تطور مفهوم ودراسة علم المناخ
1- مفهوم علم المناخ :
تركز جغرافية الطقس والمناخ على دراسة العناصر والظواهر التي تحدث في الغلاف الجوي وطبيعة العلاقة القائمة بينهما ، فضلاً عن التاثير المتبادل الذي تعكسه على خصائص وعناصر البيئة بشكل عام والانسان بشكل خاص ، وهذا ما دفع الانسان الى دراسة تلك العناصر والظواهر فيها بحيث اصبح الفصل بينهما امراً في غاية ً من الصعوبة ، إذ أنهما يرتبطان في العناصر اولاً ، والمكان والزمان ثانياً ، الا ان التوسع والتقدم في دراستهما اعطاهما سمة الاستقلال في التخصص والتاثير ومجال البحث ، مما يتطلب ذلك الوقوف إمام مفهومهما ومجال دراستهما .
يعد مصطلحي (( الطقس والمناخ )) مصطلحين جغرافيين متداخلين ومترابطين بعلاقات وثيقة تجمعهما العناصر الاساسية التي يتكونان منهما وهي ((الاشعاع الشمسي ، الحرارة ، الضغط الجوي ، الرياح ، الرطوبة وصور التكاثف )) ، فضلاً عما يرافقهما من ظواهر طقسية ومناخية تتكون في الغلاف الجوي ، كما يعتمد كل منهما على التسجيلات التي توفرها محطات الرصد الجوي المحلية منها والعالمية ، فضلاً عما يعتمد عليهما حالياً في مجال التنبؤ بعناصرهما ووفق طرائق التنبؤ ووقتها لحالة الجو المتوقعة لمدة قصيرة في حالة الطقس ، أم لمدة طويلة في حالة التنبؤ المناخي .
ونظراً لهذا الارتباط والتداخل في العناصر التي يتناولها كل منهما في ضمن الغلاف الجوي فقد حتم ذلك على الدارس في جغرافية الطقس والمناخ ان يدرك ما يوجد بينهما من اختلاف وتداخل في الفصول والمباحث التي تتناول دراستهما ، إذ أن الطقس يتناول ويجمع ويحلل عناصر الطقس وظواهره الجوية التي تكون على أساس علم المناخ في وقت ومدة قصيرة ، في حين تؤكد الدراسات المناخية على تلك العتاصر وظواهرها الجوية لمدة اطول وتاثير الظروف التي يتعرض لها الغلاف الجوي على عناصر المناخ وما يعكسه ذلك على الحياة الطبيعية والحيوية على سطح الارض .
يمكن ان نحدد مفهوم كل من الطقس (Weather) والمناخ (Climate) ، فالطقس:( هو حالة الجو في مكان ما من خلال مدة قصيرة قد تكون خلال اليوم الواحد او لعدة ايام والتنبؤ بحالته ) ، ويعني ذلك رصد وتحليل لعناصر الطقس وما يرافقها من ظواهر جوية كالضباب ، السحب ، العواصف الغبارية ...... وغيرها والتنبؤ بها ، إذ لم يعد الطقس كما كان عليه سابقاً مجرد إشارات لطبيعة عناصره وانما تحليل لتلك العناصر آنياً مع الاهتمام بتفسير اسباب حدوثها وتقدير ما يمكن أن تكون عليه وما يرافقها من ظواهر جوية متوقعة في الغلاف الجوي خلال الاربع وعشرين او الثمانية وأربعين ساعة المقبلة ، إذ أن لمثل هذا التنبؤ في الوقت الحاضر اهميته على حياة الانسان اليومية ، وبالشكل الذي اعطى للجغرافيين مكانة متميزة في تناولهم لعناصر المناخ عن غيرهم من المترولوجيين واللذين يتناولون مجرد رصد وقياس هذه العناصر بدون تحليل اولاً ، ولان الجغرافيين اكثر من غيرهم قدرة في التحليل والربط والتوقع او التنبؤ ثانياً .
