الموقع الرسمى الخاص بـ أ/رمضان اسماعيل ريشه

اعرف الاسلام -اعرف نبيك-ارفع راسك انت مسلم

 



تتألَّف الخطبة - من حيث إطارُها العام وهيكلها - من مقدمة وخاتمة، ومن موضوع يربط بين مقدمة الخطبة وخاتمتها، ويكون الموضوع هو حلقة الوصل بينهما، وقد تناولنا عناصر الموضوع، وما ينبغي للخطيب أن يراعيه عند اختياره للموضوع، وسنتكلم فيما يلي بشيءٍ من التفصيل عن مقدمة الخطبة وخاتمتها، وبالله التوفيق.   إن أهمَّ ما ينبغي في الخطبة هو مقدمتها المشتملة على براعة الاستهلال، ثم ما في جعبة الخطيب من الأساليب البيانية واللغوية، ثم وضوح المقصد والمعني بجلاء، ومن خلال جمل قصيرة مؤثرة، وتقسيم الخطبة إلى أقسام واضحة المعالم، ثم موضوعها وهو لُبُّها وزبدتها، ثم خاتمة الخطبة وهو أن تشتمل على فقرات يسهل تذكُّرها أو حفظها بعد أن ينتهي الخطيب من حديثه، وهذه العناصر متداخلة فيما بينها، يبلغ الترابط بينها ذروته وجودته حسب مقدرة الخطيب، وغزارة معلوماته، ومهارته وخبرته، وإليك البيانَ:     - 1 - أولاً: مقدمة الخطبة:
وهي المدخل والمفتاح للموضوع الذي سيختاره الخطيب، وهي عددٌ قليل من الفقرات التي يمكن من خلالها تقديم تلخيص لأهمِّ جوانب الموضوع، بحيث لا تشتِّت فكر المستمع، ولا بُدَّ أن تكون متناسبةً مع مضمون الخطبة، ومقدمة كل خطبة بحسب الموضوع، والهدف من المقدمة هو جلب انتباه الحاضرين إلى ما وراء المقدمة، وللمقدمة الأثر الفعَّال في نجاح الخطيب أو فشله، فإن كانت المقدمة بما حوته من ألفاظٍ ومعانٍ محكمةِ المبنى والمعنى، متينة الأسلوب، قوية التأثير، متضمِّنة للمقصود - كان لها الأثر في تنبيه الحاضرين، وإيقاظ الغافلين، و بها يتمكَّن الخطيب الناجح من أن يملك زمام الأمر، ويأخذ بناصية الموقف، وهي بمثابة "الدينمو" المحرِّك لاستكمال الخطبة بهدوء وسكينة وثقة نفس.   فمَن أراد أن يوفَّق لذلك فعليه مراعاة ما يلي فيها:
أولاً: أن تتضمَّن المقدِّمة ما يسمى عند علماء المعاني في علم البلاغة ببراعة استهلال، وحسن الابتداء، وقوة الافتتاح، وأدنى من ذلك حسن الاستهلال.   براعة الاستهلال: وهي أن يبتدأ الكلام بما يناسب المقصود والمضمون، وهي تقع في بداية الكلام وديباجته، والخطب تبدأ عادة بحمد الله، والصلاة على رسوله - صلى الله عليه وسلم[1] - ثم الإشارة إلى الموضوع، ثم بخطابات عامَّة... وهكذا: "ولبراعة الاستهلال أثرها في تدعيم موقف الخطيب، وغرس الثقة في نفسه، ليتابع طرح موضوع خطبته بكمال القوة والثبات"[2]، فإذا ما فاجأ الخطيب المستمعين ببراعة التقديم، استطاع متابعة حديثة بنشوة، وثقة عالية، وقد اهتم القرآن الكريم بهذا الأسلوب في مطالع السور، وبداياتها، وتأمل قوله - تعالى -: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [النازعات: 15]، "ففي استفتاح قصة موسى - عليه السلام - بهذا السؤال الذي فيه تشويقٌ، وإثارةٌ لذهن السامع   براعة استهلال"[3]، مع قِصَر الجملة، وقوة المعنى، وفيه فائدة في طرح القضية على صورة الاستفسار، أو السؤال، وقد سلك عامَّةُ العلماء والأدباء هذا الأسلوب في مؤلَّفاتهم وأدبياتهم، وذلك بوضع مقدِّمة أدبية بين يدي الموضوع.   ولكن يجب أن يراعى في براعة الاستهلال ما يلي:
1- أن تتضمَّن الأساليب اللغوية والأدبية الواضحة السهلة، والابتعاد عن الألفاظ المعقَّدة والمبهمة[4]، التي يغيب فهمها عن العوام، وكذا تجنُّب الألفاظ العامية؛ لأنها تعطي انطباعًا لدى الجمهور على سطحية الفهم لدى الخطيب، وعدم النضوج لديه، ولا بأس أحيانًا من استخدام عبارات جديدة؛ من أجل أن تحقِّق انسجامًا بين الخطيب والمستمع، ولكنَّ استعمالها يجب أن يكون بحذرٍ ودقَّة، وخاصَّة تلك التي تحتمل حقًّا وباطلاً؛ لأنها في بداية الخطبة ومفتاح الدخول للجمهور.    2- التنوُّع والتجديد في طريقة تناول الموضوع، وأسلوب الاستهلال، والابتعاد عن التكرار في مقدمة الخطبة؛ حتى لا تكون كأنها نسخة مكرَّرة "وبعض الخطباء يستهلُّ خطبته دائمًا بألفاظ معينة يلتزم بها في كل خطبة، حتى أصبحت محفوظة مكرَّرة لدى المصلِّين، تدعو إلى الملل والسأم"[5].   3- عند تلاوة الآيات ينبغي عدم عرضها بصورة نصِّيَّة أكاديمية، بل لا بُدَّ من توضيح المعنى من خلال الإلقاء - يعتمد على حسن الإلقاء عند الخطيب - أو استخراج فوائدها ولو بشكل مختصر، كأن يقول الخطيب: "الحمد الذي جعل تقواه سببًا للفرج، ونزول الرزق، وحلول البركة؛ قال - تعالى -: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2].   من روائع براعة الاستهلال ما نُقِل عن الإمام أحمد بن حنبل - نوَّر الله ضريحه - في ديباجة خطبته في الرَّدِّ على الجهمية حيث قال: "الحمد لله الذي جعل في كل زمانٍ فترةً من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون مَن ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيَوْه! وكم من ضالٍّ تائهٍ قد هَدَوه! فما أحسن أثرَهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم!... الخ"[6].   ثانيًا: مراعاة الوقت: وهي من الأخطاء التي يقع فيها بعض الخطباء، فترى أحدهم يطيل المقدمة، وربما تفصيل ما تحدث عنه في موضوع الخطبة السابقة، فلا يدخل في صلب الموضوع إلا بعد أن تكون الأسماع قد سَئِمَتْ من الإصغاء إليه، ولسان حال المستمع يقول: أعطنا زبدة الموضوع، وأَرِحنا بالمقصود يرحمك الله؛ ولهذا يراعى في المقدمة "أن تكون مناسبة في الطول والقصر لزمن الخطبة، فالمقدمة تُعَادِل من 8:5% من زمن الخطبة؛ لأن الافتتاح يعني: لفت انتباه السامعين في القصد من الخطبة"[7]، والأفضل أن تكون المقدمة هي عُشْر الموضوع، فإذا تجاوزت الربع إلى النصف فقد تجاوز الحد المطلوب.   ثالثًا: التنبيه على موضوع الخطبة سلفًا: وهو ممَّا يريح المستمع من الاستنتاج، ويجعله وعاء وأرضًا خصبة لتلقِّي المعلومة، والأفضل أن يبدأ الخطيب بطرح الموضوع على شكل نقاط، أو مَحَاوِر، فيقول مثلاً: كلامنا يدور حول أهمية الصلاة في الإسلام في ثلاث مسائل: هي كذا...، أو يقول: خطبتنا اليوم هي حول العِبَر والعظات المستقاة من حادثة الإسراء والمعراج، أو يفهم الناس من مقدمة الخطبة بأن موضوعها هو كذا، كأن يقول: الحمد لله الذي جعل الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين...   رابعًا: من المفيد للخطيب أن يبدأ خطبته بما يجلب انتباه السامعين، من حادثة صادفها، أو قصة قرأها، أو خاطر انقدح في نفسه[8]، وأن يكون الخطيب صاحب مهارة في تصيُّد المناسبات للتوجيه التربوي، وينوِّع في إيراد الحدث والمناسبة، كأن يقول: قرأتُ اليوم في الأخبار حدثًا أقلق مضجعي، وأثار اهتمامي...