المكتبة الإلكترونية في البيئة التكنولوجية الجديدة  المقدمة : غني عن القول أن المكتبات ودور الوثائق والأرشيف عبر انبثاقها وتواجدها في حضارات وادي الرافدين والنيل وسائر الحضارات القديمة قد مرت بتطورات متلاحقة من حيث مبانيها، وأشكال مقتنياتها، وخدماتها، ووظائفها المتمثلة في حفظ النتاج الفكري والحضاري وتنظيمه، وتسهيل مهمة استرجاعه ووضعه في خدمة المستفيدين. وقد حتمت التطورات التقنية والعلمية، والتقدم الحضاري، وانتشار التعليم، وظهور المبادئ الديمقراطية، والتغيرات المتواصلة في مهنة المكتبات والمعلومات إلى تطور هذه المؤسسات الثقافية التعليمية الاجتماعية لتصبح شبكات معلومات متطورة قادرة على التعامل والتفاعل مع التطورات والاتجاهات المعاصرة، وتلبية احتياجات الباحثين والدارسين في شتى الموضوعات والمجالات محققة بذلك قفزة كبرى في استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، وطبيعة الخدمات والبرامج المكتبية والمعلوماتية ونشرها على نطاق واسع، متخطية بذلك الحواجز المكانية والزمانية بين بلدان العالم في البيئة التكنولوجية الجديدة، وفي عصر النظم البارعة في نقل المعلومات والشبكات، مما مهد لظهور المكتبات الإلكترونية، وتطور مهام أمين المكتبة وتحولـه إلى خبير أو استشاري معلومات، أو أمين مراجع وموجه أبحاث للعمل فيها مسخراً بذلك خبراته ومهاراته في تقديم معلومات دقيقة وفورية لأنواع مختلفة من المستفيدين، وتأمين فـرص أوفر لتدريبهم، وإكسابهم المهارات في مجـال استخدام التقنيات واستثمار شبكات المعلومات في رحلة الكشف عن كنوز المعلومات والمعارف المتاحة بأشكالها الإلكترونية، والاستغلال الأمثل لها بما يتفق والاحتياجات البحثية والمعلوماتية. وكان لهذه التوجهات المستقبلية للاهتمام بالمكتبات الرقمية، وتطوير مهنة المكتبات واختصاصيّ المعلومات والمراجع الاندفاع نحو إرسـاء مناهج جديدة لتدريس كل ما يتعلق بهذا النـوع من المكتبات ، فعلى سبيـل المثال، قدم عميد جامعة ميشغان (Daniel Atkins) صورة واضحة للمكتبة الجديدة بعد تحليله وعرضه للمشروعات والنشاطات التي وضعها في الجامعة، ويتوقع أن تتضمن النشاطات والبرامج الخاصة باختصاصيّ المعرفة المعلوماتيين والمهارات المطلوبة في البيئة الرقمية الديناميكية الآتي : 1- تسهيلات الوسائط المتكاملة وشبكات الحواسيب. 2- فهم أو إدراك للمعرفة الاستكشافية في عالم الشبكات المتطورة. 3- ألفة باقتصاديات المعلومات المحلية والعالمية، والسياسية، والقانون، والسياسات المختلفة. 4- التحكم في بناء وتصميم الوثائق. 5- إحاطة شاملة بموضوعات التداخل الآلي البشري. فضلاً عن ذلك فقد أسست جامعة كاليفورنيا في بيركلي (Berkely) مدرسة نظم المعلومات (SIMS)، وكانت رسالتها تتعلق بتكوين أمناء المعلومات الذين تتصل مهامهم بتنظيم ومعالجة وتنقيح وعرض المعلومات، ولا تقتصر وظيفتهم على إدارة التكنولوجيا فحسب، وإنما إدارة المعلومات والناس معاً(1). وقد جاء هذا البحث لتحقيق الأهداف الآتية : 1- التعريف بالمكتبة الإلكترونية والتسميات الأخرى التي أفرزتها بيئة الشبكات ونظم المعلومات المتطورة. 2- تحديد مراحل التحول نحو المكتبة الرقمية. 3- تسليط الضوء على خصائص المكتبة الإلكترونية. 4- تقديم أمثلة لهذا النوع من المكتبات وبعض المشروعات الريادية لبناء مكتبات رقمية في مختلف أنحاء العالم. 5- عرض نموذج تصوري للمكتبة الإلكترونية. 6- التعرف إلى الوظائف الأساسية لأمين المكتبة الإلكترونية. 7- تبيان معوقات إدخال التقنية الرقمية للمكتبات وسبل التطوير. 8- التطرق إلى الإجراءات التي يمكن من خلالها بناء مكتبات إلكترونية عربية وتطويرها. أولاً - المكتبة الإلكترونية والمصطلحات ذات العلاقة : هناك العديد من المفردات العصرية والمصطلحات التي ترد في أحاديث ومؤلفات ودراسات الباحثين المتخصصين في مجال المكتبات والمعلومات والتي تطلق على المكتبات التي تتميز بالاستخدام المكثف لتقنيات المعلومات والاتصالات وأعمال الحوسبة، واستخدام النظم المتطـورة في اختزان المعلومات واسترجاعها وبثهـا إلى الباحثين والجهات المستفيـدة منها ، ومن هذه التسميات والمصطلحات، المكتبة الإلكترونية (Electronic Library) ، ومكتبة المستقبل (Library of future) ، والمكتبة الرقمية (Digital Library) ، والمكتبة المهيبرة أو المهجنة (Hybrid Library) ، والمكتبة الافتراضية (Virtual Library)، وغير ذلك. ومن خلال مسح بعض الدراسات والنتاج الفكري الخاص بهذا الموضوع يمكن توضيح دلالات ومعاني هذه المصطلحات بشكل موجز (2): 1- المكتبة المهيبرة أو المهجنة : هي المكتبة التي تحتوي على مصادر معلومات بأشكال مختلفة منها التقليدية والإلكترونية. 2- المكتبة الإلكترونية : هي المكتبة التي تتكوّن مقتنياتها من مصادر المعلومات الإلكترونية المختزنة على الأقراص المرنة (Floppy) أو المتراصة (CD-Rom) أو المتوافرة من خلال البحث بالاتصال المباشر (Online) أو عبر الشبكات كالإنترنت. 