<!--

<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman","serif";} </style> <![endif]-->

رؤية في الجملة العربية

 د. صالح محمد أبوشارب

         النحو العربي يدرس التراكيب النحوية وأجزاءَها ، وما بينها من مسائل ، وعلاقات وقرائن نحوية ، كقرينة الربط ، والرتبة ، والتضام* ، وعلاقة الفاعلية ، والمفعولية , والإضافة  وأهمها – موضوع دراستنا – وهو التلازم النحوي ... إلى غير ذلك من العلاقات والقرائن وهذا يعني أنَّ وظيفة النحو ، إنما هي معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها ، إذ هو العلم الذي يختص بقواعد اللغة التركيبية ، ويتضح ذلك من خلال اصطلاح النحو .

         والنحو في اللغة : من قولهم نحا نحوا ً، وقد أريد به اسم المفعول ، أي المنحو بمعني المقصود ، ويدل علي هذا ما قيل حول نشأة علم النحو ، فقد كان يقصد به القواعد المنحوّة في وضع اللغة ، أي المتبعة ، فالنحو بمعني المنحو مثل كلمة صَيِدُ في قوله تعالى : (أُحِلُّ لَكُمْ صِيْدُ البَحْرِ)(1) أي  : مصيده .

النحو في الاصطلاح : " هو انتحاء سمت كلام العرب ، في تصرفه من إعراب وغيره   كالتثنية ، والجمع ، والتحقير ، والتكسير والإضافة ، والنسب ، والتركيب ، وغير ذلك ، ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة "(2) .

         وهو عند طاش كبري زاده : " العلم الذي يبحث عن أحوال المركبات الموضوعة ، وضعاً نوعيّاً لنوع من المعاني التركيبيّة النسبيّة ، من حيث دلالتها عليها (3) .

والنحو عند السكاكي : " أن تنحو إلى معرفة التركيب فيما بين الكلم ؛ لتأدية أصل المعنى مطلقاً ، بمقاييس مستنبطة من استقراء كلام العرب ، وقوانين مبنيّة عليها  ليحترز بها عن الخطأ في التركيب ، من حيث تلك الكيفيّة ، وأعني بكيفيّة التركيب تقديم بعض الكلم على بعض  ورعاية ما يكون من الهيئات إذ ذاك ..." (4) .

       إذن هو : العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة ، من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها ، أو هو علم يبحث عن أواخر الكلم ، إعراباً وبناءً ، أو هو العلم الذي يختص بقواعد اللغة التركيبيّة (1).

      وغرضه : تحصيل ملكة ، يقتدر بها على إيراد تركيب وضع وضعاً نوعيا ، لما أراده المتكلم من المعنى ، وعلى فهم معنى أي مركّب ، كان بحسب الوضع المذكور .

وغايته : الاحتراز عن الخطأ في تطبيق التراكيب العربيّة ، على المعاني الأصليّة(2).

ولعل تعريف ابن جني أفضل هذه التعريفات وأدقها ، وقد أخذ به السيوطي في كتابه الاقتراح (3) فالنحو : هو الالتزام بسنة العرب في كلامهم لتقويم الألسنة ، وحمايتها من الوقوع باللحن .

      يتبيّن من ذلك أهميّة دور النحو في تحديد المعنى ، فالغاية من دراسة "النحو" هي فهم تحليل بناء الجملة ، تحليلاً لغويّاً يكشف عن أجزائها ، ويوضح عناصر تركيبها ، وتترابط هذه العناصر فيما بينها ؛ لتفضي إلى معنى مفيد يبيّن العلاقات  بين أجزاء هذا البناء ، ويكشف عن وسائل الربط   وعن العلامات اللغويّة التي تخص كل وسيلة منها .

      على أنَّ دراسة "الجملة" العربية باعتبارها تركيباً ، يُلحُّ علينا أن نقوم بتصنيفها ، وشرحها  ومعرفة العلاقات اللغوية التي تحكم أجزاءَها  والمهمة التي يقوم بها كل جزء منها في إظهار المعنى المقصود ، والمفهوم المراد ، ثم تحديد التركيب اللغوي ، أعني الجملة ونوعها .