أما المنـاخ (Climate) فقد تعددت المفاهيم عنه ،هناك من يحدده بأنه مجموع المتوسطات أو المعدلات الشهرية او الفصلية والسنوية لكل جانب من جوانب الطقس ، بما فيها التغيرات الحالية او المتوقعة لمساحة واسعة ولعدد من السنوات ن وهو بذلك يبحث شخصية الطقس او سلوكه العام الذي يسود في كل شهر من اشهر السنة خلال سنوات الرصد ، وباختصار فانه حالة الطقس بعناصره المختلفة ، في حين حدد له مفهوماً اوسع يتضمن بانه ((الحالة العامة للغلاف الجوي في منطقة ما لفترة طويلة قد تزيد عن شهر من الشهور او فصل واحد او حالة الغلاف الجوي الدائمية )) . كما تضمن هذا التعريف تفاصيل عديدة عن عناصر المناخ ( الاشعاع الشمسي ، الحرارة ، الضغط الجوي، الرياح ، الرطوبة ، التساقط ، الكتل الهوائية ... وغيرها ) ، كما يضاف الى ذلك الظواهر المناخية التي تتكون في الغلاف الجوي كالضباب، السحب والعواصف الترابية والعلاقة والتباين بين عناصر المناخ محلياً او اقليمياً .
ويمكن أن نتتبع تعريف علم المناخ عند المتخصصين فيه ، اذ عرفه عالم المناخ (( تريوارثا )) بانه (( مجموع معدل حالة الجو بعناصره المختلفة )) ، ويؤكد (( توماس بلير Thomas Blair )) في مؤلَفَه (علم المناخ ) بان المناخ يمثل (( جميع التغيرات التي تطرأ على عناصر الطقس من يوم الى اخر )) ، ويعرفه (( جرفت ودرسكول )) بانه (( تركيب حالة الطقس ، وبانه اكثر من معدل حالة الطقس ، بل يتعداه الى التباين في قيم العناصر وتوزيعها )) اما العالم ((اوليفر )) فيعرفه على أنه (( مجموع حالات الطقس )) .
ويعرفه (( نعمان شحاده )) بانه (( الخصائص الرئيسية المميزة لحالة الجو في منطقة معينة ولمدة طويلة )) كما ورد في (( الانسكلوبيديا المناخية )) تحديداً للمناخ على انه : (( معدل الحالة الفيزيائية للجو مع الاختلافات الاحصائية في الوقت والمكان )) ، ووفقاً لما تقدم اعلاه فان المناخ يعني : ((حالة الغلاف الجوي من حيث الاشعاع الشمسي ، الحرارة ، الضغط الجوي، الرياح ، الرطوبة والتساقط وصوره لمساحة واسعة من الارض ولعدد من الاشهر او السنوات )) ، وهذا المفهوم يعطينا صورة واضحة عن عناصر الطقس خلال اليوم او الايام والتي تجمع لترسم لنا طبيعة وخصائص المناخ للمنطقة المدروسة وبالشكل الذي لايمكن للمناخ ان يستغني عن تسجيلات الطقس والتي توفر للمهتم في المناخ تفسير وتحليل ما يرافق عناصر المناخ من هذه من ظواهر جوية واحوال مناخية يمكن ان نستنتج منها التنبؤ او التوقعات المستقبلية للمناخ ، من هنا ظهرت اهمية دراسة الظروف الجوية سواء اكانت طقسية ام مناخية في جغرافية الطقس والمناخ ، اذ ان من يهتم بدراسة المناخ يعتمد على ما توصل اليه دارس الطقس من معلومات عن التغيرات الجوية لعناصر الطقس والتي توفر له امكانية التحليل واظهار الاختلاف والتباين في توزيع الظواهر الجغرافية وايجاد العلاقة بينهما واستخراج المتوسطات الشهرية والسنوية لهذه العناصر لمدة لاتقل عن (30 سنة ) واعطاء صورة كاملة لحالة المناخ لاي منطقة على سطح الارض وما يمكن ان يكون عليه المناخ مستقبلا ً، اذ ان جميع الظواهر الطبيعية والبشرية توجد ، تنمو ، تتطور، وتزول تحت مظلة المناخ .
2- التطور التاريخي لدراسة علم الطقس والمناخ :
نظراً لان جميع الظواهر الطبيعية والبشرية التي وجدت على سطح الارض تتاثر بما يحدث من تغيرات في الغلاف الجوي والتي هي أساسا تمثل عناصر الطقس والمناخ ، فقد دفع ذلك بالإنسان الذي هو احد واهم مفردات عناصر البيئة الى الاهتمام بتلك التغيرات لما تعكسه من تاثيرات على حياته وأنشطته المختلفة ، حيث لا يوجد أيّ مفصل من مفاصل حياته لا يتاثر بتلك التغيرات سواء بشكل مباشر او غير مباشر .
