله ليجلس هنا فى الاستراحة ، ولست أدرى إن كان يأمل فى العودة إلى عمله أم أنه ينتظر ورقة أخرى من مندوب التعبئة ، فهو لم يعد يتحدث إلى أحد ، ولا يثق بأحد ، بل وتوقف عن الذهاب إلى الطبيب النفسى الذى كان يتلقى العلاج على يديه ووصفه لأكثر من مرة بأنه حمار مثل الملاحظ وأعضاء النقابة ..

 لاحظنا أنه يكاد ينهى حديثه دون أن يشير إلى تلك الجريدة المطوية تحت إبطه دائماً ، ولماذا يطلقون عليه لقب الجنرال ، وكيف يعيش أصلاً ..؟ تملكنا جميعاً فضول شديد إزاء الرجل فانطلقت الأسئلة فى وجه الرجل .. أخرج أكثر من شخص علبة سجائره وامتدت أكثر من يد بسيجارة للرجل الذى شعر بالحرج ، لكنه تناول أقرب سيجارة وهو يبتسم شاكراً واضطر لمواصلة الحديث ..

-         الجنرال ..؟! نعم ، كل من يعرفه فى الشارع الذى يسكنه يطلق عليه هذا اللقب ، فهو منذ عودته من الحرب أخذ يسلك سلوك القادة الكبار، والجميع – وخاصة أهل بيته – يعانون من أوامره الغريبة وإصراره على أن تنفذ بحذافيرها ..

جذب نفساً طويلاً من سيجارته ونَفَث دخانه لأعلى حتى دمعت عيناه قليلاً ، مسح وجوهنا بنظراته ورفع سبابته فى اتجاه غير محدد وهو يقول مؤكداً ..

-         هل تصدقون أنه يوقظ زوجته وأولاده فى الفجر ، ويصر على إيقافهم طابوراً ويظل يلقى عليهم الأوامر وأحياناً يصر على أن ترتدى زوجته الشورت بالرغم من سمنتها المفرطة ومرضها ، ومع ذلك يضطرون لتنفيذ أوامره خوفاً عليه من ازدياد حالته سوءا ، ولا يدرى أحد ماذا يريد بالتحديد ، كل ما فهمناه منه فى بداية عودته أنه لم يتمكن من الأخذ بثأره كما يقول ، لكنه لم ييأس ، فهو يؤكد أنه سيأخذه حتماً فى الحرب القادمة ، ودائماً يقول هذا الكلام " لا تصدقوا أنها آخر الحروب .. إنما هى خدعة والحرب خدعة .. الحرب قادمة ، الحرب القادمة هى آخر الحروب بالفعل لأنها لن تبقى منهم أحد " .. ولا يزال ينتظر تلك الورقة الصغيرة تستدعيه للحرب ، لذلك فهو دائم الجلوس هنا فى الاستراحة رغم فصله من العمل منتظراً موظف البريد الذى سيحملها إليه ..

وسكت الرجل وقد بان عليه التأثر الشديد ، وشردت عيناه بعيداً فى الفضاء الواسع خلف البوابة الحديدية .. ولم يعقب أحد منا بشيئ .. تشاغل البعض بالصحف ، أطرقت أفكر فيما سمعت محاولاً أن أتذكر فيم كنا نتحدث حتى أغضبناه لهذا الحد ، وفجأة قفزت لذاكرتى آخر كلمات الزميل الذى كان يشرح لنا الفوائد التى سنجنيها من السلام الشامل فى المنطقة .. وهنا أدركت سر نظرة الاحتقار الى رمانا بها وهو ينهض مبتعداً ضارباً الأرض بخطواته العسكرية وحذائه العسكرى المتهرأ ..

      

 

 

المصدر: الكاتب
samibatta

أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى ، كما أرجو أن تتواصل معى وتفيدنى بآرائك ومناقشاتك وانتقاداتك ..

  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 136 مشاهدة
نشرت فى 4 يناير 2011 بواسطة samibatta

ساحة النقاش

سامى عبد الوهاب بطة

samibatta
أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى على صفحات هذا الموقع .. كما أرجو أن تتواصل معى بالقراءة والنقد والمناقشة بلا قيود ولا حدود .. ولكل زائر تحياتى وتقديرى .. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

72,859