       ويبدو لي أنَّ  دراسة ظاهرة التلازم  تفرض عليَّ فرضاّ لا مفرَّ منه ، أن أمضي إلى دراسة الجملة العربية دراسة كافية لمعرفة نظام تركيبها ، والتأليف بين الكلمة وأختها تأليفاً محكماً متماسكاً لأداء المعنى الذي يحتمل في الصدر وإخراجه إلى الواقع ؛ و لهذا كان لا بدّ لي من  أن ألتزم  بدراسة  الجملة العربية ؛ للوقوف على الصَّلة بين العلاقات الدلاليّة والنحويّة في هذه الجملة .

        وليس من ناقلة القول أن نبين – هنا- أنَّ الجملة العربية قد شغلت اللغويين والنحويين ، وأخذت منهم النفيسين : الجهد والوقت ،  فأقبلوا عليها بالدراسة ، وأفادوا منها إفادة ظاهرة ، وحللوها إلى عناصر وأجزاء ، وكشفوا عن مهمة كل فعل أو أسم أو حرف منها ،     ودور كل عنصر من هذه العناصر للكشف عن المفهوم  الذي نبتغيه ، وكان من نتيجة الجهود التي بذلوها  ظهور اصطلاحين هما : الكلام والجملة.

والكلمة المفردة لا تكفي للتعبير عن الفكرة المفهمة ، والحاجة اللازمة ، والحرف -   باعتباره  كلمة - ليس مؤهلاً لإعطاء معنى مجزئاً ، ومن هنا كان التركيب الرصين ضرورة يقتضيها الواقع اللغوي ، ذلك أن الكلام  تركيب له شكله  اللغوي ؛ وهذا الشكل له أجزاؤه ومكوناته ، وهذه المكوّنات لا تكون جزيئات مستقلّة في صورة كلمات فقط  ، بل قد تكون جزيئات مركّبة ، وهي هيئات تركيبيّة تمثّل جزءاً- بعد التّركيب- في التكوين أو الشكل العام .

          وقد أقبل  النحويون على دراسة الجملة باعتبارها تركيبا ، وقاموا بتحليل الكلام وعناصره فتحدّثوا عن الكلمة وعدوّها الوحدة الصغرى ، ذات الدلالة التي يتكوّن  منها الكلام ، وقسموا الكلمة إلى اسم وفعل وحرف(1) .

        وفرق النحويون بين دلالات كل من : "الكلام" و" القول" و"الجملة" ، و ذهب بعضهم إلى أن دلالة الجملة في الاصطلاح ترادف دلالة الكلام , والجملة التي يقوم النحوي بدراستها ليست من صنع يده ، وإنما هي مصنوعة في لغة العرب وتتمثل هذه الصنعة في الشعر والنثر ، وسائر الموروث اللغوي من الأخبار والسِّيَر وغيرها .

        ولما كانت هذه  الدراسة معنية بالجملة ، والعلاقات النحوية التي تربط  بين أجزائها  ، والوظيفة النحوية لهذه العلاقات ، وموقع هذه الجمل في تأليف الكلام ؛ كان من الطبيعي أن نُلِمُّ  بهذه الوظيفة لفهمها أولاً ، ولعرض مفهومها بعد ذلك  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوظيفة اللغوية

 

         إن مفهوم " الوظيفة اللغوية " مرتبط بمفهوم "الجملة " نفسها ، أعني : أنه مفهوم مبني على العلاقات القائمة بين الكلمة وأختها في الجملة ، ولا ينصرف إلى وظيفة الأسماء دون الأفعال   وإنما يدرس طبيعة العلاقة بين الكلمات التي تتكون منها الجملة .

       ويرتبط مفهوم العلاقة في الجملة  بطرفين أو أكثر ، على شاكلة العلاقة القائمة بين الحال وصاحبها ، وبين التمييز ومميّزه ، وبين الصلة والموصول ، وما إلى ذلك .

وحين نخطو خطوة أخرى لتحديد المقصود بمفهوم " الوظيفة " نجد أن "الوظيفة" – عند النحويين – دلالة تدل على العلاقة النحوية التي تقوم بين المواقع الهامة في الجملة ، وليس كل العلاقات الممكنة بين الألفاظ .

       ويبدو لنا أن علم النحو العربي وغيره من علوم النحو عند الأمم الأخرى ، قد عرفت مفاهيم : المواقع ، والألفاظ ، والعلاقات النحوية ، والعلاقات الممكنة ، وما إليها ، وإنما عبرت عنها بطريقة أخرى مختلفة  .