ويرجع اهتمام الإنسان بالظواهر الجوية منذ ان وجد على سطح الأرض، اذ كان الانسان في بداية مراحل حياته الاولى اكثر احساساً بالتاثير المباشر لظواهر الطقس اليومية لانه كان بدائياً يخضع خضوعاً مباشراً في جوانب حياته ( المأكل ، الملبس والمأوى )، مما دفعه ذلك الى التفكير فيما يحيط به من تلك المؤثرات ويعطيها تفسيراً يتناسب وعقليته البدائية البسيطة وبالشكل الذي ارجعها الى قوى طبيعية والى ارادة الالهة لانها تقع خارج إرادته ، مما دفعه ذلك إلى عبادتها ، فأقام لها الطقوس والقرابين وأعطى لعدد من الظاهرات تسميات منها ( آله الشمس رع Ra ) و (آله قرص الشمس آتون)، وهو المسؤول في نظره عن سقوط أشعة الشمس على سطح الارض وبعث الحياة في كل الكائنات الحية .
وأعتقد السكان القدامى من الفراعنة ايضاً بان الاله ( بورياس آله الرياح) هو المسؤول عن هبوب الرياح ، وان الاله (بلوفيوس) هو آله المطر عند الرومان ، والإله ( ثور ) هو آله الرعد عند القبائل في شمال أوربا من الاسكندنافيين . كما ذكرت تسميات للآلهة ارتبطت بتاثير الظواهر التي تحدث في الغلاف الجوي منها ماورد عند سكان العراق مثل (آنليل ) والذي يمثل لديهم الهواء والجو والظواهر المتعلقة بهما حتى انهم اطلقوا عليه ( سيد الهواء ) او ( الرب الهواء ) ، والآله (آنور) للسماء ، والآله ( سين ) للقمر والآله ( شمس ) الذي اطلق على الشمس .
وأستمر اهتمام السكان بالظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي والتي هي اساساً انعكاساً لما تتعرض له عناصر الطقس والمناخ من تغيرات خاصة بعد ان استقروا وازداد عددهم وبشكل اسهم في بروز الملامح الحضارية ، حيث بدأ النتاج الفكري الجغرافي في هذا الجانب يتبلور من خلال الربط بين هذه الظواهر تحليلاً وتفسيراً وحتى توقعاً ، وكان للصينيون دوراً بارزاً في هذا المجال ، اذ تعد الشعوب الصينية من اقدم الشعوب التي اهتمت بملاحظة الجو وظواهره نظراً لممارستهم الزراعة التي ترتبط بما يحدث من تغيرات جوية ، اما الاغريق والرومان فقد كانوا يؤمنون إيماناً مطلقاً بالظواهر الجوية وتاثيرها مما دفع بهم إلى التفكير بها والنظر لها بنظرة واقعية.
وكانت المحولات الأولى في هذا الجانب للعالم ( أبو قراط ) في كتابه الذي كان تحت عنوان ( الهواء والماء والاماكنAir , Water and Places ) وذلك عام ( 400 ق.م) ، كما يعد كتاب ( هيرودوت) وهو ( تاريخ الطقس والرياح الموسمية ) والذي ألفه عام ( 440 ق.م ) اول كتاب وصف فيه الظروف الجوية ، حيث ذكر فيه (( ان اعصاراً مصحوباً بوابل من المطر مرَّ على ( طيبة ) في مصر فدمر مزارعها ومبانيها )) ، كما يعد ( ارسطو ) من اعظم من تناول هذه الجوانب وكتب عنها في مؤلفه المشهور ( المترولوجيا ) عام ( 350 ق.م ) وفيه درس الظواهر الجوية دراسة منطقية وواقعية ، وقام ( بارميندس ) عام ( 500 ق.م ) بتقسيم العالم الى ثلاثة اقاليم هي : ( Torrid ) او التي اسماها المنطقة المحروقة والتي تقابل المنطقة الاستوائية وهي في اعتقاده خالية من السكان لارتفاع حرارتها ، والمنطقة الثانية هي ( Tempenate ) المعتدلة ، والمنطقة الثالثة Fungid وهي الشديدة البرودة والتي حدودها شمال المنطقة المسكونة والتي تتميز بان سكانها يختلفون عن البشر واطلق عليهم ( بالمتوحشين ) ، وان ارسطو وغيره من الباحثين في ذلك الوقت كان ينقصهم الأجهزة لقياس عناصر الطقس والمناخ ، ولهذا كانت اراؤهم ونظرياتهم تفتقر الى التحصين والبراهين .