3- المكتبة الافتراضية : يشير هذا المصطلح إلى المكتبات التي توفر مداخل أو نقاط وصول (Access) إلى المعلومات الرقمية وذلك باستخدام العديد من الشبكات، ومنها شبكة الإنترنت العالمية، وهذا المصطلح قد يكون مرادفاً للمكتبات الرقمية وفقاً لما تراه المؤسسة الوطنية للعلوم (National Science Foundation) وجمعية المكتبات البحثية (Association of Research Libraries) في الولايات المتحدة الأمريكية. 4- المكتبة الرقمية : هي المكتبة التي تشكل المصادر الإلكترونية الرقمية كل محتوياتها ، ولا تحتاج إلى مبنى، وإنما لمجموعة من الخوادم (Servers) وشبكة تربطها بالنهايات الطرفية للاستخدام. ويظهر من خلال استعراض هذه التعريفات أن بعضها قد يستخدم تبادلياً كما هو الحال بالنسبة للمكتبات الإلكترونية، والافتراضية، وكذلك مكتبات بلا جدران، من حيث توفير نصوص الوثائق في أشكالها الإلكترونية المختزنة على الأقراص الليزرية المتراصة، أو المرنة، أو الصلبة، أو من خلال البحث بالاتصال المباشر، فضلاً عن دورها في تمكين المستفيدين من الوصول إلى المعلومات والبيانات المختزنة إلكترونياً عبر نظم وشبكات المعلومات وهم في بيوتهم أو مؤسساتهم ومكاتبهم الخاصة. أما المكتبة الرقمية فتمثل الوجه المتطور للمكتبة الإلكترونية من حيث تعاملها مع المعلومات كأرقام ليسهل تخزينها وتناقلها في تقنيات المعلومات والاتصالات واستثمارها وتداولها إلكترونياً بأشكال رقمية، ونصوص ورسوم وصور متحركة بقدر عالٍ من الدقة والاستخدام عبر مختلف مدارات العالم. وتكمن أهمية توافر مثل هذا النوع من المكتبات في مواجهة تحديات ثورة المعلومات والاتصالات الحديثة في عالمنا المعاصر، وتنوع احتياجات الباحثين والدارسين ورغبتهم في الحصول على معلومات سريعة وحديثة، وعجز نظم استرجاع المعلومات التقليدية عن تلبية مثل هذه الاحتياجات، كما أن هذه المكتبات تجعل المستفيد على اتصال مباشر بقواعد ونظم المعلومات المتطورة من خلال الاستخدام الأفضل للإمكانات والتسهيلات التي يقدمها هذا النموذج العصري للمكتبة بمبانيها وخدماتها وتقنياتها وبرامجها المتنوعة المتجددة دائماً. ورغم الاتجاهات والتطورات الحاصلة في مختلف المؤسسات المعلوماتية باستخدام الأساليب الرقمية في تخزين البيانات ومعالجتها. إلا أن هناك عقبات تقنية تحتاج مصادر المعلومات الإلكترونية إلى التغلب عليها قبل تمكنها من منافسة الطبع على الورق بنجاح، ومنها على سبيل المثال، ضرورة تأسيس تقنيات مناسبة موحدة لتشفير الرسوم والمخططات والأشكال، ومثل هذه المقاييس الموحدة لا بد أن يتبناها المختصون بتطوير البرامج والأجهزة، ولا بد للأنظمة الناتجة من أن تحقق القدرة العالية والكفؤة لنقل المعلومات، والاستخدام الفعال لها، وتسهيل إتاحتها للمستفيدين عبر نظم المعلومات وشبكاتها المختلفة(3). فضلاً عن الصعوبات المتعلقة بالتصميم التقني والجهود والتكاليف الباهظة. وفي ظل البيئة التكنولوجية المتطورة والنمو المتسارع في نشر مصادر المعلومات الإلكترونية ولدت المكتبات الإلكترونية على اعتبارها مكتبات تمثل واجهات تخاطب متعددة الأشكال للوصول إلى المعلومات عبر أجهزة الحواسيب للقيام بعمليات وإجراءات البحث، والاستعراض لانتقاء المعلومات المطلوبة، كما أنها مؤسسات تمكننا من البحث عن ينابيع الثقافة عبر سلسلة من عمليات اكتشاف المعرفة وإجراء عمليات التنظيم والبث والأرشفة والاختيار، وإعادة الاستخدام، وعادة ما تربطنا هذه المكتبات بطيف واسع من أدوات البحث والتطوير والتطبيقات التي تهدف إلى مساعدة المستفيدين للحصول على كم هائل من المعلومات، وبذلك تحولت المكتبات في ظل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى مكتبات بلا جدران من خلال هذا النسيج العنكبوتي العالمي الذي يربط الكون كله عبر شبكة هائلة من الحواسيب في خدمات الإنترنت التي مثلت اختراقاً للحدود الجغرافية والسياسية للدول والأقاليم وحولت العالم إلى (قرية كونية صغيرة). وكان لها دورها في التثقيف ونشر المعلومات وكسر حواجز الأمية المعلوماتية(4). وتتنوع مصادر المعلومات الإلكترونية في هذه المكتبات كاستخدام البحث بالاتصال المباشر (Online) وأقراص الليزر المتراصة (CD-Rom) والإنترنت، والوسائط المتعددة (Multimedia) ، والدوريات الإلكترونية، وأقراص الـ (D. V. D) الرقمية ... وسواها. ثانياً - مراحل التحول إلى المكتبة الرقمية : عادة ما يتم التحول من المكتبة الورقية إلى المكتبة الرقمية عبر ثلاث مراحل(5): 1- في المرحلة الأولى تكثف الجهود والطاقات لإعداد شبكة قادرة على تغطية أنشطة المكتبة مكونة من حاسبات آلية ينظم التعامل معها خادم شبكة عالي الأداء يتم تشغيلها ببرامجيات منتقاة تربط لاحقاً بالوظائف الأساسية للمكتبة من إعارة وتزويد وفهرس آلي للاتصال المباشر والتعامل مع قواعد المعلومات داخل المكتبة وخارجها إلى جانب تدريب كفؤ للمكتبيين الفنيين والارتقاء بمستويات أدائهم، والتزود بنخبة من مصادر المعلومات الإلكترونية للتحقق من فاعلية أداء النظام في مرحلته التجريبية. 