<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman","serif";} </style> <![endif]-->
الجملة من وجهة نظر النحاة العرب :
د. صالح محمد أبوشارب
اختلف سيبويه والمبرد البصريان في استعمال اصطلاحي : فاستعمل سيبويه اصطلاح “الكلم” ، واستعمل المبرد اصطلاح “الكلام” ، ومع هذا الاختلاف الاستعمالي ، فإنهما قد اتفقا في المدلول ، ذلك أنَّ كلام العرب ، ينقسم إلى : اسم وفعل وحرف ، ومع هذا فإن استعمال سيبويه أكثر دقة من استعمال المبرد , ويقول السيرافي : “وقوله الكلم” ، ولم يقل الكلام ، لأن الكلم للكثير(3) .
على أنَّ البغداديين قد توسعوا ، واستعملوا اصطلاح " الجملة " ، إذ استعمله المبرّد البصري ويبدو هذا الاستعمال ماثلاً في كتابه " المقتضب" حيثُ يقول : “هذا باب الفاعل ، وهو رفع وذلك ، قولك : قام عبد وجلس زيد وإنما كان الفاعل رفعاً ؛ لأنه هو والفعل جملة يحسن عليها السكوت ، ويجب بها الفائدة للمخاطب ، فالفاعل والفعل بمنزلة الابتداء والخبر ، إذ قلت : قام زيد . فهو بمنزلة ، قولك : القائم زيد “(4).
وتبنى النحويين الذين جاؤوا بعدهما مذهبهما نفسه ، فاستعملوا اصطلاح الكلم والكلام والجملة(5).
يقول خليل عمايرة : " نلحظ أن النحاة منذ سيبويه حتى الآن ، قد ساروا في درب واحد من حيث مفهومهم للجملة النحوية ، غير أننا نلحظ أن الأوائل ، وبخاصة نحاة البصرة والكوفة لم يطلقوا اصطلاح الجملة بتوسع ملموس ، وأول من أطلق مصطلح الجملة وبطريقة دراسية ميدانية ، هم بعض نحاة بغداد ، وقد استخدموا مصطلح “الجملة” ، وجعلوه مرادفاً لمصطلح الكلام "(1).
*ولعل من المفيد حقاً أن نعرض آراء بعض النحويين في هذه المسألة ، ومن أبرزها :
1- يذهب سيبويه إلى أن " الكلام " لا يطلق حقيقةً إلا على الجمل المفيدة ، ومعنى هذا ، أن "الكلام " عنده ، إنما يعني الجملة التي تستقلّ بنفسها ، وتستغني عن غيرها ، وهي تقابل القول .
جاء في كتاب سيبويه : " واعلم إنَّ " قُلْتَ " في كلام العرب ، إنما وقعت على أن يُحكى بها ، وإنما تَحْكى بعد القول ما كان كلاماً لا قولاً "(2) .
ويقول في الكتاب أيضاً : “ هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة ، فمنه مستقيم حسنٌ ، و محال ، ومستقيم كذب ، ومستقيم قبيح ، وما هو محال كذب " (3) .
2- ويقول ابن جنّي في كتابه "اللمع" :" وأما الجملة فهي كلّ كلامُ مفيد مستقل بنفسه " (4) . ويقول في الخصائص أنَّه :" ما كان مجموعة من الألفاظ قائماً برأسه ، مستقلاً بمعناه ، وهو الذي يسميه النحويون : الجمل ، نحو : زيد أخوك ، وقام محمّد " (5) .
ويسوق الرأي نفسه في موقع آخر فيقول :" ... فكل لفظٍ استقلَّ بنفسه ، وجنيت منه ثمرة معناه فهو الكلام ، نحو : زيدٌ أخوك ، وقام محمدٌ ، وضُربَ سعيدٌ ، وفي الدار أبوك وصه ، ومه ، ورويدَ وحاء وعاء في الأصوات ، وحسِّ ولبِّ ، وأفّ وأوّه ، فكل لفظ استقل بنفسه ، وجنيت منه ثمرة معناه فهو الكلام "(6) .
ويذكر في موقع آخر من كتاب اللمع : " وأما الجملة : فهي كل كلام مفيد مستقل بنفسه ".
ويتبين لنا بعد أن عرضنا - ما عرضنا - أنّ "الكلام" و"الجملة" عند ابن جنّي سيان ، وهذا يعني أن "الكلام" و"الجملة" في عرفه هو : ما يؤدّي معنى مفيداً مستقلاً برأسه ، أمّا ما لا يؤدّي مثل هذا المعنى المفيد المستقل عن غيره ، فقد أطلق عليه " القول " .