ونظراً لان العرب أكثر شعوب العالم تاثراً بتاثيرات البيئة الطبيعية وفي مقدمتها خصائصها الطقسية والمناخية ، وهذا ما دفعهم الى الاهتمام بالظروف الطبيعية التي تواجه العربي في جزيرته ذات الظواهر الطقسية والمناخية القاسية ،حيث الجفاف والتقلب والتذبذب في عناصر الطقس والمناخ والذي دفعهم للتوصل الى تحديدات لم يسبقهم فيها أية مجموعة بشرية عن الرياح والامطار ومواسم سقوطها ، والذي مكنهم من التنبؤ بحالة الطقس فصول السنة الملائمة للتنقل بحيواناتهم ام للزراعة نتيجة ًلخبرتهم الطويلة بمراقبة طلوع ومغيب الشمس ، النجوم ، او ما يسمى بالغروب الكوني للمنازل القمرية، وكان العرب يحددون ذلك باسم النوء ( الجمع أنواء ) .
واسهم العلماء العرب المسلمون في تطوير المفاهيم حول الظروف الجوية ، ولم يتوقفوا عند حدود المفاهيم الاغريقية وانما تم تطويرها بالاضافات العديدة التي يمتلكونها من خلال ارثهم الجغرافي الكبير في المجالات الجوية سواء التي كانت تتم عن طريق الملاحظة المباشرة ام بالاستنتاج ، اذ كان للعرب كتابات متميزة عن الفلك والجو ، حيث ساعدهم في ذلك رحلاتهم البحرية بصفة خاصة في دراسة الدورة العامة للهواء على سطح الارض ، خاصة ًفي المحيط الهندي والذي كانت سفنهم تجوب مياهه بلا توقف خلال اشهر السنة ، استطاعوا تحديد نظام حركة واتجاه الرياح الموسمية ، وهم الذين اعطوها هذا الاسم الذي عرف فيما بعد إلى مصطلح (Monsoons ) ، كما انهم اول من اطلق تسمية ( الطوفان ) على الاعاصير المدارية التي كانت تحدث في المحيط الهندي وبحر العرب والتي تعرف حالياً بـ( التايفون Typhoon ) .
وتعد الكتابات التي وردت عند ( المسعودي وأخوان الصفا والقزويني والادريسي) وغيرهم قد تناولت ولاول مرة الظروف الطقسية والمناخية والعوامل المؤثرة عليها ، فضلاً عن مساهمتهم في إعطاء تفسير لتلك الظواهر، فقد ورد عن (المسعودي ) في كتابه (( مروج الذهب )) اشارات عديدة وواضحة عن الرياح ن فقد حدد اتجاهاتها وانواعها وشدتها ، كما أنه ربط بين مواعيد هبوبها وما يرافق ذلك من عواصف او زوابع في الخليج العربي والبحر العربي والمحيط الهندي ، كما في قوله : ((ومن الرياح ما يكون مهبه من النجم دون ما يظهر من قصر البحر ، ولكن من يركب البحر من الناس كبحر النيل وبحر العرب وبحر الهند وبحر اليمن وبحر قلزم ارياح يعرفونها في اوقات تكون فيها مهابها )) ، وهذا يعد طفرة في علم الطقس والمناخ .
كما حدد المسعودي العوامل المؤثرة في المناخ حيث ورد عنه (( قد تختلف قوى الارضين وفعلهما في الابدان لثلاثة اسباب ، كمية الهواء التي فيها ، وكمية الاشجار ، وكذلك مقدار ارتفاعها وانخفاضها ، فالارض التي فيها مياه كثيرة ترطب الابدان ، والارض العادمة للمياه تجففها ، واما اختلاف كونها من قبل الاشجار ، فان الارض الكثيرة الاشجار تقوم الاشجار التي فيها مقام السترة ، والارض المكشوفة من الاشجار العادمة لها حالها عكس حال الارض كثيرة الاشجار ، واما اختلاف قواها من قبل مقدار علوها وانخفاضها فان الارض العالية المشرفة فسيحة والارض الفسيحة المنخفضة العميقة حارة)) ، وهذا التوضيح للعوامل المؤثرة قريب الى حد ما لما يتم تناوله حالياً، كما تمكن بطريقة علمية من اظهار العلاقة بين جبال الهملايا وتاثيراتها على مسارات الرياح الموسمية وسقوط الامطار .