         ويذهب بعض النحاة إلى أنَّ العلاقات الوظيفية ، هي العلاقات النحوية الهامة ، والعلاقات غير الوظيفية هي العلاقات النحوية غير الهامة ، وهي مظهر حاسم من مظاهر "التلازم النحوي"(1).

 

 دلالة الجملة العربية :

       وتدخل دلالة تركيب الجملة العربية في إطار " علم دلالة الجملة "* أو" علم الدلالة التركيبي " وهو العلم المعنيّ بمعني الجملة أو العبارة ومفهومها ، وعُرِفَ هذا النوع من دراسة الجملة عند الغربيَّين بعلم الدلالة التركيبي ، أو علم دلالة الجملة ، وظهر هذا العلم عندهم في أثناء  الدراسات  الدلاليَّة  في علم النحو التحويلي  ، ويرى بعضهم بأنه : "دراسة المعنى" أو "العلم الذي يدرس المعنى "أو "ذلك الفرع من علم اللغة الذي يتناول نظرية المعنى "أو " ذلك الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادرا على حمل المعنى "يقول تمام : " والواقع أن علم الدلالة التاريخي يدرس تغير المعنى من عصر إلى عصر ، وأن علم الدلالة الوصفي يدرس المعنى في مرحلة معينة من مراحل تاريخ اللغة "(1).

       ويؤكد يحيى عبابنة أن المفردة لا تستخدم مستقلة عن المفردات الأخرى ، في التركيب اللغوي  وأنها تخضع في علاقتها مع المفردات الأخرى لعلاقات منظمة ، فالجملة ليست مجموعة من المفردات المصفوفة واحدة بعد أخرى فقط ، بل أنها تخضع في تركيبها لقوانين معينة(2).

       ودعت طائفة من  النحويين المحدثين إلى توظيف علم النحو توظيفاً عمليّاً معاصراً ، يعتمد على " علم الدلالة " ، وما يصدر عنه من أغراض تواصليَّة في المجتمع ؛ نظراً لارتباط المعنى بالتركيب ، أو بعبارة أخرى : ارتباط "علم الدلالة" بعلم النحو ، وهي دعوة سبق إليها عبد القاهر الجرجاني ، حين درس فكرة نظم الكلام وعلاقته بالمعنى .

        ورأى بعض النحويين المحدثين ، أن ابتعاد النحو عن الدلالة في بعض الأحيان ، قد ترك شرخاً ظاهراً نفذ منه خصوم "العربية" ، للطعن في قيمة النحو العربي حديثاً ، ويرجع السبب في ذلك إلى ما يسمى ب"صنعة النحو" ، ذلك أن بعض النحويين كانوا يصنعون القواعد .

       وعالج علماء العربيّة اللغة في ضوء دلالاتها ، ووضعوا الأمثلة التي تتضمن المعنى ، وتتفِق مع أسس اللغة وقواعدها ، اللهم إلا طائفة من الأمثلة التي تخرج عن هذه  القواعد ، فتخرج نتيجة ذلك من الصحيح والفصيح(3) .

 

        يقول حماسة أنه : " ليس من حق النحوي أن يرتجل أو يختلق ، ما يراه مناسباً ، بل عليه  فحسب أن يدرس اللغة كما يسمعها ، ويضع القواعد مستخلصة من هذا الذي يسمعه ، ويسجله إن كان يدرس لغة معاصرة ، أو من الذي يقرؤه ، إن كان يدرس لغة مكتوبة ، شريطة أن يجتهد في قراءته ، بحيث تكون أقرب إلى الصورة التي كان ينطقها بها أهلها ، وإن كان من حقه - بطبيعة الحال - أن يبتكر من الوسائل ، ما يراه معيّناً له في دراسته للجملة بوصفها نسيجاً متشابكا ذا علاقات محكمة يحتاج إلى تحليل أجزائه من أجل فهم بنائه ، وبوصفها أيضاً خلية حية من جسم اللغة المدروسة تكمن فيها خصائصها " (4).

       ولفظة الجملة من حيث هي مصطلح ، لا ترد قائمة بنفسها وإنما ترد في مظانها ، من الخبر والصفة والحال والموصول والقسم والشرط ، ونحوها ، فنقول جملة الشرط ، وجملة القسم ... فذاك الحال من سيبويه إلى المتأخرين(1) .