، أو يقول: في مثل هذا اليوم حدث أمر مهم جَلَل، وخَطْبٌ جسيم، لا زلنا نعاني آثاره إلى اليوم... ونحو ذلك، ثم يمضي بعدها مسترسلاً في وعظه، ويقرن بين التبشير والإنذار، ويتخيَّر من الحوادث ما يكون محورًا لوعظه، ويخرج بعد العرض بحلٍّ لما استجدَّ من حوادث، وما يحلُّ بالمسلمين من بلاءٍ وضيق، ويذكِّرهم دائمًا بأن المخرج والنجاة من الوضع الراهن هو طاعة الله ورسوله.   خامسًا: مراعاة ما يسمَّى بهندسة الصوت، وأن تكون نبرات الصوت ملائمةً للحدث، والموقف، والحال، ففي مقدمة الخطبة يستوجب من الخطيب أن يبدأها بقراءة كالقراءة والتجويد تمامًا، فإذا وصل إلى موضوع الخطبة رفع من صوته، وما بين مقدمة الخطبة وخاتمتها يكون صوته كالرسم البياني، يرفع ويخفض بحسب ما يلائم الموضوع، ومن الأخطاء في هذا الجانب أن يبدأ بعض الخطباء بصوت مرتفع، فلا يَصِل إلى الموضوع إلاَّ وهو متعبٌ منهك القوى، فيفقد كثيرًا من قدراته الصوتية[9].   سادسًا: وبالنسبة لموضوع الخطبة يستحسن إذا كان الموضوع شائكًا، أو حسَّاسًا، أو تكلَّم به في مكان آخر فأوجب الانقسام عدم الدخول إليه مباشرة، أو التصريح به في المقدمة؛ بل لا بُدَّ من التدرُّج والتسلسل العقلي المنطقي؛ حتى يصل إلى مطلوبه ومبتغاه، وهنا يعتمد على مهارة الخطيب وقدرته على معالجة المشكلة، بما يملكه من علم وحكمة: "وجملة الأمر: أن المَطْلَع هو أول ما يستأذن على السمع من الكلام، فإن كان حسنًا، رائقًا ظريفًا، مناسبًا للموضوع، أذن له السمع، وتطلَّعت إلي ما يورده الخطيب بعده، وحثَّها على الشوق إلى الآتي بإضافته إلى الماضي، وهذا سرُّ حسنِ الافتتاح"[10].   نماذج من مقدمات لخطب منبرية:
1- "إعداد النشء ليكونوا رجالاً: الحمد لله الذي خلقنا وسوَّانا، وعلى موائد برِّه وكرمه ربَّانا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أدَّبه ربه فأحسن تأديبه، وأثنى عليه بقوله - جل ثناؤه -: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وعلى آله وصحبه الذين صلحت قلوبهم، وتهذَّبت أخلاقهم، فدانت لهم مشارق الأرض ومغاربها، وكانوا هم من الفائزين الغالبين.
وبعد، فإنَّا سنتحدث إليكم في موضوع له شأنه وخطره في حياتنا الاجتماعية، ألا وهو إعداد النشء ليكونوا رجالاً كاملين ناهضين..."[11].   2- "المحافظة على الصلاة والخشوع فيها: الحمد لله الذي أنزل الشريعة هدًى للناس ورحمةً، وجعلها طريقًا واضحًا إلى سعادة الدارين، والشكر له - تعالى - هدانا للإسلام، وفضَّلنا على جميع الأمم، وأشهد أن لا إله إلا الله أعز الطائعين، وأشهد أن سيدنا محمد أفضل المصلين، وإمام الخاشعين، اللهم صلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، والحافظين لحدود الله.
أما بعد، فقد قال - تعالى -: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاًتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1- 2]، عباد الله..."[12].     - 2 - ثانيًا: خاتمة الخطبة:
وهي آخر ما ينهي الخطيب خطبته، ويختم كلامه، ويتحقَّق به تمام الموضوع[13] وكماله، ويسمَّى ذلك "حسن الانتهاء"، كما أن براعة الاستهلال تسمَّى حسن المطلع "وكما يجب التألُّق في المطلع، تجب البراعة في المقطع؛ إذ هو الأثر الباقي في نفوس المستمعين بعد الإتمام، وآخر ما يتردَّد صداه في قلوبهم، وبه تتمُّ الفائدة"[14].   أهمية الخاتمة:
للخاتمة الأثر في بقاء قوة الخطبة في أذهان المستمعين؛ لأنها آخر جزء منها، وهي آخر ما ينساه المستمع من حديث الخطيب؛ والسبب أن المستمع يركِّز على مقدمة الخطبة وخاتمتها، أما في وسطها وما يتعلَّق بموضوع الخطبة، فربما أصيب المستمع بقلة التركيز، وشرود الذهن، فوجب على الخطيب الاهتمام بالخاتمة، وأن تكون في غاية الوضوح، والتأثير، والجمال والروعة.   أسلوب القرآن الكريم في خواتيم السور:
ولنا في كتاب الله أسوة حسنة، فالمتأمِّل في خواتيم السور يجد أن القرآن اهتمَّ بخواتيم السور، فهي في غاية الروعة والبلاغة والبيان كبداياتها، حتى إن المرء ليحار أيُّهما أجمل وأروع بلاغة، وبيانًا، وأسلوبًا، فقد جاءَت خواتيم السور "متضمنة للمعاني البديعة، مع إيذان السامع بانتهاء الكلام؛ حتى لا يبقى معه للنفوس من تشوُّف إلى ما يذكر بعدُ؛ لأنها بين أدعية ووصايا، وفرائض، وتحميد وتمجيد، وتهليل، ومواعظ، ووعيد ووعد، وما إلى ذلك كالدعاء الذي اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة، والوصايا التي ختمت بها سورة آل عمران؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]"[15].   فائدة حسن الختام في الخطب:
1- فمن فوائد حسن الانتهاء والختام أن يتمَّ بذلك إقناعُ المدعوِّين، وتبصيرهم وتنويرهم، وهو إنَّما يتمُّ بإجمال ما ذكر من الموضوع، واختصار ما ذكر بأحسن لفظ، وأوجز بيان وأخصره، ولو جعلت الخطبة مبتورةً عن خاتمتها لفات ذلك المقصد العظيم، مع ما يترتَّب عليه من سلبيات، ومخالفة السنة.
2- تقوية الرغبة، وشحذ الهمَّة من جديد، بما أوصى به الخطيب من وصايا في موضوع الخطبة، وهو يتطلَّب بذل الوسع في إلهاب الحماس، وتحريك العواطف، بنفس الاندفاع والإثارة في بداية الخطبة الأولى؛ لئلاَّ تذهب حلاوة الموضوع وحرارته من نفوس السامعين، وليس من السُّنَّة أن تكون الخطبة الثانية مقتصرةً على الدعاء خالية من الوعظ، بل "ينبغي أن يكون لها صلة بالخطبة الأولى، أو فيها استكمال للنقاط التي طرحت فيها، أو استكمال للموضوع بنقاط وأفكار جديدة"[16].   ولذا يتطلب في خاتمة الخطب ما يلي:
1- أن تكون ملخصًا لما جاء في موضوع الخطبة؛ ليخرج السامع وقد وضحت الفكرة لديه، وتبيَّن المطلوب عنده، ولكن يُرَاعَى في التلخيص أهمُّ ما جاء فيها من بيانات، ويظهرها في "صورة جديدة وأسلوب رشيق؛ لئلا تذهب حلاوتها، وحتى لا تكون إعادة أدلَّتها من باب التكرار المُمِلِّ المعيب"[17]، وهو مما يملُّه السامعون عادة، ولا ينبغي للخاتمة أن تحتوى على أفكارٍ وأطروحات جديدة تخالف مضمون الخطبة الأولى؛ لأنها حينئذ ليست بخاتمة، بل إنشاء جديد، وهو من شأنه أن يؤدِّيَ إلى ضياع الفكرة وتشتت الذهن.   2- أن تكون قصيرةً بالنسبة لزمن الخطبة الأولى، ولأن الخاتمة تتضمَّن أمورًا منها: التلخيص، والوصية، وعبارة الختام، والدعاء لولاة الأمر، ولعموم المسلمين، وجعلها أطول من الأولى يفقد الخطبة حلاوتها وتأثيرها بالمرَّة، حتى ولو كانت الخطبة الأولى في غاية البيان.   3- أن تكون في منتهى الوضوح والقوة؛ لأن الخلل أو الزلل يُربِك الخطيب ويضيع جهوده، ويؤدي إلى نسيان موضوع الخطبة بالمرة.   4- إن كان موضوع الخطبة مجزَّئًا إلى أجزاء، فيمكن للخطيب بما لديه من مهاراتٍ أن يلخِّصَ في الخطبة الثانية ما في القصة من عِبَر وعظات إلى نقاط، ويَعِدَ الجمهور بتكملة الموضوع في الجمعة القادمة، كأن يقول: وللحديث صلةٌ أو بقية؛ ليبقى المستمع على تشوُّق وترقُّب للموضوع، أو القصة.   5- يمكن للخطيب أن يهيِّئ الجمهور للخاتمة بعباراتٍ يفهم منها أنها - أي: الخطبة - على وَشْك الانتهاء والختام، وهو ما يسمَّى بالنغمة المتغيِّرة، وهو ما يعطي تأكيدًا لفظيًّا للمستمع، ويريحه من الانتظار.   وختامه مسك:
للخطباء عبارات في الدعاء والوصية في ختام الخطب، يتفننون بها بأسلوب أدبي رائع، فيعرف الناس أنهم قد شارفوا على الانتهاء من حديثهم، وقد كان الخليفة الراشد أبو بكر إذا تكلَّم به عُرِف أنه قد فرغ من خطبته: "اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك"، أمَّا عمر بن الخطاب فكان أكثر خواتيم خطبه: "اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني على غِرَّة، ولا تجعلني من الغافلين"، وكما كان الخليفة عبد الملك بن مروان يقول في آخر خطبته: "اللهم إن ذنوبي قد عظمت، وجلَّت أن تحصى، وهي صغيرةٌ في جنب عفوك، فاعفُ عني"[18].   نموذج من خطبة منبرية رائعة[19]: موضوعها (كفى بالموت واعظًا):
الخطبة الأولى المتضمِّنة براعة الاستهلال وشيء من مقدمتها:
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله، كتب على خلقه الموت والفناء، وتفرَّد - سبحانه - بالحياة والبقاء، الكلُّ يفنى ويموت، وسبحانه يحيي ويميت، وهو الحي الذي لا يموت؛ {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 2- 3]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا وكتب علينا الموتَ وجعله سبيلاً للقائه؛ {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8]، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، قال له ربه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 30- 31]، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وآل بيته الكرام، ومَنْ سار على نهجه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.   وبعدُ:
أيُّها الأحبة في الله، بينما أنا أقلِّب أوراقي وكتبي لأتخيَّر موضوعًا لخطبة هذه الجمعة، وقعت عيني على عبارة اهتزَّ لها قلبي، وتألَّمت لها نفسي وهي: (كفى بالموت واعظًا) فجعلتُها موضوعًا لخطبة اليوم؛ وذلك لأنَّنا نوقن بالموت ولا نعتبر، ونعيشه كلَّ يوم ولا نتَّعظ، فما زال بيننا مَنْ لم يجهِّز نفسه للقاء الله، ويعيش في الدنيا كأنَّه لا يموت، فنسمع من يسُبُّ الدين، بل ربما يتجرَّأ على شرع الله مُدَّعيًا ومفتريًا عدم صلاحيته لسير الحياة، ولسان حاله يقول: نحن أعلم بما يصلحنا، ولسنا في حاجة إلى شرع الله، والله - تعالى - يقول: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21]، ومِن بيننا مَن يترك الصلاة، ويمنع الزكاة، ويتساهل في الصيام، ولا يحدِّث نفسه بحجِّ بيت الله الحرام، ومنَّا مَن يعقُّ والدَيه، ويسيءُ الجوار، ويقطع الأرحام، ويأكل الرِّبَا، بل يستحلُّه بعدما حرَّمه الله، ويأخذ الرِّشوة، ويتعاطى المخدِّرات، ويشرب الخمر، ويجاهر بالدُّخان، ويراوغ من عمله، ويعطِّل مصالح العباد.   ونجد من بيننا مَن يغترُّ بنعمة الله عليه، فيطغى بها ويجعلها سبيلاً لمعصية المُنْعِم المتفضِّل، ومن بيننا مَن لا يصبر على الفقر فيبيح لنفسه أكل الحرام؛ من سرقة، أو منع الورثة من حقوقهم؛ من أجل ذلك أُذَكِر اليوم بالموت.