ويدل مذهب ابن جني على أنّ " القول " عنده أعم من " الكلام " ، فالكلمات المفردة والمركّبات التي لم تحتضن معنى تستقلُّ به ، تسمّى قولاً ، وذلك واضح في قوله : فكل كلام قول ، وليس كل قول كلاما (1).
فالجملة عند هذا الرجل ، تُعَدُّ أساس الحديث وثمرته ، ذلك أنَّها توصل ما يُحتَمَلُ في ذهن المتكلم من أفكار ومفاهيم إلى السامع أو المتلقي .
وتابع ابنُ الخشابِ الشيخَ ابنَ جني ، ويظهر ذلك في قوله : “ الجملة كل لفظ أفاد السامع فائدة يحسن سكوت المتكلّم عندها وإن شئت قلت : كل لفظ يدلّ جزؤه على الجزء من معناه ، مع إفادته فائدة حسنة يحسن الاقتصار عليها ... [ ثم يضيف ] واعلم أن أصل الجملة الاستقلال بنفسها “(2) .
3- ويذهب الرماني الذي فلسف النحو إلى أنَّ : " الجملة ما تكوَّن من موضوع ، ومحمول دالين على معنى تام ، وتتقيَّد بعلاقة التزام بين الطرفين للتعبير عن الفائدة ، وليست الجملة بُنية منفردة ، بل هي تركيب ، والمركب ما تكون من عنصرين يجريان مجرى المفرد "(3) .
4- الزمخشري حيث جاء بالقول نفسه إذ يقول في كتابه المفصل : الكلام هو المركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى وذاك لا يتأتى إلا في اسمين ، كقولك زيدٌ أخوك وبشر صاحبك أو في فعل واسم ، نحو قولك : ضرب زيد و انطلق بكر ، وتسمّى الجملة (4).
وهــذا يعني أن الزمخشري يرى رأياً آخر ، يخالف فيه آراء طائفة من النحويين الذين سبقوه ، فلا يرى رأي الذين يقولون بأن " الكلام " و" الجملة " مترادفان ، ذلك أن الجملة في عرفه أعم من الكلام .
5- وذهب ابن يعيش (ت643هـ) ، في شرح المفصل إلى هذا إذ يقول : " والكلامُ : هو المركَّبُ من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى ، وذاك لا يتأتى إلا في اسمين ، كقولك : زيدٌ أخوك ، وبشْرٌ صاحبك أو في فعل واسم ، نحو قولك : ضُربَ زيدٌ ، وانطلق بكرٌ ، ويسمّى الجملة "(5).
6- وسار ابن عقيل في شرحه على الألفية على نهج الشيوخ الأكابر الذين سبقوه ، ويتمثل هذا السير بقوله : " الكلامُ المصطلح عليه عند النحاة عبارةٌ عن : " اللفظَ المفيدُ فائدةً يحسنُ السكوت عليها " (1).
وترى طائفة من النحويين أن تخصيص الكلام ب " المفيد " إنما هو اصطلاح دون دليل يدل عليه ولا يجوز أن يُشْتَرَطَ في حده كونهُ مفيداً ، فالكلمة عند السيوطي : قول مفرد مستقل ، وكذا منويٌّ معه على الصحيح (2) .
7- وخاض الرضي النحوي في مسألة "الكلام" و"الجملة" ، فذهب إلى التفريق بينهما تفريقاً حاسماً ، فتراه يقول : " والفرق بين الكلام والجملة ، أنّ الجملة ما تَضمَّنَ الإسناد الأَصلي سواء كانت مقصودة لذاتها أو لا ، كالجملة التي هي خبر المبتدأ ، وسائر ما ذكر من الجمل فيخرج المصدر ، واسما الفاعل والمفعول ، والصفة المشبّهة ، والظرف ، مع ما أسندت إليه والكلام ما تضمّن الإسناد الأصلي ، وكان مقصوداً لذاته ، فكل كلام جملة ، ولا ينعكس " ويتّفق ابن هشام مع الرضي في ذلك .