ويبدو لنا أن طبيعة العلاقة بين الكلام والجملة  ستكون واضحة تماماً ، بعد أن نفرغ  من دراستنا لهذا الفصل .

       ومن يتصفح كتاب سيبويه يتبين له أن هذا الشيخ لم يستعمل اصطلاح " الجملة " في كتابه على نحو ما هو شائع في عصرنا ، ولم يخصُّ " الكلام " بتعريف مستقل ، إلا أنه استعمل اصطلاح  " الكلام " في مواضع متعددة  من كتابه ، ويريد بذلك " الجملة " وحين نمضي في سبيلنا ، نجد أنَّ طائفة من النحويين اللذين جاءوا بعده ، قد نظروا إلى اصطلاحي “الكلام” و “الجملة” على أنّهما مترادفان ، وأنه يقصد بكل واحد منهما ما يقصد بالآخر ، دون إشارة إلى تعميم أو تخصيص , وحين يظلُّنا عصر عبد القاهر الجرجاني نرى أنه يقول في كتابه " الجمل " : “ اعلم أنّ الواحد من الاسم والفعل والحرف يسمّى كلمة ، فإذا ائتلف منها اثنان فأفادا ، نحو” خرج زيد” ، سمى كلاماً  وسمّى جملة “ (2)وهذا يعني أن هذا العالم اللغوي يُسَوِّي بين الاصطلاحين ، فالكلام عنده جملة .

كما أن نحويي الكوفة لم يأخذوا باصطلاح " الجملة " ، وإنما تابعوا سيبويه في كتابه ، فاختاروا اصطلاح الكلام .

     وقال ابن مالك : " والكلام ما تضمَّن من الكلم إسناداً مفيداً مقصوداً لذاته "(3) , وحسم ابن هشام الأنصاري القول في هذه المسألة ، حين فرَّق بين مفهومي "الجملة" و"الكلام"

تفريقاً ظاهراً ، فالكلام عنده شيء ، والجملة شيء آخر مختلف تماماً ، ، فقد حد "الكلام" بأنه :  “ القول المفيد بالقصد ، والمراد بالمفيد ما دل على معنى يحسن السكوت عليه ...”   وحد الجملة حداً آخر مختلفاً حين قال : “ ... والجملة عبارة عن الفعل وفاعله ، كقام زيد ، والمبتدأ وخبره كزيد قائم ، وما كان بمنزلة أحدهما ، نحو : ضُرب اللص ، وأقائم الزيدان ، وكان زيد قائماً  وظننته قائما ً، وبهذا يظهر لك أنهما ليسا بمترادفين كما يتوهم كثير من الناس وهو ظاهر قول صاحب المفصّل ، فإنه بعد أن فرغ من حدّ الكلام ، قال : ويسمى جملة والصواب أنها أعم منه” (4).

 

        وبهذا يتبين لنا أنّ الكلام عند ابن هشام الأنصاري أخصُّ من الجملة ، وأن الجملة أعمّ منه ، وهو بهذا يتفق مع العالمين الجليلين : الزمخشري والرضي ، يدلّ على ما نذهب إليه قوله : "... ألا ترى أنَّ (إن قامَ زيدٌ) من قولك : (إنْ قامَ زيدٌ قامَ عمرو) يسمّى "جملة" ، ولا يسمّى "كلاماً"  لأنّه لا يحسن السكوت عليه .

       وعلى هذا ، فإن بنية الجملة ، هي أصغر وحدة تركيبية تستقل بمعنى مُفْهِمٍ ، فهي النواة ، أو هي الجملة الصغرى ، عند ابن هشام ، وتتألف من المسند والمسند إليه ، حقيقة أو تقديراً ،  فهما أصل " الكلام" الذي يستقلّ بمعنى يفهمه المتلقي ، أو هو الكلام  الذي يُسْمَعُ فيفهم .(1)

       وما ينبغي لنا أن نذكره - هنا- أن لفظ  " الجملة " قد استعمل منذ أن نشأ النحو العربي  وتحدّد مفهومه في القرن الرابع الهـجري ، وبات اصطلاحاً نحوياً ذا مفهومٍ محدَّدٍ ، فقد استعمل شرح السيرافي على كتاب سيبويه ، وفي كتاب المرتجل لابن الخشاب على كتاب الجمل لعبد القاهر الجرجاني ، واستقر مفهوم اصطلاح " الجملة " وتميز عن  مفهوم اصطلاح " الكلام " ، وتردَّد الاصطلاحان في علم النحو العربي ، يسوى بينهما بعض النحاة ، ويفرق بينهما آخرون(2) .                                   