2- في المرحلة الثانية يتم التركيز على علاج مواطن الضعف التي قد تبرز خلال تطبيق إنجازات المرحلة الأولى فضلاً عن التزود بعدد إضافي من مصادر المعلومات الإلكترونية المقرر تزويد المكتبة بها خلال هذه الفترة، ومن ثم التقييم الدوري الدقيق للخدمة من جميع جوانبها. 3- تضطلع المرحلة الثالثة بربط المكتبة بالمكتبات ومراكز المعلومات المناظرة على المستوى المحلي وما يتبع ذلك من اتصال بقواعد المعلومات الدولية. ومن المفترض أن تعنى المرحلة الثالثة بتطوير شامل للنظام يضم العناصر الآتية : أ – البـدء في تقديم خدمات المكتبة الرقمية. جـ- الحفظ الآلي للأوعية الرقمية وحماية محتوياتها. د - استثمار إمكانات الشبكة في تلبية الاحتياجات المتنوعة وتوسيع منافذ الاتصال مع الشبكات ونظم المعلومات الإلكترونية العالمية. إن التغييرات الدراماتيكية التي أحدثتها ثورة الاتصالات الحديثة والشبكات المتطورة ومنها الإنترنت في إبهار المستفيد وإثارته وتزويده بالمعلومات المتنوعة الغزيرة جعلت المكتبات تسعى إلى التحول نحو نمط المكتبة العملية الحديثة، والتي هي مكتبة رقمية تملك تواجداً على النسيج العالمي، وتتيح نفاذاً مقنناً ومدروساً إلى كنوز المعلومات(6). وهذه المواصفات هي التي أوجدت هذا النمط الحديث من المكتبات بعد النمط التقليدي للمكتبات، ثم المؤتمت، والهجين، وصولاً إلى المكتبات الرقمية. ويبين الشكل رقم (1) المراحل التطورية لنماذج المكتبات بدءاً بالنموذج التقليدي حتى النموذج الأخير المتمثل بالمكتبة الرقمية(7). كما يمثل الشكل رقم (2) التطور الحاصل في أوعية المعلومات من الأوعية الورقية إلى الإلكترونية(8). الشكل رقم (1) المراحل التطورية للمكتبة ثالثاً - خصائص المكتبة الإلكترونية : يظهر من خلال تنبؤات المتخصصين في مجال المعلومات والمكتبات أن دور المكتبة الإلكترونية سيتسع، وعلى المكتبات أن تغامر للدخول في هذا الاتجاه، وكان (ولفرد لانكستر) في مجمل كتاباته يؤكد على تسارع الزحف الإلكتروني وظهور نظم المعلومات غير الورقية، ويعمل على تحفيز المكتبيين على إعادة النظر في تقييم دور المكتبة ودور المكتبيين كاختصاصيّ معلومات، ويشير إلى أننا نقترب من اليوم الذي يمكن أن تكون فيه مكتبة عظيمة للعلوم داخل مجال مساحته أقل من (10) أقدام مربعة(9)، لا تضم سوى منافذ إلكترونية ومعدات توصيل أخرى. ويؤكد كذلك بأننا نتحرك الآن بسرعة وفي مد لا ينحسر نحو مجتمع بلا ورق، وتكفل لنا التطورات الهائلة في علوم الحاسوب وتقنية الاتصال القدرة على تصور نظام عالمي يتم فيه تنفيذ تقارير البحوث ونشرها وبثها والإفادة منها في جو إلكتروني خالص، ولن تكون هناك حاجة إلى الورق في هذا المجتمع، ونحن الآن في مرحلة انتقالية في حلقة التطور الطبيعي من الطباعة على الورق إلى الإلكترونيات(10). وتتنبأ ماري وولف (M. Wolff) بتطورات حديثة في موضوعات مختلفة مثل المؤتمرات الإلكترونية، والبريد الإلكتروني، والنشر الإلكتروني، والتي سيكون لها تأثيرها الملموس على تنفيذ وظائف المكتبة في المستقبل(11). ويرى جيمس طومسون (J. Thompson) أن المكتبات لها دور حيوي في العصر الإلكتروني، وأن رسالتها في اختيار وتخزين وتنظيم ونشر المعلومات سوف تبقى ذات أهمية عالية، وأن طريقة تنفيذ هذه الرسالة أو المهمة يجب أن تتغير بصورة فعلية إذا ما أريد لهذه المكتبات مواصلة الحيـاة(12). وتشيـر بعض الدراسات إلى أن ما بين (25٪ - 50٪) وحتى (90٪) من بعض أنواع المطبوعات سوف ينشر إلكترونياً في عام 2000م، وترى شبكة (OCLC) أن مستقبل المعلومات سيكون بقولبتها بأشكال جديدة (مصغرة أو إلكترونية) وتوزيعها في الزمان والمكان المناسبين(13). فضلاً عن ذلك سوف تتضاعف مصادر المعلومات بأشكالها الإلكترونية وخاصة الأوعية المتعددة (Multi-media) . ويورد حشمت قاسم (14) عرضاً وتحليلاً لمجموعة مقالات حول المكتبة في القرن الحادي والعشرين نقتطف منها بعض تصورات الباحثين وتوقعاتهم لمكتبة المستقبل. إذ يرى ديفيد بنيمان (W. David Penniman) رئيس مجلس الموارد المكتبية في الولايات المتحدة الأمريكية في بحثه عن (تشكيل مستقبل المكتبات من خلال القيادة والبحث) أن مفتاح استعداد المكتبات للمستقبل هو الرغبة في التغيير, وضرورة تركيز المكتبات على الإمداد بالمعلومات لا مجرد اختزان المعلومات، كما ينبغي أن يكون تقييم المكتبات بناءً على ما تقدمه من خدمات لا على ما تملكه من مقتنيات. ويقدم كينث داولين (Kinneth E. Dowlin) تصوراته من خلال خبرته في إدارة مكتبة سان فرانسيسكو في بدايتها المبكرة، ويتساءل هل ستظل المكتبات قائمة عام 2020م ؟ ويعتقد أن المكتبات ستشغل مبنى ذكياً يحتوي على وحدات للبث السمعي والمرئي قادرة على إيصال خدمات المكتبات إلى المنازل. وعن تقنيات المعلومات الحديثة وكيفية الإفادة منها في المكتبات ومراكز المعلومات يسجل ديفيد رايت (David Raitt) تأملاته عن مكتبة المستقبل ويسجل تطور استخدام الحواسيب في المكتبات وصولاً إلى المشابكة على اختلاف مستوياتها، والمقر الذكي الذي تدار جميع عناصره وعملياته من خلال الحواسيب والذي يطلق عليه ميناء المعلومات (Infoport) ويذكر تقنيات مكتبة المستقبل مثل الكتب الإلكترونية، والحواسيب، والأسطوانات الضوئية المتراصة، والبرمجيات التي تستثمر إمكانات النظم الخبيرة والذكاء الاصطناعي، والشبكات العصبية وغيرها. ويقدم باحثون آخرون في دراستهم عن (مركز المعلومات الفعلي، العلماء والمعلومات في القرن الحادي والعشرين) تصوراتهم المستندة إلى ثلاث مسلمات هي : 1- إن مكتبات المصادر الورقية في سبيلها للانقراض. 2- إن المعلومات ما دامت متوافرة فإن المستفيد لا يحفل بمصدرها أو بكيفية تقديمها. 3- أن احتياجات المستفيدين من المعلومات لا حدود لها، إلا أنه يمكن التعرف إلى معالمها. ويتضح من خلال هذا العرض لمجمل هذه الآراء والتصورات ووجهات النظر المختلفة أن أغلبية الآراء تتفق على ضرورة تقييم المكتبات بناء ما تقدمه من خدمات لا على ما تضم من مقتنيات، كذلك فإن دور هذه المكتبات سوف يتغير، فقد لا تصبح المكان الذي يرتاده المستفيدون وإنما المصدر الذي يمكن الإفادة منه عن بعد، فضلاً عن التغيرات في مهن المكتبيين ووظائفهم في ظل هذه التطورات التكنولوجية المتلاحقة والتحديات التي تواجهها المكتبات ومراكز المعلومات. ولا بد من مواجهة حقيقية واضحة وهي أن المكتبات بأنواعها المختلفة قد تأثرت بالتكنولوجيا الحديثة، وأصبحت وسيطاً بين المستفيد ومصادر المعلومات الإلكترونية. 1- فالحواسيب وتقنيات الاتصال عن بعد المتاحة في هذه المكتبات أصبح بإمكان المستفيد استخدامها للحصول على ما يريده من المصادر المتوافرة في قواعد بيانات إلكترونية أغلبها في مواقع بعيدة ومتفرقة خارج المكتبة. 2- وقد وفرت مصادر المعلومات الإلكترونية للفرد إمكانية الاتصال وهو في بيته، أو محل عمله للحصول على ما يحتاجه من المعلومات لقضاء حاجاته كإيجاد فرص للعمل، أو للحصول على أحدث الأخبار، أو الشراء، أو التسلية، وكذلك لمعرفة الأحوال الجوية وأسواق العملة، وما إلى ذلك(15). ومن خلال ذلك يمكن القول إن مكتبة المستقبل هي3- المكتبة التي تحقق الوصول السريع والفوري للمعلومات عبر شبكات الاتصال بغض النظر عن مكان الوجود المادي للمصادر والمعلومات. كما أنها4- لا تشغل حيزاً مكانياً واسعاً ولا تضم سوى التقنيات والأجهزة ومنافذ ومعدات التوصيل المختلفة لربط المستفيد بقواعد وشبكات المعلومات أينما كانت. لا سيما أن إدخال المزيد من التكنولوجيا لأتمتة وظائف المكتبة سيجعلها في النهاية مركزاً مفتوحاً في عصر بدأ يتجه نحو النشر الإلكتروني للإنتاج الفكري في مختلف حقول المعرفة مع وجود تسهيلات أكبر للوصول إلى شبكات المعلومات. ونتيجة لهذه التطورات المتلاحقة في تكنولوجيا المعلومات والاتصال، فإن المكتبات ستواجه تغيرات حتمية فيما يتعلق بدورها في المجتمع، وبطريقة عملها في المستقبل، وسيكون 5-تركيزها بالنسبة للتزويد والتخزين، على سبيل المثال، منصباً على استراتيجية الوصول إلى المعلومات بدلاً من سياسة الاقتناء وتجميع مصادر المعلومات. وبذلك فإن مثل هذه المكتبات6- ستنفق رؤوس الأموال على الأجهزة والتقنيات التي تحقق الوصول السريع للمعلومات بدلاً من شراء مصادر المعلومات نفسها. ويرى بعض المتخصصين أن إحدى مواصفات المكتبات الإلكترونية 7-هي قدرتها على خزن وتنظيم وبث المعلومات إلى المستفيدين من خلال قنوات ومصادر المعلومات الإلكترونية. ويحدد بعض الباحثين أربع سمات أساسية للمكتبة الإلكترونية وهي(16) : 1- قدرة النظام المؤتمت (الآلي) على إدارة مصادر المعلومات. 2- القدرة على ربط متعهد المعلومات بالباحث (المستفيد) من خلال القنوات الإلكترونية. 3- قدرة العاملين على التدخل في التعامل الإلكتروني عندما يعلن المستفيد عن حاجته لذلك. 4- القدرة على تخزين المعلومات وتنظيمها ونقلها إلكترونياً، واستيعاب التقنيات الجديدة المتاحة في عصر الإلكترونيات لدعم قدرتها على تقديم خدمات جديدة متطورة. وفيمـا يتعلق بالباحثـين يذكـر عاطـف يوسـف (17) المميزات الآتية للمكتبة الإلكترونية : 1- توفر للباحث كماً ضخماً من البيانات والمعلومات سواء من خلال الأقراص المتراصة، أو من خلال اتصالها بمجموعات المكتبات ومراكز المعلومات والمواقع الأخرى. 2- تكون السيطرة على أوعية المعلومات الإلكترونية سهلة وأكثر دقة وفاعلية من حيث تنظيم البيانات والمعلومات وتخزينها وحفظها وتحديثها مما سينعكس على استرجاع الباحث لهذه البيانات والمعلومات. 3- يستفيد الباحث من إمكانات المكتبة الإلكترونية عند استخدامه لبرمجيات معالجة النصوص، ولبرمجيات الترجمة الآلية عند توافرها، والبرامج الإحصائية، فضلاً عن الإفادة من إمكانات نظام النص المترابط، والوسائط المتعددة ((Multimedia. 4- تخطي الحواجز المكانية والحدود بين الدول والأقاليم واختصار الجهد والوقت في الحصول على المعلومات عن بعد، وبإمكان الباحث أن يحصل على كل ذلك وهو في مسكنه أو مكتبه الخاص. 