وبجانب المسعودي فقد حدد ( أخوان الصفا ) اثار وافكار عن الطقس والمناخ لم يتناولها أحد من قبلهم ، فقد لاحظوا حرارة الغلاف الجوي نتيجة لانعكاس اشعة الشمس ، وان تحول الاراضي المزروعة الى صحاري هو بفعل الحرارة، كما تناولوا التساقط تكويناً وتفسيراً بقولهم (( اذا ارتفعت البخارات في الهواء وتدافع الهواء الى الجهات ، ويكون تدافعه الى جهة اكثر من جهة ، ويكون من قدام له جبال شامخة مانعة ، ومن فوق له برد الزمهرير مانع ، ومن اسفل مادة البخارين متصلة فلا يزال البخاران يكثران ويغلظان في الهواء، وتتداخل اجزاء البخار وتظم اجزاء البخار الرطب بعضها الى بعض وصار ماكان دخاناً يابساً ماء ونداء ، ثم تلتم الاجزاء المائية بعضها الى بعض، فان كان صعود ذلك البخار الرطب بالليل والهواء شديد البرودة منع ذلك من تصاعد البخار في الهواء قليلاً ، واذا عرض لها البرد صارت سحاباً رقيقاً )) ، واذاما تمعنا في ذلك لوجدنا بأنهم تتبعوا تكون صور التكاثف، بخار، تكون السحب ، سقوط الامطار وهذا اقرب الى واقع المعرفة التي تعلل وتوضح صور التكاثف ، كما اعطوا وصفاً لطبقات الجو وقسموها الى ثلاث طبقات اعلاها واكثرها حرارة (الاثير ) ، واوسطها قارسة البرودة واسموها (الزمهرير) ، والطبقة الدنيا القريبة من الارض واسموها بـ ( النسيم ) ، كما حددوا سمك الغلاف الجوي بـ( 12 كم ) معتمدين على حسابات هندسية وفلكية ، وتوصل إخوان الصفا إلى أن الأرض لا تسخن من الاشعاع الشمسي فقط وانما من الاشعاع الأرضي أيضا .
وأضاف ( القلقشندي ) آراء عن الأحوال المناخية من خلال إشارته إلى خط الاستواء وتصنيفه الأرض ، فضلاً عن ما أشار إليه في أسباب حدوث الرياح وأنواعها والى السحاب وكونه بخاراً متصاعداً من الأرض يرتفع من الطبقة الحارة إلى الطبقة الباردة فيثقل ويتكاثف فيصير سحاباً ، ووصف الرعد بأنه حدوث صوت هائل يسمع من السحاب ، وأن البرق ضياء يخرج من أطراف السحب ، ولم يترك ظاهرة من ظواهر التساقط إلا وأشار إليها .
ويعد ( أبن حوقل ) أول من فند نظرية اليونانيين عن المنطقة الاستوائية والتي وصفوها بالمنطقة المحروقة غير المسكونة ، إذ أكد بوجود السكان فيها بعد ان اجتاز خط الاستواء ، حيث وجد عدد كبير من الناس في مثل هذه المناطق . ووضع العالم ( الادريسي ) أول تقسيم للأرض ، إذ قسمها إلى سبع اقاليم مناخية على شكل احزمة مستطيلة افقية تبدأ في خط الاستواء وموازية له، وجعل بداياتها من الغرب الى الشرق . كما قسم ( المقدسي ) العالم سنة (985م) إلى ( 14 اقليماً مناخياً ) ، واضاف الى العوامل التي كانت سائدة عند اليونانيين عامل جديد هو الموقع بالنسبة لليابس والماء ، حيث اكد ومن خلال ملاحظاته بان السواحل الشرقية للقارات اكثر مطراً وحرارة من السواحل الغربية ، وهذا ما اكده العالم ( همبولت Humboldt ) بعد أكثر من (800 سنة ) .