- مفهوم الجملة :

        لا شكَّ في أنَّ وضوح النّص وفهمه واستيعاب معانيه ، يتوقف على مدى وضوح الجُمَلِ التي يتكون منها هذا النصّ ، وفهمها ، واستيعاب معانيها ، ذلك أن الجملة هي وحدة التحليل اللغوي ، وغنيٌّ عن القول ، أن نؤكد أن وضوح الجمل و فهمها ، يؤدي إلى القدرة على تحقيق الربط بين الكلمة وأختها ، وعلى وصل كل كلمة بعمدتها في الجملة ، فالمبتدأ هو عمدة الجملة الاسمية ، والفعل هو عمدة الجملة الفعلية .

      ولا بد من الأخذ  بالاعتبار فكرة التلازم النحوي بين بعض المتلازمات النحوية ، التي تقع فيها الكلمات المتعددة تركيباً في موقع الكلمة الواحدة في الدلالة ، ثم إنَّ الربط فيما بين الجمل الواردة في النص ، والجملة الأم أو الأصلية ، من شأنه أن يحدد النسيج النصي ، أو ما يسمونه بالسبك(3).

 

 

أولاً : الجملة لغة :

       والجملة في اللغة من قولهم : الجَمَلُ والجَمْلُ - بفتح المِيم وُسكونها - وفي قراءَة أبي السَّمَّالِ  : " حَتَّى يَلِجَ الجَمْلُ " بسكُون الميم - وهو ذَكَرُ الإبِل ، وقال الفَرّاء : زَوجُ الناقةِ(1).

ولفظ " جَمَلَ " له أصلان :

أولهما : تَجَمُّعُ الخَلْقِ وعِظَمُهُ ، كقولك : أجملتُ الشيء  وهذه جملة الشيء ، وأجملته : حصَّلته  قال تعالى : “ وقال الَّذين كفروا لولا نُزّل عليهِ القُرءانُ جُملةً واحدةً “(2) , ويجوز أن يكون الجَمل من هذا ؛ لعظم خلقه . والآخر : حسن .

       والجملة واحد الجُمل ، و(أَجْمَل) الحساب رده إلى الجملة ، وحساب (الجُمِّل) بتضعيف الميم وفتحها : هو حساب الحروف الهجائيَّة المجموعة  في "أبجد" ويسمى أيضاً حساب الأبجديَّة (3) .

       و(الجُمَّل) أيضاً حبل السفينة الذي يقال له القلس وهو حبال مجموعة  ، والجامِلُ : القَطِيعُ منها أي مِن الإِبل برُعاتِه وأَربابهِ كالباقِر والكالِب (4).

ثانياً : الجملة  اصطلاحاً :

       والجملة في اصطلاح النحويين تتداخل مع اصطلاح " الكلام " ، فيذهب بعض النحويين إلى أنهما مترادفان ، ومتفقان في المدلول وعبّروا  عن اصطلاح " الجملة "  باصطلاح " الكلام "  ويذهب البعض الآخر إلى أنهما يختلفان في المدلول ، وقد ذكرنا هذه المسألة أنفاً .

        وقال أبو علي الفارسي في المسائل العسكريّات : عرَّف النحاة الجملة بأنها : " ما تألف من مسند ومسند إليه ، والإسناد معناه : ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى ، بحيث يفيد الحكم أن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى ، أو منفي عنه "(5) .

ثم قال : " باب ما إذا ائتلفَ من هذه الكلم الثلاث كان كلاماً مستقلاً  ، فالاسم يأتلف مع الاسم فيكون كلاماً مفيداً كقولنا عمرو أخوك ، وبشرٌ صاحبكَ ، ويأتلف الفعل مع الاسم ، فيكون ذلك كقولنا : كتب عبد الله وسُرَّ بكرٌ "(6).

        وينبئ هذا التعريف  عن أنَّ هذا الإسناد الذي يقصده النحاة ، وأطلقوا عليه اصطلاحَ الجملة   يقوم أساساً على المسند والمسند إليه ،وهما الركنان الأساسيَّان اللذان يقوم عليهما مفهوم الجملة.