5- تمكن من استخدام البريد الإلكتروني والاتصال بالزملاء في المهنة والباحثين الآخرين، وتبادل الرسائل والأفكار مع مجموعات الحوار (Discussion groups) وتوزيع الاستبانات واسترجاعها وغيرها. 6- تتيح هذه المكتبات للباحث فرصة كبيرة لنشر نتائج بحثه فور الانتهاء منها في زمن ضاقت فيه المساحات المخصصة للبحوث على أوراق الدوريات. رابعاً - باتجاه التخزين الإلكتروني (تجارب عالمية) : اهتمت مكتبات عديدة في مختلف أنحاء العالم بالتخزين الإلكتروني لمقتنياتها، وتطويرها، والإنفاق عليها لمواكبة التقدم التقني والحضاري. ففي نيويورك على سبيل المثال، تم إنشاء مكتبة الأعمال والصناعة والعلوم التي بلغت كلفة إنشائها 100 مليون دولار. وتحتوي على مركز للموارد الإلكترونية يرتبط بشبكة مؤلفة من 70 محطة عمل توفر النفاذ إلى أكثر من 100 قاعدة بيانات مختزنة على أقراص (CD-Rom) وإلى ملفات وصحف ونصوص كاملة في الإنترنت، فضلاً عن النفاذ إلى رابط الشبكة العالمية (WWW) وتوافر 110.000 عنوان دورية، ومجموعة شاملة من براءات الاختراع، وحوالي مليون مادة من المصغرات. وفي سـان فرانسيسكو بلغت كلفـة إنشاء المكتبة العامة 140 مليون دولارSan Francisco Public Library (SFPL) . وترتبط بشبكة حاسوبية كبيرة مؤلفة من 1100 محطة عمل تتيح النفاذ إلى شبكة الإنترنت، وتحتوي على أدلة منتجات الوسائط المتعددة، ومركز اكتشاف إلكتروني للأطفال، وتوفر النفاذ إلى قواعد البيانات النصية والرقمية، وتستقبل يومياً أكثر من 6000 من المستفيدين(18). وفي أوربا يتعاون أمناء المكتبات العامة من أجل تطوير طرق قياسية لحفظ الدوريات العلمية التي تصدر إلكترونياً. وفي فرنسا يتم تنفيذ مشروع لبناء مكتبة رقمية بالغة الحجم، ويعمل المكتبيون على رقمنة الأعمال الفرنسية ومنها الأعمال الأدبية بما في ذلك المؤلفات الكاملة لبلزاك ووثائق الثورة الفرنسية التي يتم حفظها في أسطوانات متراصة (CD-Rom) ويذكر (دانييل رينو) مساعد مدير المكتبة الوطنية الفرنسية أن في المكتبة الرقمية نحو 86 ألف عنوان لا تضم عيون الأدب الفرنسي فحسب، بل مختلف الموضوعات، وخرائط وصورًا فوتوغرافية نادرة وقديمة، ومعظم هذه المواد متوافر لزوار محطات الحاسوب في المكتبة. ويزداد أيضاً عدد محتويات المكتبة الرقمية التي تجد طريقها إلى موقع المكتبة على شبكة الويب (WWW) . ويقوم المكتبيون في ثماني دول أوروبية بتجميع مصادر المعلومات المنشورة إلكترونياً، ويبني هؤلاء المكتبيون (شبكة مكتبة المحفوظات الأوربية) والتي تدعى باختصار (NEDLIB) . والهدف الحالي للمشروع هو البحث عن أفضل التقنيات والتطبيقات التي يمكن استخدامها لحفظ ما يطلقون عليه اسم (المواد المولودة رقمياً born - digital) وتشمل هذه المواد كل شيء من المجلات العلمية الإلكترونية إلى المنشورات على الويب (WWW) والأسطوانات الليزرية المتراصة (CD-Rom) وغير ذلك (19). ومن الأمثلة الأخرى مكتبة جامعة كرانفلد (Granfield University Library) في المملكة المتحدة، وخدمات هذه المكتبة مؤتمتة ويتم استرجاع المعلومات وتقديم خدمة الإعارة بسرعة وسهولة، ويوفر نظام المكتبة خدمات للطلبة وأعضاء هيئة التدريس والباحثين ومن أهم الخدمات التي تقدمها المكتبة برامج تعليم المستفيدين من خلال الجولات التمهيدية والجولات الافتراضية عبر موقع المكتبة على شبكة الإنترنت وكذلك بإمكان المستفيد أن يتبع دورات محددة في المكتبة والعثور على المعلومات في شبكة الويب (WWW) . إضافة إلى الخدمات المرجعية والاستشارية التي يقدمها فريق متخصص من أمناء المعلومات والمراجع. تشترك المكتبة في معظم المصادر المتخصصة في جميع المجالات التعليمية لجامعة كرانفلد، وتوفر المكتبة لروادها إمكانية النفاذ إلى 3000 قاعدة معلومات متخصصة حول العالم، ومعظم هذه القواعد مختزنة على أقراص الليزر المتراصة (CD-Rom) ومتاحة بواسطة الخط المباشر (Online) . أما خدمة المكتبة البريطانية للمعلومات المؤتمتة The British Library's Automated Service (BLAISE) فتوفر النفاذ إلى 21 قاعدة بيانات تتضمن 19 مليون تسجيلة ببليوغرافية، وهي أيضاً خدمة لاسترجاع المعلومات المتوافرة على الإنترنت تتضمن نفاذاً إلى واجهة ذات سمات شخصية تتطابق مع توجهات المستفيد النهائي، ومساعدته في العثور على المعلومات المناسبة له عبر الإنترنت، كما توفر خدمة (BLAISE) اتصالاً مباشراً مع مركز المكتبة البريطانية للتزويد بالوثائق، وهو المركز الأول في العالم في مجال التزويد الوثائقي، أما ملف الدوريات الحديثة فيتضمن عناوين أكثر من 60.000 من هذه الدوريات التي تسلمها مركز التزويد الوثائقي في المكتبة البريطانية ومركز العلوم والتكنولوجيا والأعمال(20). ومن أمثلة المكتبات الإلكترونية أيضاً مكتبة جامعة ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي من أوائل المكتبات التي صممت لتكون مكتبة إلكترونية تحتوي على حواسيب، وطابعات، وأجهزة قراءة ومليزرات، وأجهزة Telefacsimiles