فضلا ًعن ذلك فقد تضمنت مقدمة ( ابن خلدون ) حقائق علمية عن عناصر المناخ وتاثيراتها ، اذ ربط بين المناخ وعادات الشعوب وتقاليدهم وانشطتهم المختلفة ، والتي هي انعكاساً لتاثير الظروف الجوية ، وبذلك عُد ابن خلدون من اوائل من اكد على الحتم البيئي . كما تمكن العلماء العرب في القرن الحادي عشر الميلادي بتقدير سمك الغلاف الجوي بنحو ( 92 كم ) معتمدين في ذلك على طول المدة التي يمكثها الشفق فوق الأفق ن كما تمكن عدداً منهم خلال هذه الفترة التاريخية من إعطاء وصف كامل للظواهر الجوية كالرياح وتأثيرها على حركة الملاحة والأمواج والتيارات البحرية وحركة المد والجزر، وقد ورد وصف عن الرياح والتيارات والعواصف التي تحدث في المحيط الهندي في مؤلف ( ابن ماجد ) والمعروف بـ( الفوائد في أصول علم البحار والقواعد ) وفي ( الرسالة البحرية ) .
وتطورت الدراسات الطقسية والمناخية مع النهضة الأوربية والتي رافقها نقل الكتب والمؤلفات العربية وترجمتها اولاً ، فضلا ًعن اختراع الآلات والأجهزة التي توفر إمكانيات رصد عناصر الطقس والمناخ والظواهر الجوية ثانياً ، بحيث بدأت هذه الدراسات تخطو خطوات واسعة وسريعة .
وانتقل الإنسان من مرحلة الوصف لعناصر الطقس والمناخ والظواهر الجوية إلى مرحلة القياسات المباشرة بعد توفر أجهزة القياس هذه والتي تم اختراعها ووفق ما يلي :
<!--استطاع العالم جاليلو Galileo عام ( 1593 )م من اختراع الثرمومتر Thermometer لقياس درجة الحرارة .
<!--تمكن العالم تورشلي Evan gelisra Torricelli عام (1643)م من اختراع جهاز الباروميتر Barometer والذي اخذ يستعمل في قياس الضغط الجوي .
<!--أنشأت عام ( 1664) م أول محطة رصد في باريس والتي تحتفظ الآن باطول مدة لتسجيل الحرارة في العالم ، ثم أعقبتها تأسيس محطات رصد في ايطاليا وألمانيا وبريطانيا وروسيا .
<!--في عام ( 1667 )م تمكن العالم (هوك) من اختراع مقياساً لقياس سرع الرياح .
<!--عام ( 1668)م تمكن العالم (آدموند هالي) Edmund Halley من اكتشاف ما يؤكد قاعدة باسكال حول الضغط الجوي والتي عرفت بخلايا (هادلي ) ، ووصف فيها الدورة العامة للرياح The general circulation والتي ركز فيها على الرياح التجارية والموسمية .
<!-- وتمكن العالمين (فهرنهايت) والعالم (سيليز) Fahrenheit عام (1714)م و Calicoes عام ( 1715 )م من وضع المقياسين الفهرنهايتي والمئوي ( سيلز ) ، واللذان سميا باسميهما.
<!-- في ( 1783- 1784 )م تمكن (بنجامين فرانكلين) من التوصل إلى ان انظمة الطقس في امريكا الشمالية تتحرك من الغرب الى الشرق .
<!--عام ( 1783 )م وضع العالم (دي سواسور) مقياس درجة الرطوبة Hygromete .
<!--عام ( 1787 )م ظهر مقياس المطر Rain gage والذي تمكن من خلاله توفير احصاءات واقعية عن المطر .
<!--عام ( 1806 )م وضع العالم (فرانسيو بيوفورت) تصنيف سرع الرياح.
<!--عام ( 1845)م تمكن العالم (بيرجهاوس) Burghous من وضع أول خريطة للامطار .
<!--عام ( 1854 )م ظهرت الى الوجود اول محطة للارصاد الجوية في بريطانيا والتي اخذت على عاتقها جمع البيانات الجوية عن الدول المجاورة وتسجيلها يومياً والتي اقتصرت على طبقات الجو السفلى .
<!--استطاع العالم (اسبي)Espy من توضيح حركة وتطور العواصف والكتل الهوائية . واوجد العالم (كوريولس) Caspard Coriolis ما يعرف بقوة كوريولس وهي : ( تنحرف الرياح الى يمين اتجاهها في النصف الشمالي والى يسار اتجاهها في النصف الجنوبي ، والذي ربط فيه بين اختلاف الضغط الجوي واتجاه الرياح نتيجة لدوران الأرض من الغرب إلى الشرق .