        فعرف علم النحو بذلك مفهومي : الإسناد  والإفادة ، وأصبحت الجملة عند النحويين مكونة من : مسند ومسند إليه ، فتلازم اللفظان جميعاً وتعاونا لعرض تركيب الجملة العربية.

     وهذا يعني أن الجملة العربية عندنا ينبغي أن تتركّب من هذين اللفظين ، إذ  يمثّل أولهما الموضوع الذي يطرحهُ المتكلّم ، ويمثّل الثاني كلام المتكلِم في هذا الموضوع ، وحديثهُ عنه ، أي المعنى واللفظ جميعاً  ، فالجملة : " مُركَّب كلاميٌّ مفتوحٌ من طَرَفيه ، نواتهُ الإسناد ، مرتبط بما يَسْبِقه من السلسلة الكلامية ، أو مرتبط بما يليه ، أو مرتبط بما يسبقه وبما يليه في آن ، ارتباطاً تركيبياً ..."(1).

        ويوضح هذا التعريف "الرابط" الذي يربط بين المفهومين اللغوي والاصطلاحي ، الذي يفيد معنى الجمع والحسن والجمال ، وذهبت طائفة من النحويينَ إلى أنَّ الجملةُ تعني : " اللفظ المفيدُ فائدةً يَحْسُنُ السكوت عليها ، وبذا تكون عند من قال بهذا رديفاً لمصطلح الكلام ، حيث إن هذا هو التعريفُ الذي يرتضيه جلُّ النحاة حداً للكلام "(2).

وعلى هذا يكون الكلام عند هذا الفريق من النحاة رديفاً للجملة وليس رديفا ًلها "  وقد خرج على هذا عددٌ من النحاة ، من القدماء والمحدثين  مقرين أنَّ الجملة هي الإطار الكلي الكبير الذي إن قُيّدَ أصبح كلاماً ، فالكلام عندهم أخصُّ من الجملة ، وليس رديفاً لها (3).

      وثمة تعريف آخر ينصُّ على أنَّ الجملة إنما هي وسيلة لتناقل الأفكار ، وأداة للتفاهم بين الناس وعلى هذا ، فإن الجملة تعني " الصورة اللفظيَّة الصغرى للكلام المفيد في أية لغة من اللغات   وهي المركب الذي يبين المتكلم به ، أنَّ صورة ذهنيَّة كانت قد تألفت أجزاؤها في ذهنه ، ثم هي الوسيلة التي تنقل ما جال في ذهن المتكلم للسامع "(4) .

-         مفهوم العنصر النحوي :

     العنصر النحوي : هو الوحدة التي لا تتجزأ عندما تتحرك في الجملة ، فجملة : ( قرأ زيدٌ الكتابَ) تتكوّن من ثلاثة عناصر؛ لأنّ العنصر(قرأ) لا يتجزأ ، ولا يمكن أن يتحرك وحده ، وكذلك العنصر( زيد ) ، والعنصر ( الكتاب ) ، فلا  يمكن فصل أل التعريف عن المفعول به (الكتاب) . ولهذا  فإن  ما يتحرّك وحده يعدُّ عنصراً نحوياً واحداً ، مهما تعدّدت كلماته المعجميّة ، فجملة (مال إلا آل أحمد شيعةٌ) في قول الكمّيت :

وما ليَ إلاّ آلَ أحمدَ شيعةٌ          وما ليَ إلاّ مذهبَ الحقّ مذهبُ

      الأصل في التركيب أن يقال : [ ماليَ شيعةٌ إلاّ آل أحمد ]، ولكنّ الشاعر قدّم المستثنى بإلاّ ، وهو : [ آل أحمد ] فوجب النصب . وذلك أنّ المستثنى إذا تقدّم على المستثنى منه  ، وجب النصب ، وامتنع ما عداه .

      كما يمتنع فيها فصل حرف الاستثناء عن المستثنى ، مع بقاء الوظيفة الإعرابية له ، ولهذا يعدَّان معاً عنصراً نحوياً واحداً ، يتحركان معاً تقديماً وتأخيراً .

ويمكن اختبار صحّة هذا القول بترتيب عناصر الجملة ، وفق الاحتمالات المقبولة نحوياً ،    إذ سنجد أنَّ جميع الاحتمالات ، تحافظ على وحدة حرف الاستثناء مع المستثنى في وظيفته الإعرابية . ويرد العنصر النحوي في الجملة العربية على شكلين :

أولهما : البسيط : وهو ما كان من كلمة واحدة ، كالمفعول المطلق .