وخلاصة القول عند الرضي أنَّ التّركيب الذي يتضّمن إسناداً ، يُنظَرُ فيه ، فإن تبين لنا أنّه يستقلُّ بنفسه ، ويفيد فائدةَ يَحْسُنُ السكوت عليها ، فهو " الكلام " ، وهو " الجملة " أيضاً كقولهم :
“ الشمسُ طالعةٌ “ ، فلا تكون كل "جملة" كلاماً ، وذلك لأنّ الجملة على هذا أعم من الكلام ، فكلاهما يتضمّن الإسناد الأصلي ، ثمّ ينضاف قيد إلى الإسناد الأصلي في الكلام يخصصه ، ولا تشركه الجملة في هذا التقييد (3).
8- وخصَّ ابن هشام الأنصاري ، الجملة العربيَّة بباب خاص في كتابه " المغني " ، فقد شرحها وبيَّنَ أن الكلام أخصُّ منها لا مرادف لها ، يقول في تعريفها إنها : " عبارة عن الفعل وفاعله كـقامَ زيدٌ ، والمبتدأ وخبره ، كـزيدٌ قائمٌ ، وما كان بمنزلة أحدهما ، نحو : ضُرِبَ اللصُّ أو : أَقائمٌ الزيدانِ ؟ وكانَ زيدٌ قائماً ، و : ظننته قائماً " , ويختم تعريفه بقوله :"... وبهذا يظهر لنا أنُّهما ليسا رديفين ، كما يتوهمه كثيرٌ من الناس ، وهو ظاهر قول صاحب المفصّل فإنه بعد أن فرغ من حدّ الكلام قال : ويسمى جملة ، والصوابُ أنها أعمُ منه ، إذ شرْطُه الإفادة بخلافها ، ولهذا تسمعهم يقولون : جملةُ الشرط ، جملةُ الجواب ، جملةُ الصلة ، وكل ذلك ليس مفيداً ، فليس بكلام " والتفت إلى اصطلاح "الكلام" فَخَصَّهُ بتعريف يقول فيه : “ الكلام هو القول المفيد بالقصد والمراد بالمفيد : ما دل على معنى يحسن السكوت عليه “(1) .
وفصَّل الأنصاري هذا في " شرح قطر الندى " فقال : " لما أنْهيْتُ القول في الكلمة وأقسامها الثلاثة ؛ شَرِعْتُ في تفسير الكلام ؛ فذكرتُ أنه عبارة عن “ اللفظ المفيد “ ونعني باللفظ : الصَّوْتَ المشتملَ على بعض الحروف ، أو ما هو في قوة ذلك ، فالأوَّل نحو : “ رَجُل “ و “ فَرَس” والثاني : كالضمير المستتر في نحو : “اضْرِبْ” ، و”اذْهَبُ” المُقدَّرِ بقولك : “أنت” ونعني بالمفيد ما يصحُّ الاكتفاء به ، فنحو : “ قام زيدٌ “ كلام ؛لأنَّه لفظ يصح الاكْتفاء به ، وإذا كَتبت : “ زَيدٌ قائم “ مثلاً ، فليس بكلام ؛ لأنَّه وإن صح الاكتفاء به ، لكنه ليس بلفظ وكذلك إذا أَشَرْتَ إلى أحَدٍ بالقيام ، أوالقعود فليس بكلام ؛ لأنَّه ليس بلفظ (2).
ويمضي عبد السلام هارون على درب أولئك الذين سبقوه فيقول : " والحق إن الكلام أخصُّ من الجملة ، والجملةُ أعمُّ منه "(3) , وهذا الرأي ، يُعَزِّزُ ما درجَ على ألسنة النحويين المتقدمين .
وسلك النحويون المتأخرون سبيل ابن هشام الأنصاري ، وتابعوه في مذهبه ، وبهذا فقد استقرَّ مفهوم الاصطلاح ، وتحدَّدَتْ دلالته العلمية .
9 - وشارك الشريف الجرجاني في توضيح هذه المسألة ، فركَّزَ في أثناء تعريفه للجملة على الإسناد ، الذي يشمل المسند والمسند إليه ، فالجملة عند الجرجاني " عبارة عن مركب من كلمتين ، أُسندت إحداهما إلى الأخرى ، سواء أفاد ، كقولك : زيدٌ قائمٌ ، أو لم يُفِدُ ، كقولك : إنْ يكرمني ، فإنها جملة لا تُفيدُ ، إلا بعد مجيءُ جوابه ، فتكون الجملة أعم من الكلام مطلقاً " (4).