<!--عام ( 1857 ) م اكتشف العالم (بايز – بايلوت) Buys – Ballot قانونه المعروف حول سرع واتجاه الرياح حسب قيم الضغط الجوي .
<!--عام ( 1860 )م بدأ العالم (روبرت فيرو ري) بدراسة المناخ في انكلترا ، وبدات توقعاته عن حالة الطقس وانتشارها .
<!--وتمكن العالم (دوف Dove) ايضاً عام ( 1862 )م من وضع خريطة مثل فيها المعدلات الشهرية للحرارة في العالم ، كما يعد بانه اول من حدد مفهوم الكتل الهوائية Air masses وتاثيرها على الخصائص المناخية ، فضلاً عن دوره الكبير في وضع معادلة رياضية للموازنة الاشعاعية Radiation Budget ، وفي نفس العام وضع العالم رينو Renou خريطة للتوزيعات الضغطية في غرب اوربا .
وبالرغم من التطور الذي رافق جوانب متعددة من الدراسات المناخية الا ان هذا التطور كان يسير ببطء شديد بسبب قلة البيانات المناخية عن طبقات الجو العليا ولعدم وجود اسس نظرية كافية لتطور العلم ، ويعد ( دليل المترولوجيا ) اقدم كتاب كلاسيكي في العصر الحديث يعالج المناخ باسلوب وصفي ، وهو يتكون من ثلاثة اجزاء : تناول الجزء الاول ( المناخ العام ) ، في حين ركز الجزئين الثاني والثالث على ( المناخ الاقليمي ) . وظهر الكتاب مرة اخرى باسم (( اطلس الميترولوجيا )) للمؤلفين ( بارثلوميو و هربرتسون). اما خلال القرن العشرين فقد تطورت الدراسات الطقسية والمناخية بشكل سريع تماشى مع التطور العلمي والتكنولوجي الذي شهده العالم والذي تمثل بظهور المدارس على يد عدد من العلماء ومنهم ( بيركنز Berkenze ) الذي اسس مدرسة بيركن Berken بعد الحرب العالمية الاولى عام ( 1917 )م في تحليل خرائط الطقس وتفسير الامواج Waves والدوامات الهوائية ، واسس شبكة كثيفة من محطات الرصد جنوب النروج ، وتمكن من اكتشاف الجبهة الدافئة Warm Front والجبهة القطبية Polar Front بين سنتي ( 1918 و 1919 )م واثرهما في تطور المنخفضات الجوية وتاثيراتها ، وتمكن بعد ذلك العالم ( بيرجرن Bergeron )الذي اكتشف جبهة الامتلاء Eclouded Front في المنخفضات الجوية . وتعد الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين من الفترات التي شهدت تطوراً في الدراسات الطقسية والمناخية لحاجة الدول الى ذلك ، فقد اهتمت الحكومات والعلماء والباحثين في ذلك لحاجتها في الطيران المدني والعسكري فازداد استعمال البالونات والطائرات والاقمار الصناعية والصواريخ والمركبات الفضائية مما ادى الى تطور المعرفة العلمية عن الخصائص المناخية .
وبعد إن أدركت دول العالم أهمية التعاون في مجال الطقس والمناخ وفي دراسة الغلاف الجوي والتنبؤات الجوية ، لذلك بادرت إلى تأسيس المنظمة العالمية للأنواء الجوية WMO ) ) (World Meteorological organization ) عام ( 1956 )م والتي هي أكثر منظمات الأمم المتحدة نشاطاً ومقرها ( جنيف ) في سويسرا .
وحدث خلال السنوات الماضية القريبة تطورات كبيرة في دراسة الغلاف الجوي خاصة من خلال التوسع الذي شهده العالم في عدد المحطات المناخية في الخمسينيات من القرن الماضي والتي وصلت الى ( 10000 محطة ارصاد جوية ) و ( 1000 محطة جوية ) لقياس درجات الحرارة والضغط الجوي والرياح في مستويات مختلفة ، فضلاً عن وجود ( 3000 سفينة مجهزة باحدث الاجهزة المترولوجية ، كما توفرت اجهزة متطورة لقياس الاشعاع الشمسي وجمع المعلومات عن طبقات الغلاف الجوي ونقلها الى محطات الارصاد الجوية وتصنيفها ووضعها بشكل خرائط للطقسWeather Maps تعرف باسم ( Synoptic Chat ) والتي توفر معلومات عن الظروف الطقسية التي يمكن من خلالها التنبؤ بحالات الطقس المتوقعة .