ب) والثاني : المركب ، وهو ما كان من كلمتين متلازمتين أو أكثر ، كالجار والمجرور ، وأداة النداء المقرونة بالمنادى ، وواو المعية المقرونة بالمفعول معه ، وحرف الاستثناء والمستثنى المنصوب ، وواو الحال والحال ، وحرف الاستقبال والفعل ، وما شاكل ذلك(1) .

      ويتبين لنا أنَّ هذا العنصر المركب ، يشمل أبواب التلازم كلها ، ذلك أنَّ الكلمتين اللتين ترتبط إحداهما بالأخرى وتتحد معها ، لا تقبلان الانفكاك والتفلُّت ، ويبقى التلازم بينهما ماثلاً ، فهما متلازمتان على التأبيد ، وتربط  بينهما قرينة التلازم والالتحام .

      وقد عرض عبد القاهر الجرجاني مسألة " تعليق الكلم" ، ونظر إلى هذا التعليق على أنَّه جوهر النظم حين قال  :” معلوم أنّ ليس النظم  سوى تعليق الكلم بعضها ببعض ، وجعل بعضها بسبب من بعض “(2).

        ونصَّ على أنّ هذا التّعلق ذو طرق ومسالك ، وجعلها ثلاثة : تعلّق اسم باسم ، وتعلّق اسم بفعل وتعلّق حرف بهما ، فذكر جوانب تعلّق الاسم بالاسم ، وهي أحد عشر جانباً ، فقال : “ فالاسم يتعلَّق بالاسم بأن يكون خبراً عنه أو حالاً منه ، أو تابعاً له : صفة أو تأكيداً أو عطف بيان أو بدلاً  أو عطفاً بحرف ، أو بأن يكون الأول مضافاً إلى الثاني ، أو بأنَّ يكون الأوَّل يعمل في الثاني عمل الفعل ، ويكون الثاني في حكم الفاعل له أو المفعول ، وذلك في اسم الفاعل ، كقوله تعالى : يَقُولُونَ " رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا " واسم المفعول ، كقوله تعالى : " ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ "(1) (2) والصفة المشبَّهة ، كقولنا : زيد حسن وجهه ، والمصدر ، كقوله تعالى : ( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) (3)أو بأن يكون تمييزاً ، قد جلاه منتصباً عن تمام الاسم “ .

        وذكر عشرة جوانب لتعلّق الاسم بالفعل ، وأمَّا تعلُّق الاسم بالفعل : فَبِأَنْ يكون فاعلاً له ، أو مفعولاً مطلقاَ ، أو مفعولاً به كقولك : ضربت زيداً ، أو ظرفاً مفعولاً فيه : زماناً أو مكاناً كقولك  خرجت يوم الجمعة ، أو مفعولاً معه ، كقولنا : جاء البرد والطيالسة ، أو مفعولاً له ، كقوله تعالى : " وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ "(4) .

       أو بأن يكون منزلاً من الفعل منزلة المفعول ، وذلك في : خبر كان وأخواتها ، والحال  والتَّمييز المنتصب عن تمام الكلام ، مثل : طاب زيدٌ نفساً ، وحَسُن وجهاً ، وكرم أصلاً .

      ومثله الاسم المنتصب على الاستثناء ، كقولك : جاءني القوم إلا زيداً ؛ لأنَّه من قبيل ما ينتصب عن تمام الكلام .

ووزع الحرف المُتَعلَّقَ على ثلاثة أضرب :

أولها : أن يتوسّط هذا الحرف بين الفعل والاسم على شاكلة : حرف الجر ، والواو التي للمعيَّة  و إلّا التي للاستثناء .

وثانيها : أن يقع هذا الحرف بين كلمتين ؛لإشراك الثاني  في عمل الأول ، وهو ما يتعلق به العطف . والثالث : و يكون هذا التعلّق بتركيب الجملة نفسها ، كتعلّق حرف النفي ، وتعلق أداة الاستفهام والشّرط  والجزاء ، بما تدخل عليه (5).