فالكلام عنده ، إنما يكون باكتمال طرفي الإسناد ، سواء أحصلت الفائدة أم لم تحصل , وهذا الواقع قد شَخَّصَهُ عبد القاهر الجرجاني في كتابه " دلائل الإعجاز " حين قال : " واعلم أنَّ ليس النَّظم إلا أن تضع كلامك الوضع الَّذي يقتضيه علم النَّحو ، وتعمل على قوانينه وأصوله ، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم الَّتي رسمت لك , فلا تخل بشيء منها - هذا هو السبيل- فلست بواجد شيئاً ، يرجع صوابه إن كان صواباً ، وخطؤه إن كان خطأ إلى "النظم" ، ويدخل تحت هذا الاسم إلا وهو معنى من معاني النحو ، قد أصيب به موضعه ، ووضع في حقه ، أو عومل بخلاف هذه المعاملة ، فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له ، فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده ، أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة ، وذلك الفساد وتلك الميزة وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه ، ووجدته يدخل في أصل من أصوله ، ويتصل بباب من أبوابه ، وذلك أنَّا لا نعلم شيئاً يبتغيه النَّاظم بنظمه ، غير أنْ ينظر في وجوه كل باب وفروقه ، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك : زيد منطلق ، وزيد ينطلق ، وينطلق زيد ، ومنطلق زيد وزيد المنطلق ، والمنطلق زيد ، وزيد هو منطلق ، وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك: إنْ تخرج أخرج وإن خرجتَ خرجتُ ، وإن تخرج فأنا خارج ، وأنا خارج إن خرجت وأنا إن خرجت خارج ، وفي الحال إلى الوجوه الَّتي تراها في قولك : جاءني زيد مسرعاً وجاءني يسرع ، وجاءني وهو مسرع ، أو هو يسرع وجاءني قد أسرع ، وجاءني وقد أسرع فيعرف لكل من ذلك موضعه ، ويجيء به حيث ينبغي له ، وينظر في الحروف الَّتي تشترك في معنى ، ثمَّ ينفرد كل واحد منها بخصوصيَّة في ذلك المعنى ، فيضع كلاً من ذلك في خاص(1) .
معناه ، نحو أنْ يجيء بما في نفي الحال ، وبلا إذا أراد نفي الاستقبال ، وبأن فيما يترجَّح بين أن يكون وأن لا يكون وبإذا فيما علم أنَّه كائن ، وينظر في الجمل التي تسرد ، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل ، ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع الواو من موضع الفاء وموضع الفاء من موضع ثمَّ وموضع “أو” من موضع أم ، وموضع لكن من موضع بل ويتصرَّف في التعريف والتَّنكير والتَّقديم والتَّأخير في الكلام كلَّه ، والحذف والتَّكرار ، والإضمار والإظهار فيضع كلاً من ذلك مكانه ، ويستعمله على الصحَّة وعلى ما ينبغي له " (2) .
هذا واستعمل الفرّاء الكوفي اصطلاح " الكلام " في مواضع من كتابه " معاني القرآن " فنجده يقول – مثلاً- : " وقد وقع الفعل في أول الكلام "(3)وهو ما نطلق عليه الآن الجملة الفعلية عندما يقع الفعل في أول الكلام .
وحين نلتفت إلى أثار ثعلب الكوفي ، لا نعثر فيها على اصطلاح " الجملة " وإنما نجد أنه استعمل اصطلاح " العربية " تارة ، واصطلاح " الكلام " تارة أخرى(4) .
وذهب الحريري (ت : 516 ه) مذهب من سبقوه ومن عاصروه ، فاستعمل اصطلاح " الكلام " دون غيره ، فتراه يقول في شرح ملحة الإعراب :
حَدُّ الكلامِ ما أفادَ المُستمعْ نَحوسَعَى زَيدٌ وعَمْروٌ مُتَّبعْ
و يقول : “ الكلام عبارة عما يحسن السكوت عليه ، وتتمّ الفائدة به ، ولا يأتلف من أقل من كلمتين ... “(1).
أما السيوطي فقد قال في هذه المسألة في شرحه : " ذهب طائفة إلى أن الجملة والكلام مترادفان ، وهو ظاهر قول الزمخشري في المفصل ، فإنَّه بعد أن فرغ من حد الكلام ، قال : ويسمى الجملة والصواب ، أنها أعم منه إذ شرطه الإفادة بخلافها ، قال ابن هشام في المغنى ، ولهذا تسمعهم يقولون جملة الشرط ، جملة الجواب ، جملة الصلة " (2) .
