لكتاب وليد علاقة متبادلة بين الناشر والمؤلف تمتد لأشهر وأحيانا لسنوات، لكن ما طبيعة العلاقة التي تجمع بينهما أو تفرقهما، وما الدور الذي يلعبه الناشر في عملية إنتاج الكتاب، وإلى أي مدى يتدخل لإضافة تعديلات يرتئيها ضرورية لنجاح العمل فنياً وتجارياً، وما هي حدود هذا التدخل إذا كان موجوداً في تقاليد النشر العربية، كما هو موجود في الغرب، الذي يصل في احيان إلى قلب الكتاب رأساً على عقب من قبل «المحرر»؟ وهي وظيفة أساسية في عملية النشر، ولا يمكن أن يمر كتاب من دون أن يمر تحت أصابعه، وهو تقليد نفتقده للأسف في أغلب دور النشر عندنا. ولو كان موجوداً، لما خرجت علينا ثلاثة أرباع الكتب التي تزدحم بها الأرصفة العربية.

المحرر زعيتر: التحرير.. بحدود

يقول المحرر في «دار الساقي» فؤاد زعيتر: شروط قبول الكتاب ثلاثة: الفكرة الجديدة، المقاربة الجديدة لموضوع قديم بالإضافة إلى ارتباط الموضوع بالواقع اللبناني والعربي تسهيلا لتسويق الكتاب.

إن بعض الكتّاب يطرحون موضوعا مميزا ويقدمون معالجة ذكية له إنما ينقصهم الأسلوب الجيد والواقعية، لذا نحرص خلال عملية التحرير على استخدام جمل قصيرة ومكثفة المعنى، أي نقسم الجملة المؤلفة من 5 أو 6 سطور إلى 3 أو 4 جمل وذلك لدفع النص وإراحة القارئ في الوقت نفسه، لكننا نحاول في الوقت نفسه، الحفاظ على روحية الكاتب قدر الإمكان.

وحول حدود التدخل في التحرير، يقول: «لا نستطيع نشر كتاب في صيغته الأولى، إذا لم أقل (على علاته) لأنه سيخضع في ما بعد إلى النقد ويسيئ بالتالي إلى سمعة الدار».أما في ما يخص الرواية تحديداً، فيقول: «الدار لا تتدخل بالطبع في مضمون الرواية، لأنه مجموعة أمور متداخلة من فكرة ومضمون وعاملي زمان ومكان. في القراءة الأولى نركز على الطرح، فإن كان جديدا نتغاضى عن بعض الأخطاء ونؤجل تصحيحها إلى القراءة الثانية. إننا نوجه ملاحظات لبعض الكتاب، لكننا بالمقابل نقدم حلولا لهم. إنها عملية تفاعل كيميائية تنشأ بيننا، والكتاب هو ثمرة شراكة وتعاون بيننا. ونحن لا نجري أي تعديل قبل الحصول على موافقة الكاتب، وقد يرفض، ويبرر أسباب رفضه إلى أن نتوصل إلى اتفاق معه. هناك كتّاب يرفضون أي تعديل حتى أن أحدهم قال لي مرة، إن نصي مثل زوجتي لا أقبل أن يلمسه أحد!.. إلا أن المحرر الجيد هو الذي يجمع بين شخصيتي القارئ والكاتب.

أما بالنسبة إلى الكتب التي تعالج الموضوعات الاجتماعية فيقول: نرصد النقاط التي لم يتطرق إليها الباحث ونرفض الإسهاب وتكرار الأفكار بين الفصول احتراما للقارئ والدار معا، كذلك نقترح عناوين جديدة للفصول والكتاب. وحول مثلث الممنوعات في المنطقة العربية، القائم على الجنس، الدين، والسياسة قال: نحاول ألا نقع أسرى هذه المحرمات، نقاومها من خلال نشر الثقافة البديلة أي ثقافة الرأي الآخر، فحين نطرح موضوعا جنسيا نبرز الإيحاءات الواردة فيه، إنما ضمن معايير أخلاقية.

الكاتبة إميلي نصر الله: أقبل تصحيح اللغة لا أكثر

الأديبة اللبنانية إميلي نصرالله ترفض إجراء أي تعديل على كتابها، او إعادة صياغته، وتقول: إني أراجع نصي مرات عدة وأنقحه وأدقق في التفاصيل، كذلك أطلع أحد أصدقائي عليه قبل تقديمه إلى الناشر في صيغته النهائية. لقد نشرت «طيور أيلول» عام 1962، وكان عملي الأول، وقبل الطبعة الثانية، اعترض الناشر على عبارة معينة وطلب تخفيفها، لكني لم أقبل.. وتضيف: أقبل تصحيح اللغة لا أكثر.