وأجهزة Interactive two-way video Communication . ومن مميزات هذه المكتبة أن القارئ يستطيع أن يحصل على المواد المطلوبة من الحاسوب مباشرة، أو تصور له عند الحاجة، وترسل إليه بالفاكس. وقد صمم مبنى هذه المكتبة من دور واحد على هيئة مستطيل، وتتفرع منه أربعة أجنحة تبلغ الطاقة الاستيعابية لكل جناح 400 طرفية، وقد روعي استخدام ستائر خرسانية ثابتة، وأخرى خشبية متحركة للوقاية من أشعة الشمس، وتأثير انعكاساتها على شاشات الحواسيب(21). خامساً - نموذج تصوري للمكتبة الإلكترونية : يقدم كينث داولين(22) النموذج التصوري التالي للمكتبة الإلكترونية الذي يعكس الوظائف الأساسية للمكتبة المتمثلة بـ : أ - المصادر. ب- المعلومات. جـ - الاتصالات. فوظيفة المصادر هي التي تتيح للمستفيد البحث في الفهارس بمداخل وصول معيارية (المؤلف، العنوان، الموضوع، رقم التصنيف). ويمكن الحصول على مختلف أنواع المصادر الموجودة في المكتبة أو خارجها لدى المكتبات والمؤسسات الأخرى. وتشمل وظيفة المعلومات كل البيانات والمعلومات والمعارف التي يمكن أن تستخدم، وتنقل في شكل إلكتروني. وقد تكون على جهاز فيديو، أو محوسبة، أما الملفات الإلكترونية فهي : أ - ملفات المعلومات الخاصة بالمجتمع والتي أنتجها نظام معلومات المجتمع. ب - فهرس المقتنيات المتاح على الخط المباشر (Online Catalog) . جـ- نظام التراسل الإلكتروني الذي يمكن المستفيد من طلب المعلومات وطرح الأسئلة المرجعية، والحصول على الإجابات. د - دوائر معارف إلكترونية تتوافر من خلال الناشرين التجاريين. هـ- دوائر معارف محلية على الخط (آلية) تعمل على تنظيم وتكشيف الأسئلة التي قدمت وأجيب عنها. أما وظيفة الاتصال فتجعل المستفيد قادراً على الاتصال من خلال المكتبة بشبكة مكتبات إلكترونية أخرى، أو بمجهزي قواعد البيانات. وتقوم المكتبة من خلال هذه الوظيفة بدور الدليل، ووظيفة الربط (Linking) ووظيفة الإرشاد من قبل اختصاصي المراجع والمعلومات. أما الخدمات التي تتضمنها هذه الوظيفة فهي : أ - الاتصال بمنتجي المعلومات من ناشرين، وجامعات، ومراكز بحوث ... إلخ. ب- الاتصال بالتلفاز الكابلي المحلي، ويمكن للمكتبة أن تقيم محطة محلية أو أستوديو اتصال عام بنظام التلفاز الكابلي. جـ- تسهيلات للاجتماعات عن بعد سواء كان ذلك للمكتبة أو لجماعات من الجمهور العام. د - تسهيلات للربط بكل من الخدمات الببليوغرافية والمعلوماتية، وشبكات المكتبات المتاحة على الخط المباشر. هـ- إصدار الصحف والدوريات المحلية على الخط المباشر من خلال نظام الاتصال الخاص بالمكتبة. و - لوحة نشرات اجتماعية للمجتمع يتم إصدارها إلكترونياً. ز - تراسل إلكتروني بين المكتبة والمستفيد وبين أعضاء المجتمع والجهات الحكومية الأخرى. سادساً - مهام أمين المكتبة الإلكترونية : تغيرت مهام ووظائف أمين المكتبة الإلكترونية من أداء الوظائف التقليدية إلى مهام استشاري معلومات، ومدير معلومات، وموجه أبحاث، ووسيط معلومات للقيام بعمليات معالجة المعلومات وتفسيرها وترجمتها وتحليلها, وإتقان مهارات الاتصال للإجابة عن أسِئلة المستفيدين، وكذلك الارتباط ببنوك وشبكات المعلومات وممارسة تدريب المستفيدين على استخدام النظم والشبكات المتطورة، وتسهيل مهمات الباحثين. ويرى بعض الخبراء والباحثين أن المكتبة الإلكترونية ستزيد الطلب على اختصاصي المعلومات من أصحاب الخبرة والمعرفة الواسعة للقيام بالمهام الآتية(23) : 1- استشاري معلومات يعمل على مساعدة المستفيدين وتوجيههم إلى بنوك ومصادر معلومات أكثر استجابة لاحتياجاتهم. 2- تدريب المستفيدين على استخدام المصادر والنظم الإلكترونية. 3- تحليل المعلومات وتقديمها للمستفيدين. 4- إنشاء ملفات بحث وتقديمها عند الطلب للباحثين والدارسين. 5- إنشاء ملفات معلومات شخصية وتقديمها عند الحاجة. 6- البحث في مصادر غير معروفة للمستفيد وتقديم نتائج البحث. 7- مساعدة المستفيد في استثمار شبكة الإنترنت وقدراتها الضخمة في الحصول على المعلومات. ومثل هذه المهام تتطلب إعداداً خاصاً لاكتساب مهارات معينة في مواجهة التطورات السريعة والمذهلة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتقديم خدمات شاملة ومتجددة تتماشى مع روح العصر وثورة المعلومات. إن هذه التحديات الكبرى التي تواجهها المكتبات ومراكز المعلومات فرضت عليها إعادة النظر في برامجها وخدماتها، كما حتمت أيضاً على مدارس المكتبات والمعلومات تغيير وتطوير مناهجها لتواكب التطورات الحاصلة في عالم المعلومات نتيجة لاستخدام الحواسيب ووسائل الاتصال بعيدة المدى، ومن ثم العمل على إكساب خريجيها المهارات اللازمة لمواجهة هذه التحديات والتحكم في هذا الفيض الهائل من المعلومات. وقد حدد لانكستر بعض المتطلبات التأهيلية للمكتبيين للتعامل مع التقنيات الجديدة مثل المعرفة التامة بمصادر المعلومات المقروءة آلياً، وكيفية استغلالها بأكبر قدر من الفعالية، ومعرفة جيدة بسياسات وإجراءات التكشيف وبناء المكانز، وصياغة استراتيجيات