مفهوم الجملة عند المحدثين :
نهج الباحثون المحدثون في دراسة " الجملة العربية " نهجاً يتصل بمستويات التركيب في اللسان العربي ، ويقوم هذا النهج على طبيعة الإسناد والعلاقات الإسناديَّة ، ونعني بذلك : متابعة الكلمة عند التركيب ، وعندما تتنوّع الجملة تنوعاً مقترناً بتنوع أحوال المفردات التي تتألف منها ، وما يطرأ على الجملة من اختلاف المعاني ، والمناسبات السياقيَّة ، باعتبارها ظواهر ، لا تظهر إلا في التركيب الذي حصل فيها .
على أن مستويات التركيب في الجملة العربيَّة تَضُمُّ جملاً " بسيطة " تقوم على طبيعة الإسناد ، وجملاً " بسيطة " لا أثر للإسناد فيها ، وجملاً أخرى " مركّبة " تتعدد وتتنوّع العلاقات الإسناديَّة فيها ، كالجمل الشرطيَّة ، وكلها مركّبات تتم الفائدة بها ، ويحسن السكوت عليها ، فلم تقتصر عنايتهم على شكل الجملة ، وأسلوب ارتباطها ببقيَّة الكلام(3) .
واقتفى بعض العلماء المحدثين سبيل علماء النحو المتقدمين ، واتَّبَعُوا خطاهم في تبني اصطلاح " الجملة "، من أمثال عباس حسن الذي عرض معنى الجملة في اللغةً و الاصطلاح . وذهب إلى أنها مرادفة ل" الكلام " ، وبدا ذلك واضحاً في قوله : “ الكلام أو الجملة : هو ما تركَّبَ من كلمتين أو أكثر ، وله معنى مفيد مستقلّ “ (4), واختلط الأمر على بعض هؤلاء المحدثين ، فمنهم مَن عَرَّف هذه الجملة في اللغة والاصطلاح ومنهم من تخفف من هذا التعريف على شاكلة الغلاييني في كتابه " جامع الدروس العربية "(5).
ويرتضي خليل عمايرة ما ذهب إليه الزمخشري في المفصّل ، وابن يعيش في شرح المفصَّل في حَدِّهما للكلام ، وللجملة ، ويخالفهما فيما ذهبا إليه بأنَّ الكلام هو الجملة ، ويخالف ابن هشام ومن تَبنَّى رأيه في " أن الكلام أخصَّ من الجملة ، وأنَّ الجملة أعمَّ من الكلام ، فيرى أنّ الجملة ما كان من الألفاظ قائماً برأسه ، مفيداً لمعنى يحسن السكوت عليه " (1) .
ويعزز وجهة نظره بدليل عقليّ ، يدل على أنَّ الأصل أن يسّلُك المتكلّم سبيل المبنى ؛ للوصول إلى المعنى الذي يوازيه في الذهن ؛ ليلتقي الخطان عند إفادة السامع ، إذ يقول : أن الأفكار تكون في ذهن المتكلم ثم تتحول إلى رموز أي كلمات منطوقة ، تنتظم في جمل طبقا للقواعد النحوية واللغوية العرفية وهذه تساوي النحو (2) .
وإنني لمقتنع تماماً برأي خليل عمايرة ، الذي ساقه في كتابه : " في نحو اللغة وتراكيبها " في إثناء دراسته لواقع مفهوم الجملة إذ يقول : " ... فالجملةُ إذاً- عند بعض النحويينَ :
" اللفظ المفيدُ فائدةً يَحْسُنُ السكوت عليها " وبذا تكون عند من قال بهذا ، رديفاً لمصطلح الكلام ، حيث إن هذا هو التعريفُ الذي يرتضيه جلُّ النحاة حَدَّاً للكلام "(3) , وفي موقع آخر من الكتاب نفسه قال :" ونرى كذلك ، أن الكلام تآلف عدد من الجمل ؛ للوصول إلى معنى أعمَ مما في الجملة وأشْمَل ، وعلى ذلك فقد كان القرآن الكريمُ كلامَ اللهِ ، والشعرُ والنَثْرُ كلامَ العرب " (4) .
ويرى إسماعيل عمايرة : " ... إنّ هذا الإسناد الذي قصده النحاة ، هو ذاته ما أطلقوا عليه "مصطلح الجملة"(5) .
