جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|
|
 |
| |
الحب كلمة وليست بكلمة، جملة وليست بجملة، الحب حاله وهاله ولوعة وحرارة، كلمة ولكنها لا تخرج من بين الشفاه مجردة، ولا تستطيعها أوتار الحنجرة وحدها إنما تشترك فيها كل خلايا الجسد وتتتنازعها الأحشاء وتتصارع في إخراجها المفاصل وتهيمن النفس علي كل تلك الجوارح، وتحيط الحب - كلمة الحب- بكل ما في النفس من عجائب وقدرات وخوارق ومعاني لا يعلمها الا خالقها ونعلم عنها القليل، النفس تتخل خلايا الجسد و مفاصله والعظام من الرأس إلي أخمص القدم واللحم والعقل بشعوره ولا وعيه تتلاحم في نخم واحد ولحن مفهوم لها لتأذن في النهاية للفم أن يلفظ بها.
ولهذا تري الحبيب وهو ينتشي بقوله حبيبي ويتمني لو يظل يرددها أبد الآبدين، لذا تري العاشق ولهاناً في عالم علوي تحلق نفسه في السماء لا يعتريه ما يعتري الناس من برد أو قيظ فقد سما بنفسه الي آفاق لا تعرف في قاموسها الأصوات ولا الالحان ولا الضيق ولا الهزيان ولا الاحباط ولا الملل، فلقد إلتحمت نفسه بالنسيم وعليله وسبحت روحه مع الطيور فإتحد مع الشمس والقمر والنجوم والهواء والشجر والماء وأحب الجبال بصخرها ورحم الحيوان بحرقة وأشفق علي الجماد بشكل عجيب، فيري الحروب من حوله رحمة والوحوش تذأر غناءاً والجبال تتصدع خشوعاً.
ولا يمكن أن يصل المحبان لتلك المعاني والاحاسيس إلا بشرطين: أولهما ألا يشاركهما في الحب إنسان، فعلي الملأ تكون المشاعر والاحسايس مجردة من معانيها الحقيقية وتحل محلها نارالحيوانية والتلصص وتختذل كل معاني وأحاسيس الحب إلي إختلاس نظرة أو فعلة ويعمل الشيطان علي مراعاة تأجيج تلك النار وألا تنطفيء ولا تحصل السعادة. أما الشرط الثاني فهو إن النفس والجسد والروح فيما يبدو للمتأمل لا تنفصل إحداها عن الأخري وللجسد كما نعلم جميعاً كيمياء إذا إختل توازن تلك الكيمياء فتسبب التعاسة للجسد، فلكي يسعد الجسد فلابد أن تسعد النفس والروح أيضاً ولا يمكن لهما أن يسعدا إلا وفق إتباع ما يصلحهما ولا يعلم من يصلح النفس والروح كخالقهما، بمعني أن يكون هذا الحب موافقاً لشرع الخالق سبحانه.
فإذا إلتقي الحبيبان جالا وصالا وطارا وحلقا، ولقاء الأحبة تجتمع فيه كل لغات العالم من إنس وجان وطيور ودواب والاسماك في البحار والجبال الروابي فيتصالحا مع الكون وتتحدث الجوارح كل جارحة مع أختها وكل عظمة مع مثيلتها والشعور واللاشعور فيتحدان فلا يدريان مما يدري البشر والحجر والشجر والدواب شيئاً، حتي لو كانا متباعدا المكان والزمان فلا يحدهما زمان ولا مكان ولا جدران، حتي يتملق الحبيب حبيبه ويشرب الخل من نبع خليله حتي إذا ما أرتويا عطشا، وحتي إذا ما شبعا إذا بهما وقد جاعا من جديد، ولا يهم بأي لغة تشتاق النفس إلي التغني بلكمة الحب أو بحبيبي فهي بالعربية حب وبالانجليزية لاف وبالفرنسية أمور وبالاسبانية أموري وبالاستونية أرماز وبالألمانية ليفدي وبالسويدية كارلك وبالهندية محبوبي، والعجيب أن نشوة الحب هي هي بلا تغيير ولا تبديل مهما إختلفت ألسنة المحبوبان
ولابد لتوحدهما أن يكونا إثنين لا ثالث لهما، إثنين لا ثالث لهما، إثنثن لا ثالث لهما، فلا يمكن أن يتحد محب مع أكثر من محبوب في نفس الوقت والا حدث إضطراب شامل وعارم بين كل تلك الجوارح والمشاعر والأجساد والعظام واللحم والهمم والنفوس والعقول والشعور والاوعي وهنا تجد النفوس وقد خلدت إلي الأرض وتعذبت وسجنت داخل مشاعرها ونفوسها وتضاربت وأختلفت وتخاصمت مع الكون فصار كل ما في الكون أعداء لهم، فأصبحوا حاقدين ناقمين يحسبون كل صيحة عليهم، يتوارون من كل نقطة مطر ويحملقون في كل الأعين ويتربصون بكل شيء فتتنازع جوارحهم وتتدابر أحشائهم وتتنافر أرواحهم فيرون السواد في كل شيء ولو كان بياضاً ناصعاً ويعيشون في ليل دائم ولو كانت الشمس ساطعة وهذا هو حب البشر.
