أصبح الجميعُ في وجوم فالشمسُ أقفلت على المغيب ولم يطرأ على الموضوع أي تغيير ، فمن لحظةِ الجلوس حتى هذا الوقت ، لم يحصل المراد ، مع العلم انه يجب أن يكون في أول اللحظات .
صعدتْ الشمس من خلف الأفق ، مشرقةً من جديد ،مؤذنة برفقة صيحات الديوكْ بميلاد يومٍ جديد ، ناقلاً إلينا ما كَاَن أهل الحي في انتظاره من شهور، حيث رجوع ابن سيد الحي عظيم وجهاء القرية واكبر مالك لأراضيها ، لم نر منه سوى كل خير ،واليومُ يومُ الفرحةِ سنخطب لابن وجيهَنا .
توقف القطار، وانهَّل عليه سكان القرية يتملصون بأعينه وسط الزحمة، منتظرين من طالت غيبته ، طبيب الحي ابن الغالي،وهي خطواتٌ قليلةٍ حتى كان بيننا الابن الحبيب طبيبنا، وأصيب طبيبنا بعد ذلك بالزكام من شدة التقبيل ، فمن سيعالج الطبيب؟
وانطلق القطار،والأب مودعاً ابنه بدموع الخوف والتأمل ،والابن بين أمرين أحلاهما مُرّ ،فهو عاشق فاطمه إحدى بنات الحّي ،وعاشق للطب والعلم فان اختار احدهما ،كان الأحب بلا شك ، وسيكون مراً لعدم إحتيازه على الآخر ،وخصوصاً أن فاطمة لا تستطع السفر معه في حين تزوج، وهو لن يقدر على تركها وحيدةٌ لسنوات طويلة ، لذلك كان نذرُ أبيه له بأن يزوجه فاطمه في أول يوم يرجع فيه إلى أحضان القرية ، فلعل نصيبه يجعل فاطمه دون زواجٍ ، فيكون له الأمران معاً.
وها هي قريتنا يا قاسم وردة فضية عطشه كما تركتها متعطشة للنحلة التي ستروي عطشها، وبما انك احتضنت قريتنا من جديد ،يجب أن يفي أبوك بنذره ، وتستعيد القرية حيويتها، وتفرح لما أحببت تعجيله، ولم تكن هنا المشكلة، فالمشكلة من سنختار ليكون رئيساً للجاهه ! ما دام سيد القرية ستكون صفته أب للعريس.
فتعددت الآراءُ..........
- فليكن أكبرُنا سناً وجيهاً.
- ولما لا يكون أكثرنا غناً بعد سيد الحّي.
فاختلف الجميع وانقسمَ أهل قريتنا إلى قسمينْ ، قسمٌ مؤيدٌ للرأيِّ الأول ومعارض للرأيِّ الآخر ، والعكس صحيح بالنسبة للقسمِ الآخر.
إلى أن اجتمعَ أهلُ القريةِ على الجمعِ بين الرأيينِ ، حيثُ يكون رئيس الجاهةِ الأكبر سناً من بين الأغنياء، فكان (أبوطراد) مالك للأغنام ولكن كيف وهو قليل الاختلاط للناس، ملازم للنعاج،لكن يجب أن نوحد الفريقين.
فسقنا أبو طراد أمامنا وأدركناه بالحطةِ والعقال والثوب الأبيض الناصع،فثِّيابه الرثةِ وملازمته لها دليلاً على امتنانه لمهنته مع انه قادرٌ على لبس البرنيطة والبذلة الإفرنجية والطربوش المحمر بحمرة الورد.
ولكن قبيل المغرب ، وفي وقت اجتماع الحضور، سُمِحَ لأبي طراد بمدِّ قدمه كونه كبير السن ويا ليته لم يفعل ذلك ، حيث السروال الأبيض الذي انتشل من غبار الصحراء لونَّها فأصبح منتمياً لها باختياره اللون البني لسرواله!
فظهرت نظرات الخوف والاستغراب والوجوم بالإضافة إلى إحراج أبي القاسم
وازداد الوجوم لحظةِ تكريم لرئيس الجاهةِ بفنجان القهوة وكونهم جاءوا للخطبة يفترض عليه وضعه أرضا حسب العادات والتقاليد ولكنه شربه دون أن يسمى عليه فكانت الكارثة ازدادت بعدم تحريكه للفنجان وهذا يعني حسب انه يريد فنجان آخر ماذا فعلت يا أبا طراد لقد أخطأت التصرف وماذا عن عيني أبو القاسم يا للهول فالشمس أقفلت على المغيب ولم يطرأ على الموضوع أي تغير فمن لحظة الجلوس حتى هذا الوقت لم يحصل المراد مع العلم انه يجب أن يكون في أول اللحظات وذهب وقت فتح فرصة أخرى للحديث فكيف سنتصرف لا يوجد حل فكر الجميع فلم يوجد حلا حتى فطن احد الصبيان بالتلميح لأبي طراد بان القهوة فاترة فعادوا القهوجي بصنع واحدة أخرى حتى ملئت البسمة أفواه الحضور بعبقرية صبيهم فما لبث أبو طراد إلا أن أدرك الوضع ولما فعل الصبي ذلك حتى وضع الفنجان وتحدثوا بالخطبة كعادتهم فانتهت الحلقة بالموافقة شاكرين الصبي فعلته وتصرفه بشان فنجان القهوة
النهاية
المصدر: د . صالح محمد أبوشارب
نشرت فى 2 ديسمبر 2012
بواسطة salehabushareb
عدد زيارات الموقع
8,516


ساحة النقاش