البحث، ومعرفة استخدام تقنيات الاتصال، وتحقيق أقصى قدر من التفاعل في تسهيل طلبات المستفيدين(24). ويذهب سمير عثمان(25) إلى أن الوظيفة الأساسية التي يقوم بها أمين المكتبة الإلكترونية هي تحديد مكان المعلومة أو أماكنها، أو المعلومات المطلوبة منه سواء أكان طالب المعلومة رجل أعمال، أو شركة، أو باحثاً، وسواء أكانت المعلومة خاصة بمنافسة تجارية، أو تتعلق بدراسة موضوع علمي أو صناعي، أو تتعلق بتحديد خلفية بحثية لموضوع ما. ولتحقيق ذلك يستخدم أمين هذه المكتبة جميع وسائل الاتصال الإلكترونية. أما النسبة المئوية لما يجده في تعزيزات واستخدام الخط المباشر (Online) فيمكن القول إن ذلك يشكل حوالي 50٪ أو أكثر من الأعمال البحثية التي يقوم بها، فهو يقضي الكثير من وقته في تحديد نوعية الموضوع، أو الموضوعات المطلوبة منه داخل أدلة الموضوعات الموجودة على الخط المباشر أو الإنترنت. ويبدأ عمله بإجراء عمل مبدئي لمعرفة ما إذا كانت هنالك موضوعات مشابهة وأماكن وجود هذه الموضوعات في داخل الأدلة والفهارس المختلفة، وبمجرد تحديد موقع الموضوع أو مكانه يقوم بتحرير نشرة أو إصدارة بالموضوع، وعرضها في مجموعة الأخبار أو القوائم البريدية (Mailing Lists) أو الآليات الباحثة (Search Engines) أو الأدلة الموضوعية (Subject Directories) لتيسير إتاحتها للباحثين. ويفضل بعض أمناء هذه المكتبات استخدام الشبكة العنكبوتية World Wide Web. (WWW) لسهولة الملاحة فيها نسبياً للاستخدامات العامة، ولاعتبارها الشبكة الأسرع نماءً من غيرها، فضلاً عن استخدام مجموعات الأخبار والقوائم البريدية قبل الدخول في الشبكات الأخرى. سابعاً - معوقات إدخال التقنية الرقمية للمكتبات وسبل التطوير : من المشكلات التي تقف عاِئقًا أمام إدخال التقنية الرقمية للمكتبة على الوجه الأمثل المشكلات الناجمة عن قلة الخبرة في إدارة مثل هذه المشروعات، وعدم توافق برنامج المكتبة مع برنامج التشغيل، أو مع المواصفات الفنية لخادم الشبكة، فضلاً عن الصعوبات التي تكتنف نظم الاتصالات والانقطاعات المتكررة التي تسبب خسائر تلحق بكل من النظام والخدمات، ولغرض تقديم خدمات معلوماتية متكاملة، وتخطي مثل هذه المعوقات لا بد من العمل على تحقيق الآتي : 1- الاتفاق على بروتوكول موحد ومقنن يتيح مرونة الاتصال بين المكتبات ومراكز المعلومات على المستويين المحلي والعالمي. 2- إنشاء قطاع مركزي لتأمين أوعية المعلومات الرقمية والتنسيق بين المكتبات لاتباع الأسلوب الأمثل للمشاركة في استخدامها. 3- التأكيد على ضرورة التقييم الدوري خلال مراحل إنشاء النظام الرقمي. 4- الاهتمام بالتدريب الموجه للكفاءات، وإتقان الأساليب الحديثة في التخطيط والتقييم، ومعرفة استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات الحديثة. 5- تأمين حماية رقمية شاملة للنظام. 6- زيادة دعم نظم الاتصالات بين المشروع والمكتبات والمراكز المناظرة. 7- تضمين خطط المشروعات والخدمات الجديدة بوقائع وأحداث معينة عن طريق خدمات الإحاطة الجارية وإعلام المستفيدين بمثل هذه التطورات(26). ثامناً - نحو تطوير مكتبات إلكترونية عربية : مما لا شك فيه أن واقع المكتبات ومراكز المعلومات في الوطن العربي يختلف عما هو سائد في الدول المتقدمة التي تحظى فيها مؤسسات المعلومات بالرعاية، والاهتمام، والدعم المتواصل لتطويرها وتحديثها، وبناء نظم معلومات وطنية شاملة إلا أنه يمكن القول إن هناك تقدماً ملحوظاً في العديد من المكتبات ومراكز المعلومات في التحول نحو حوسبة أعمالها وإجراءاتها المكتبية، وتطوير آفاق الخدمة المكتبية لتزويد المستفيدين بمهارات البحث عن المعلومات، وتلبية الاحتياجات البحثية المتنوعة، فضلاً عن وجود العديد من المشروعات الخاصة بتنمية مجموعات هذه المكتبات وبناء شبكات المعلومات الوطنية، والدخول في النظم والبرامج التعاونية على المستوى المحلي والدولي، واستخدام التكنولوجيا المعاصرة في عمليات اختزان المعلومات واسترجاعها وبثها لشرائح مختلفة من المستفيدين والباحثين العلميين. إن نظام معلومات المكتبة العصرية يعتمد اعتماداً كبيراً على مؤهلات العاملين في المكتبة وخبراتهم، ومدى قدرتهم على التعامل مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وبذلك فإن نجاح مشاريع حوسبة المكتبات يعتمد على وجود مكتبيين على درجة عالية من التخصص، واستيعاب قدرات تكنولوجيا المعلومات. ويتصور الكثير من صنّاع القرار أن عملية حوسبة أعمال المكتبات عملية بسيطة، وأن تزويد المكتبة بمجموعة من الحواسيب يكفي لنجاح مثل هذه المشروعات، غير أن ذلك ليس سوى جزء بسيط من نظام المعلومات الحديث، وهو نظام معقد نسبياً، ويعتمد بصورة أساسية على تدريب العاملين والمستفيدين، وعلى وجود برمجيات جيدة، وموارد مكتبية كافية. يمثل الشكل رقم (4) مثل هذه الفعاليات في نظام معلومات مكتبة عصرية(27). فإذا كانت مكتباتنا العربية بمختلف أشكالها ليست بالمستوى المطلوب بشكل عام، فإن النهوض بها وتحديثها لكي تكون مكتبات حديثة متطورة على المستويات كافة يتطلب جملة من الإجراءات يمكن إيجازها بالآتي(28) : 1- تقديم تمويل حكومي مخصص لدعم وحوسبة هذه المكتبات ضمن أولويات وخطط متصلة لتحقيق أفضل النتائج. 