أما الحب الأكبر والذوبان مع الكون والنشوي التي لا تنقطع، والتصالح الذي لا يعرف خصاماً، والسلام الذي لا تحتويه الحروب، والكمال الذي لا يعتريه نقص، والنقصان الذي يهفو ويصبو دائماً وأبداً إلي زيادة بلا إنتهاء ولاملل، عندما تختلي في ليل حالك الظلمة في أي أرض أو أي بقعة سواء في بيت أوجبل، في ريف أو حضر، في عش أو جدر، في بحر لجي أو علي شاطيء تكسوه النخيل فتبدد وحشة صفرة الرمل، وحيداً كنت أم أحاطت بك البشر، أن تخلو بربك الواحد الأحد الصمد الأبر، الرحمن المقتدر، الملك بلا وزر، فتحكي له وتشكو، وتمدح وتشكر، وتسأل وتتمني، وتأتنس بجلاله وترتوي عسل، وتأكل ولكن ليس كما يأكل البشر، فتطمع في رحمة، وسع ربي كل شيء رحمة، وتغترف من أنهار الحكمة التي لا تنضب ولا تحيط بها الفكر، وتنهل من نبع القوة والعزة فهو العزيز المقتدر، وتطرب أذنيك بأصوات هو خلقها في الكون عندما الصبح يتنفس أو الليل عسعس، فتحيا كما يحيا البشر وتنعم كما تنعم الطير محلقة في الجنان، وتحب الكون كله فهو عطية المنان، ولا يضرك شيء فهو بحكمته وأنت في حماه، فما أعظم أن تصلي ركعات في الليل والناس نيام لتخلوا بحبيبك فتكون أسعد البشر، وعندما تنام القلوب فإن قلبك لا ينام، وناجه يا خالقي يا راحمي يا مولاي يا سيدي يا ملاذي يا ملجأي ويا عزي ويا حبيبي فتتصالح مع نفسك وتسمو الي أبعد من درجات الملائكة.
ولا تشرك في حبه أحداً غيره، أو شيئاً سواه، فتتنازعك الأهواء، وتتمزق أشلاء، فتحيا كما يحيا السجناء، وتنعم كما تنعم الأنعام، وتكون في الدنيا وحيداً حائراً خائفاً طريداً كأنك تصعد في السماء، أو كأنك ألقيت من السماء فتتخطفك الطير وتلعنك الأرض والسماء والطيور والشجر وحتي الحيتان في الماء.
ومن عظمة الواحد الأحد أنه لا يتحول عنك ما دمت لم تتحول عنه، ويكون معك وحدك وهو دائماً لك اقرب من حبل الوريد، فانعم بحبه وأطلب رضاه ورددها دائماً وأبداً بأي لغة قلتها وبأي لسان إستطعت فهي هي لا تتبدل ولا تتغير بتغير اللغات، فهي كلمة الحب، حبيبي.
|
|
|
|
ساحة النقاش