لأن الموتَ حقٌّ واقعٌ، وكلُّ الناس ملاقوه، وبكأس المنيّة شاربوه، ولا مفر ولا مهرب من وقوعه، وعليه فلنُوليه اهتمامنا، ولنجعله محلَّ فكرنا، ونكون دائمًا له على استعداد، فالموت آتٍ لا ريب فيه، ويقينٌ لا شك فيه؛ {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]... تتمَّة الموضوع.   الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن سار على نهجه إلى يوم الدين.   وبعدُ:
أيُّها الأحبَّة في الله، كان عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - يجمع العلماء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة، وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أيامًا، فإن سُئِل عن شيءٍ قال: لا أدري، لا أدري.   وقال الدقاق: مَن أكثر من ذكر الموت أُكرِم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومَن نسي الموت عُوقِب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسُل في العبادة،  قال التيمي: شيئان قطعا عنِّي لذَّة الدنيا: ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله - تعالى.   فتفكَّر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعدٍ ما أصدَقَه! ومن حاكمٍ ما أعدَلَه! كفى بالموت مقرِّحًا للقلوب، ومبكيًا للعيون، ومفرِّقًا للجماعات، وهادمًا للذات، وقاطعًا للأمنيات، فهل تفكَّرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك؟! وإذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرَّفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأُخِذْت من فراشك وغطائك إلى قبرك، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب أو رمال، فيا جامعًا للمال، ويا مجتهدًا في البنيان، ليس لك والله من مالك إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والدمار، وجسمك مطعم للدود، ثم إلى التراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟! فهل أنقذك من الأهوال؟! تركته إلى مَن لا يحمدك، وقدمتَ بأوزارك على مَن لا يعذِرك.   فيا أخي الحبيب، أين استعدادك للموت وسكرته؟ أين استعدادك للقبر وضمَّته؟ أين استعدادُك لمنكر ونكير؟ أين استعدادك للقاء العلي القدير؟ أين أنت من قول الله - تعالى -: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور} [آل عمران: 185]؟   وأين أنت من تحذير الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور} [لقمان: 33]، قال سعيد بن جبير: الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة.   اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر... بقية الدعاء.    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد الزاهدين، وسيد الفصحاء، ورأس البلغاء، وخطيبهم إذا وفدوا، والشفيع المشفع إذا وقفوا، وعلى آله وصحبه أجمعين.


المصدر: المصدر:موقع اعرف الاسلام
  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 382 مشاهدة
نشرت فى 16 مايو 2011 بواسطة ramadan2012

ساحة النقاش

رمضان اسماعيل عبدالحميد ريشه

ramadan2012
نصرة الاسلام والمسلمين »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

90,282
الى كل من يعجبه الموقع ومحتوياته عليه مراسلتى على الايميل التالى:


[email protected]


ملأ الله قلبك بالانوار
وحفظك من الاخطار
واسعدك ما دام الليل والنهار

وجعل حياتك حياه الصالحين الابرار

ايها الفتى العبقبرى

دع عنك ما قد مضى فى زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يامذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل اسبتاه وانت لاه تلعب والروح منك وديعة اودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التى تسعى لها حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما انفاسنا فيهما تعد وتحسب