2- إعداد البرمجيات المناسبة لحوسبة أعمال المكتبة ومقتنياتها. 3- بناء شبكات المعلومات الوطنية، وتطوير مجالات التعاون مع نظم وشبكات المعلومات العالمية في مختلف المجالات. 4- تدريب أمناء المكتبات والمعلومات لتحقيق استثمار أفضل لتكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتها في مؤسسات المعلومات، وتطوير مهارات البحث عن المعلومات، والاتصال مع المستفيدين. 5- تدريس تكنولوجيا المعلومات ومهاراتها الأساسية على مستوى المدارس الثانوية والجامعات لبناء مجتمع متقدم علمياً وتقنياً، ومن ثم محو الأمية المعلوماتية في التعامل مع التكنولوجيا وتطبيقاتها. 6- تطوير قواعد البيانات المختزنة على الأقراص المتراصة (CD-Rom) ومنح المستفيدين فرص النفاذ إلى إمكانات شبكة الإنترنت العالمية. 7- تطوير المجموعات المكتبية باستخدام مصادر المعلومات الإلكترونية كالمراجع والدوريات الإلكترونية، وخدمات التكشيف والاستخلاص بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة. 8- تأمين صيانة وتطوير البرمجيات والشبكات والتجهيزات الإلكترونية. 9- دعم الاتصال الدولي بشبكة الإنترنت. 10- عقد المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية، وإشراك العاملين في المكتبة فيها وذوي الاختصاصات العالية في حقل المعلوماتية لتطوير القدرات والكفاءات، وخلق بيئة تعليمية مناسبة. الخاتمة : ستشهد المكتبات ومراكز المعلومات في المستقبل القريب تحولاً كبيراً باتجاه التكشيف الرقمي للمعلومات، وتطوير تقنيات البث في المكتبات الإلكترونية، وإحداث تغييرات جوهرية في أنماط الخدمة المكتبية للحصول على المعلومات، وأن هناك العديد من المشروعات الريادية لمؤسسات المعلومات المختلفة لتطوير الركائز الأساسية لهذه المكتبات، وتعزيز مكانتها ودورها لدى مختلف فئات المستفيدين، وتلبية احتياجاتهم المعلوماتية في ظل التطورات المذهلة والسريعة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بعيدة المدى. وهذه المكتبات التي فرضها التطور التقني بأبعاده ومعطياته وأدواته المختلفة هي التي تبدو أكثر جاذبية وواقعية لمختلف شرائح المستفيدين، ولذا فإن مبانيها ستتنوع بتنوع تبعيتها، وأهدافها، وجمهورها، وستكون مكتبة المستقبل هي المكتبة الرقمية التي قد لا تحتاج بالفعل لمكان محسوس يأتي إليه الباحثون والدارسون، وإنما لموقع إلكتروني وتجهيزات ومعدات تقنية يستخدمها المستفيدون من مختلف المواقع والأماكن، بل أن مثل هذه المكتبات قد لا تحتاج لأن يكون مستخدمها إنساناً، وإنما قد يستخدمها نظام معلومات آخر. وهذا يعني أن هناك ظهوراً متطوراً للنظم الذكية، ومن هنا ستكون هذه المكتبات شبكة في نظم معلومات يتعاون فيها الإنسان والآلة(29). ويعتمد الاستخدام الأمثل للمكتبة الإلكترونية على القدرة الاتصالية، وتوافر المقتنيات الإلكترونية، والقدرة الاستخدامية لتلبية احتياجات الباحث العلمية والاهتمام بإعداد أمناء المكتبات الإلكترونية لإنجاز المهام والوظائف الأساسية الملقاة على عاتقهم في مساعدة المستفيدين، وابتكار أساليب جديدة للارتقاء برسالة المكتبة، وحل المشكلات والإجابة عن استفسارات الباحثين. وفي هذا الجانب شرع العديد من المكتبات الأكاديمية في الدول المتقدمة بإنشاء معاهد للتدريب على المكتبات الرقمية، وكيفية إنشائهـا والربط فيما بينها بهدف تكامل الخدمات والبرامج المرتبطة باحتياجات المستفيدين. ومن بين تلك المكتبات مكتبة جامعة كاليفورنيا – بيركلي، بولاية كاليفورنيا التي أنشأت معهداً في عام 1996م يتلقى فيه المتدربون برنامجاً للمكتبة الرقمية، وطبيعة مقتنياتها، والنصوص الفائقة، والتصوير الرقمي، والتعرف إلى التقنيات المتاحة واستخدامها وتقييم المشروعات المقدمة من المتدربين وتقييم فعاليات المعهد في مثل هذه النشاطات(30). وتأسيساً على ما تقدم فإن المستقبل سيكون لمثل هذه المكتبات التي توظف التكنولوجيا وتطبيقاتها المختلفة، وتطور من خدماتها وبرامجها وموظفيها بما يواكب التطورات التقنية والعلمية، والتغيرات في مهنة المكتبات والمعلومات، والتكيف مع متطلبات مجتمع المعلومات، بعد أن أصبح استخدام المعلومات بأشكالها الإلكترونية واقعاً حتمياً يلج ويقتحم عالم مؤسسات المعلومات. وإذا كانت مصادر المعلومات الورقية ستظل تتعايش مع مصادر المعلومات الإلكترونية إلا أن الأخيرة ستكون هي المتفوقة والمهيمنة في المستقبل في ظل الزحف الإلكتروني المتنامي والشبكات المتطورة.

 

 

papersproducts

إيفا لايف

  • Currently 262/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
78 تصويتات / 4266 مشاهدة

ساحة النقاش

شركة إيفا لايف

papersproducts
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

422,709