وجَهِدْتُ في تتبع آراء النحويين في " مفهوم الجملة والكلام " ، والْتِمَاسِ هذه الآراء في مَظَانِّها ، فتبين لي أن الجملة عندهم ، إنما هي كلام يتألّف من كلمتين أو أكثر ، ويفيد معنى تامّاً يحسن السكوت عليه ، وتَكشَّفَ َلي شيء آخر مُهِمَّ ، هو أن هذه الجملة عبارة عن نظام علاقات قائم على أحكام تركيبيَّة لهذه الجملة ، مُقَيّدةٍ بظاهرة جوهريَّة في النحو العربي هي ظاهرة " التلازم النحوي " .
ويرى إسماعيل عمايرة أن التعريف الذي يرتضيه للجملة العربية : "... أنها الحدُّ الأَدنى من الكلمات ، التي تحمل معنى يحسن السكوت عليه " وهي عنده الجملة التوليديّة ، أو الجملة النواة ، وتقع هذه الجملة - أعني : التوليديّة - في إطارين كبيرين : الاسميّة والفعليّة ، ويتبنى إسماعيل مذهب ابن هشام الأنصاري الذي ينصَّ على أن الجملة العربية ، موزعة بين ثلاثة أنواع ، هي : الاسميّة والفعليّة والظرفيّة ، إذ يقول : " الجملة اسميّة أو فعليّة أو ظرفيّة "(1) .
وهي عند الفارسي أربعة أنواع ، إذ زاد على هذه الأنواع : الجملة الشرطية ، والفارسي قد سبق الأنصاري بفترة طويلة(2).
ويرى خليل عمايرة أن الجملة التوليديّة هذه تقع في اللسان العربي على شكلين : توليدية اسميّة ، وتوليديّة فعليّة ، وحين يطرأ عليها عنصر من عناصر التحويل ، فإنها - حينئذ - تصبح جملة تحويليّة ، ولكنّها تحتفظ بنوعيها : الاسميّة والفعليّة ؛ لأن العبرة بصدر الجملة وتستعمل التوليديّة في غرض الأخبار ، ويرى خليل عمايرة أن الجملة التحويليّة ؛ تكون لتحقيق معنى جديد مُتَحوّلٍ عن معنى الجملة التوليديّة ، ذلك أن التحويل يكون مقترناً بغرض يتعلّق بالمعنى(3).
تقسيم الجملة عند خليل عمايرة (4) :
* ومهم يكن من أمر هذه الجملة ، فإن خليل عمايرة ، قد حذا حذو كثير من النحويين في تقسيمها ، فهي عنده : الاسميَّة والفعليَّة .
وشفع هذا التقسيم بتقسيم آخر مفصَّل على النحو التالي :
1- جملة توليديّة اسميّة ، وتُرَكَّبُ على أشكال ، هي :
أ- مبتدأ وخبر : ويكون المبتدأ معرفة ، أو ما ينوب عنه كالمصدر المؤول ، ويكون خبر هذا المبتدأ نكرة .
ب - خبر ومبتدأ ، ويقع الخبر جملة ظرفية ، ويقع المبتدأ نكرة ، وقد ذكر هذا الشكل ابن مالك في الألفية ، إذ نصَّ على أنَّه لا يجوز الابتداء بالنكرة ، إلا إذا فادت معنى ظاهراً ، كقولهم : عندَ زيدٍ نَمِرَةٌ .
ج - مبتدأ وخبر ، ويقع كلاهما معرفة .
2- جملة توليديّة فعليّة : وُتّركَّبُ على أشكال أيضاً ، هي :
أ - فعل وفاعل ، ويكون الفعل لازماً مكتفياً بفاعله ، ويؤدي المعنى المراد من خلال هذا الفاعل ويكون الفاعل اسماً ظاهراً ، أو ضمير متصلاً أو مستتراً ، كما هو الحال في فعل الأمر .
ب - فعل وفاعل ومفعول ، ويكون الفعل متعدياً ، فلا يستطيع أن يؤدي المعنى المقصود إلا من خلال الفاعل المقرون بمفعول واحد ، وقد يعطي المعنى بمفعولين اثنين ، أو بثلاثة مفاعيل .
ويكون الفاعل ظاهراً أو مستتراً .
ج - فعل وفاعل ومفعول ، ويقع الفعل متعدياً ، ويكون الفاعل ظاهراً أو ضميراً ، ويقع المفعول ضميراً منفصلاً ، أو ضميراً متصلاً (1) .