الناشرة رنا إدريس: نقرأ ونقوم بتعديلات

في «دارالآداب» التي تنشر بين 45 و55 كتابا سنويا، تقول مديرة الدار رنا إدريس: إن الدار تقبل 5% فقط من المخطوطات المقدمة سنويا، وتبلغ نحو 300، ونادرا ما تصل هذه النسبة إلى 10%. والمخطوطات هذه تخضع لفحص «لجنة القراءة» التي عادة ما تتألف من ثلاثة أشخاص: ناقد أدبي، روائي مكرس لدى (الآداب)، وقارئ عادي إنما مطلع. وتلفت إدريس إلى أن هذه اللجنة ليست ثابتة وتختلف بحسب نوع الرواية واتجاهها. وتضيف: بعد الفحص نقرر إذا ما كانت صالحة للنشر، وحينها نقدم جملة ملاحظات، خصوصا إذا رأينا إسهابا في بعض الفصول. فنتمنى على الكاتب الاختزال، لكن هذا ليس شرطا للإصدار.. أما في أحيان أخرى فيأتي تقرير اللجنة أكثر تشددا ويصبح التعديل ضرورة إما لكثرة الإسهاب والاستطراد والملل، وإما لأنها تتطلب مرونة في بعض الفقرات لئلا تتعرض للمنع.

وتتدارك إدريس: لا تخيفنا الرقابة، ولا نمنع القارئ من أفكار معينة. وتضيف مديرة دار الآداب: من ناحية العلاقة مع الكاتب لا ننكر حقيقة أن الناشر في موقع سلطة، فهو يملك المال ورصيد اسم الدار، أما المؤلف فهو المغبون.. وتؤكد رنا ادريس عدم قبول «الآداب» لأي مخطوطات يتحمل أصحابها أكلاف اصدارها، ففي هذه الحال ينخفض جهد الناشر وحماسته للتسويق والتوزيع، لكنها لا تمانع إذا اشترى الكاتب نسخاً من عمله. ونفت وجود أي مشكلة مع الكتاب سوى عند تأجيل موعد الاصدار لظروف معينة طرأت على البلاد، أو لأن الاصدار السابق للكاتب لم يبع جيدا.

الكاتبة إلهام منصور: تجربة سيئة مع دور النشر

في حين أن الكاتبة اللبنانية إلهام منصور قطعت علاقتها بدار الآداب لأنهم اعترضوا على بعض المشاهد الجنسية في أحد كتبي، مع العلم أنهم ينشرون اليوم أفكارا أكثر جرأة من تلك التي أوردتها وقتذاك. وعن تعاملها مع «دار الآفاق»، التي تعاملت معها بعد ذلك، تقول: فاجأوني بقرار عدم نشر كتابي حول (تحرير المرأة في لبنان)، حين انتهينا من طباعته وباشرنا عملية تصميم الغلاف بحجة أنه يحمل افكارا لا يمكن أن تدخل إلى الدول العربية، لكنني أعدت نشر الكتاب بعد 10 سنوات مع «دار المختارات». وترفض منصور أي تدخل للناشر في عملها وأية إضافات او تعديلات، في حين أنها تختار أحدا ما لتطلعه على كتابها، بعد إنهائه، وقبل تقديمه إلى دار النشر.

الكاتب شرف الدين: تدخل الناشر اعتداء

أما الشاعر والكاتب السوري ماهر شرف الدين، فيحرص على اطلاع أصدقائه على كل مرحلة من مراحل ولادة الكتاب.. ويرى أن تدخل الناشر في مضمون النص اعتداء على حقه مهما كان هذا التدخل هامشيا. وإن أراد توجيه ملاحظة ما فينقلها بصفته قارئاً أو صديقاً لا بصفته ناشراً.

ويضيف شرف الدين: أنا صعب جدا في تعاملي مع كل سلطة، فكيف لو كانت سلطة ثقافية؟، عندئذ سأكون مستعدا لنشر الكتاب على نفقتي الخاصة.

  • Currently 169/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
50 تصويتات / 382 مشاهدة

ساحة النقاش

احمد هانى السيد عبد العزيز قدور

printingpapers
حاصل على بكالريوس تجارة جامعة الزقازيق اهتماماتى بالتكنولوجيا والكمبيوتر احب الموسيقى الهادئة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

578,240