         ويبدو لنا أن جوانب التّعلُّق الّتي ذكرها عبد القاهر تستوعب موضوعات النحو كلها ، يقول إبراهيم عبادة(6) :"أن جوانب التّعلُّق الّتي ذكرها هي كل أبواب النحو،وأنه جعل التّمييز تارة من تعلق الاسم بالاسم، وتارة من تعلّق الاسم بالفعل ، وكذلك الشأن في الحال".

        ويؤيد هذا المذهب ما لفت إليه "محمد عزام" في كتابه "من دلائل الإعجاز" ، حين قال : مختصر كلَّ الأمر : أنَّه لا يكون كلام من جزء واحد ، وأنَّه لابد من مسند ومسند إليه ، وكذلك السَّبيل في كل حرف ، رأيته يدخلُ على  جملة كأنَّ وأخواتها ، ألا  ترى أنَّك إذا قلت “كأنَّ” يقتضي مشبهاً ومشبهاً به كقولك : كأنَّ زيداً الأسد ، وكذلك إذا قلت : لو ولولا ، وجدتهما يقتضيان جملتين تكون الثانية جواباً للأولى .

       فهذه هي الطرقُ والوجوه في تعلَّق الكلم بعضها ببعض ، وهي كما تراها معاني النحو وأحكامه. وكذلك السَّبيل في كل شيء كان له مدخل في صحَّة تعلَّق الكلم بعضها ببعض ، لا ترى شيئاً من ذلك يعدو أن يكون حكماً من أحكام النحو ، ومعنى من معانيه ، ثمَّ إنَّا نرى هذه كلهَّا موجودة في كلام العرب ، ونرى العلم بها مشتركاً بينهم(1) .

        وحين نمعن النظر في هذه الوجوه التي عرضها الجرجاني ، لتعلق الكلم بعضه ببعض ، نجد أنَّ الرجل قد أراد أن يشدُّ النظر إلى وجود فكرة التلازم النحوي ، ورسوخها بين الأبواب النحوية  إذ لا يقع كلام عربي من جزء واحد ، فلابد من وجود مسند ومسند إليه في اللسان العربي .

       على أن فكرة التعلق عند الجرجاني ، إنما تُمثِل  فكرة التلازم النحوي بأبعادها كلها ، وتظهر في الأبواب النحوية نفسها ، وعلى هذا فإننا نستطيع أن نقول : أن العلاقة الوثيقة  بين المتلازمين النحويين ، إنما تعني تعلقاً بين ركني الجملة ، أو تُمثِّلُ وجه من وجوه تَعَلُّق الكلم بعضها ببعض فلا يكون كلام من جزء واحد ، وتبدو وظيفته هذا التلازم من خلال الربط  بين ركني الجملة .

        وصفوة القول ، فإن الجملة العربية تتألف من “الوظائف” التي تؤديها  أنواع الكَلِمِ من الاسم والفعل والحرف ، وتقوم هذه الوظائف النحويَّة على دعامة أصليَّة في الجملة ، وهي التي أطلق عليها سيبويه في كتابه : المسند والمسند إليه ، فهما عندهُ : “ وهما ما لا يستغني واحدٌ منهما عن الآخر ، ولا يجد المتكلّم منه بدّاً ، فمن ذلك الاسمُ المبتدأُ والمبنيُّ عليه “(2)ويطلق سيبويه على “الخبر” المبنى عليه .                             

       على أنَّ التعلُّق لا يقتضي  بالضرورة ، مجاورة الكلمات في بعض العلاقات التي تربط  بين أركان هذا التعلق ، وهو في هذه المسألة يشبه التلازم النحوي ، فالتلازم لا يقتضى بالضرورة مجاورة المتلازمات في الأبواب النحوية .

        والعربية لغة لها أصولها وضوابطها وقوانينها ، ويسمح نظامها اللغوي بألا تتجاور فيها بعض المتلازمات أحياناً ، كالمبتدأ والخبر ، كقولك : الفتاة التي درست ناجحة ، فالمبتدأ "الفتاة" فُصِلَ عن خبره "ناجحة" بفاصل ، وهو الصلة والموصول ، فلم يتجاور المتلازمان ها هنا .

          وكذا واقع المتلازمين : الفعل للفاعل في نقول : يدرسُ في المدرسةِ زيدٌ ، فقد فصل بينهما الجار والمجرور " في المدرسة " ، وأصبحا غير متجاورين ، ومثل هذا الفصل بين ا

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 474 مشاهدة
نشرت فى 3 ديسمبر 2012 بواسطة salehabushareb

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

8,511