يضاف إلى هذا ، أنّ ثمة فرقاً بين الجملتين :التوليديّة الإخباريّة ، والتحويليّة العميقة ، فالأولى يستعملها المتكلمُ حين يريد الإخبارَ المحايدَ ، ، ويستعمَل الثانية حين يبغي تحقيق معنى جديدٍ يضاف إلى معنى الإخبار ، ويكون ذلك باستعمال عنصر من عناصر التحويل الخمسة : الترتيب والزيادة والحذف ، والتنغيم ، والحركة الإعرابيَّة ، فتصبح الجملةُ المحولة أعمق منها في حالتها البسيطة المحايدة .
ويمكن أن نُعَزِّزَ هذه الجملة التحويلية العميقة بعنصرين مُعْتَبَريْنِ في التحويل ، هما : التلازم والعدول عن هذا التلازم ، الذي يتمثل بالفصل أو الحذف .
ونهج النحويون واللغويون العرب في تصنيف الجملة العربية نهجين :
أولهما : تركيبي يتمثل في تشكيل الجملة على قسمين اثنين : اسمية وفعلية ، ووصفوها بالكبرى أو الصغرى .
والثاني : بلاغي يتمثل في المعنى (2) .
أنواع الجملة وتقسيماتها :
جعل النحويون الجملة العربية نوعين ، جملة اسمية مركبة من مبتدأ وخبر ، وجملة فعلية مركبة من فعل وفاعل ، وتمتد هذه الجملة بنوعيها ، إذا كان ثمة ما يدعو إلى الأمتداد ؛ طمعاً في تلبية حاجة المتكلم .
ووزع أبو علي الفارسي الجملة على أربعة أقسام ، هي الاسمية ...، والفعلية ...، والظرفية ... والشرطية ... ووضع الجملتين الظرفية والشرطية في حيِّز الجملة الفعلية ، وتأثر به من جاء بعده من النحويين ، ومن أبرزهم ابن هشام في كتابه " المغني ".
وانتفع علم النحو العربي بالجهود التي بذلها الغربيون في دراساتهم الحديثة ، إذ قام النحويون بتقسيم الجملة من حيثُ تركيبها وإنشاؤها أقساماً متعددة تفي الغرض ، هي :
1- الجملة النواة :
وهي التي تأتلّف من الركنين الأساسيّين ، ونعني (المسند والمسند إليه) فقط ، اسميَّة أكانت أم فعليَّة ، كقولك في الاسمية : الطقسُ جميلٌ .
وقولك في الفعليَّة : يَنتَصرُ الحقُّ .
2- الجملة البسيطة :
وهي المؤلّفة من مركّب إسنادي واحد ، يؤدّي معنىً مستقلاً ، سواء أبدأ هذا المركّب ، باسم أم بفعل أم بوصف ، كقولك : الطقس جميلٌ .
وقولك : ينتصر الحقُّ .
وقولهم : أعائد أخوك ؟
وقد يبدو لنا شيء كثير من التداخل بين الجملتين النواة و البسيطة ، مما يدفعنا دفعاً إلى التخفف من الجملة البسيطة ، استجابة منا لظاهرة التلازم النحوي ، فالاسم في الجملة الأولى مبتدأ ، يحتاج إلى خبر ، والفعل في الجملة الثانية يستدعي فاعلاً ، و الوصف في الجملة الثالثة يطلب موصوف ، وهذا يعني أن الجملة البسيطة كالجملة النواة ، التي تتألف من الركنين الأساسيين : المسند والمسند إليه .
3- الجملة الممتدّة :
وتتألّف من مركّب اسنادي واحد ، وما يتعلّق بأحد عنصريه الأساسيّين أو بهما مجتمعين من مفردات أو مركّبات غير إسناديَّة ، نحو : حضر أخي متأخّراً ، أعائدٌ أخوك من السفر غداً ؟
4- الجملة المزدوجة والمتعدّدة :
وهي المركبة من أكثر من مركّب إسنادي واحد ، يستقلّ كلّ مركّب منها عن قرينه من قرائنه الإسناديَّة ، ولا يربطه بما قبله ، وما بعده إلا العطف ، وهذا يعني أن كل إسناد منها يصلح أن يكوّن جملة بسيطة ، أو جملة ممتدّة (1) .
5- الجملة المركّبة :
وهي المؤلّفة من مركّبين إسناديّين مترابطين ، يستقلّ أحدهما بفكرة أو بمعنى ، بينما يؤدّي التركيب الآخر فكرة غير مستقلّة ، إذ يعجز عن إعطاء معنى مفهٍم إلا من خلال المركّب الأصيل ونعني بهذا ، أن هناك علاقة متينة بين المركّبين ، وتتمثل هذه العلاقة بالتلازم ، فكل مركب منهما يلازم صاحبه لأداء المعنى المقصود ، ومثل هذه العلاقة الوثيقة ، تتحدَّد بنوع الجملة فالجملة الشرطيَّة - مثلاً - يترابط فيها المتلازمان برابط قوي ، وهي العلاقة الشرطية (1) . وهي عند ابن أبي الربيع : تنقسم ثلاثة أقسام جملّة مركبّة من جملتين وتلك الشرط والجزاء والثانية أن تكون مركبة من مفردين هما مبتدأ وخبر ، والثالثة أن تكون مركبة من فعل وفاعل ... ففد بيّن أن الجملة تكون إسميّة وفعليّة ولم يحتج إلى بيان أن الجملة تكون مركبّة من جملتين ، لأنّ الجملة المركبة من جملتين إن جئت بإحداهما لم تفدك ، والخبر إنما تقع الفائدة به ...(2 ) .
6- الجملة المتداخلة :
هي الجملة الّتي تتألّف من مركّبين إسناديّين ، أو من مركبين متضمنّين لعمليّتين إسناديّتين يربط بينهما تداخل تركيبي كقولهم : الناجح مُتَهلّلٌ وجهه.
فالمركّب الثاني عَجُزٌ لمركب إسنادي أعمّ وأشمل .
7- الجملة المتشابكة : وهي الجملة الّتي تُنْظَمَ من طائفة من المركّبات الإسناديَّة ، أو من مركّبات مشتملة على إسناد ، كقولهم : مَنْ تابَ ، يَقْبَلُ اللهُ تَوْبَتَهُ .
ويكشف هذا النوع من تقسيم الجملة العربية ، الذي يعتمد على التركيب ، عن أنْ ظاهرة التلازم النحوي ، تفرض نفسها على واقع الجملة النحوية ، ذلك أن هذه الجملة ، سواء أكانت نواة أم بسيطة أم غيرها ، فإن الرابط لها هو التلازم ، ويكشف أيضاً عن أن الإسناد ، أساس في تركيب الجمل التلازمية .
وذهب أكثر النحويين إلى أن الجملة العربية جملتان : اسمية ، وفعلية ، ذلك أن الجملتين : الظرفية والشرط ، هما في الأصل جملة فعلية ، ذلك أنّ الشرط ، إنما يكون في الافعال ، وكذا الأمر في الجملة الظرفية (3) .
أقسام الجملة :
تابع ابن هشام الأنصاري أبا علي الفارسي في تقسم الجملة إلى أربعة أقسام ، هي :
1- الجملة الإسميَّة : وهي الّتي صدرها اسم ، نحو: الحرب خدعة .
2- الجملة الفعليَّة : وهي الّتي صدرها فعل تام ، نحو : جاء الحقّ .
3- الجملة الظرفيَّة : وهي الّتي صدرها ظرف ، نحو : عندك ضيفٌ .
4- الجملة الشرطيَّة : وهي الّتي صدرها لفظ شرط ، نحو : من طلب العلى سهر الليالي .
يظهر من تقسيم ابن هشام للجملة على هذا النحو ، أنّه اعتمد في ذلك على نوع المسند ، أو نوع المسند إليه ، المتصدر في أول الجملة .
لكنّ النحاة الآخرين اكتفوا بقسمتها قسمين هما : الجملة الفعليَّة ، والجملة الإسميَّة ، ذلك أن الجملة الشرطيَّة فعلية ، وكذا الجملة الظرفيَّة ، فعلى هذا ، تشمل الجملة الفعليّة ، الشرطية والظرفية . (1)
والجملة الاسميّة في عرف النحويين هي :"... الجملةُ التي صدرها اسمٌ صريحٌ ، مرفوعٌ أو مؤولٌ في محل رفع ، أو اسمُ فعل عندَ بعضهم ، أو هي التي صدرُها حرفٌ غيرُ مكفوف ، مشبهٌ بالفعل فالجُمَل كقوله تعالى : “سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ “ ( البقرة /6 )(2) ، إنْ تفعل المعروف خيرٌ لك ، هيهاتَ العقيق


ساحة النقاش