كما شهد العالم تطوراً في صناعة الاقمار الاصطناعية والتي لها دورها الكبير والمميز في تطور الدراسات الطقسية والمناخية ، حيث اطلق اول قمر اصطناعي ( تيروس Tiros ) للرصد الجوي في عام ( 1960 )م وقد احدث طفرة هائلة في مجال مراقبة الطبقات الجوية وما يحدث فيها وارسال ذلك الى محطات المراقبة الارضية ، وازدادت مساحة المناطق التي يتم رصدها ، والعناصر المناخية التي يتم قياسها ، وزودت الاقمار الاصطناعية ومنها قمر (NOAA-5 ) باجهزة تصوير يمكن من خلالها ارسال صور ملونة في غاية الدقة والوضوح لمساحة تصل الى ( 2000 كم2 ) كما انه يحمل آلة تصوير ليلية اخرى ( سبكتروميتر Spectrometer ) تستعمل الاشعة ما دون الحمراء لقياس درجة الحرارة في الغلاف الجوي ، وشهدت السنوات التي أعقبت ذلك وضع برامج للاقمار الاصطناعية اكثر تطوراً ، حيث توج ذلك بصناعة القمر ( نمبوس Nimbus-6 ) والذي زود باجهزة بالغة الدقة يمكن من خلالها تصوير السحب وتحت مختلف الظروف الجوية ، كما يتضمن جهازاً لرصد الاشعة دون الحمراء .
علاقة علم المناخ بالعلوم الأخرى
وجد على سطح الأرض, بالشكل الذي جعل منه والكائنات الحية وغير الحية الأخرى في البيئة ترتبط بعلاقة متينة بعناصره وجوداً ونموًا وتطوراً رغم ما أحرزه الإنسان من تقدم علمي وتكنولوجي فهو خضع ولا يزال وسيبقى خاضعا للخصائص الطقسية والمناخية.
ووفقا للعلاقة والتأثير المتبادل هذا فقد عمد الإنسان منذ القدم إلى الاهتمام ومتابعة تلك المؤثرات وخاصة ما يتعلق فيها في بداية الأمر بمصادر غذاءه وملبسه ومسكنه, وكانت بدايات للكتابة عن تلك الاهتمامات للإنسان منذ القرن الخامس الميلادي وقبل ذلك ، إذ ظهر ذلك، وكما أوضحنا في كتابات (هيرودتس) Herodotus عام 440 ق.م وتحت عنوان (تاريخ الطقس والرياح الموسمية) والذي ذكر فيه أن إعصارا مصحوبا بعواصف من الأمطار مر على مدينة (طيبة) في مصر فدمر الكثير من مبانيها, فضلا عن ما كتبه (هيبوقراط) Hippocrates عام 400 ق.م في كتابه (الهواء, الماء, الأماكن) والذي يعد أول كتاب يصف أحوال الجو وتأثيراته، ثم بدأت اهتمامات الإنسان تزداد تدريجيا في البحث عن الوسائل التي يمكن من خلالها توفير الحماية أو الوقاية للحد من تلك التأثيرات.
ونظرا للتداخل بين ما وفره ويوفره المتخصصون في علم المناخ وما توصلت إليه العلوم الأخرى وفي مقدمتها علم المترولوجية , فقد دفع ذلك عدد من المتخصصين إلى اعتبار إن علم الطقس يدخل في ضمن اختصاص المترولوجية, إلا أننا نؤكد بأن ما وصل إليه علم الطقس والمناخ من تطور لا يمنع من أن يكون اهتمام جغرافية الطقس والمناخ مستقلا عن اهتمام المترولوجيين, وذلك لان علم المترولوجيا Meteorology أو ما يطلق عليه علم الارصاد الجوية يختلف فيما يتناوله عما يتضمنه علم الطقس والمناخ, فالمترولوجيا و من اشتقاقها’ كلمة يونانية تتألف من مقطعين (Meteors) وتعني الاجواء العليا و (Logos) وتعني دراسة أو علم، ووفق هذا المفهوم فان علم المتردلوجيا يهتم بدراسة الظواهر الجوية من خلال رصد وقياس الاشعاع الشمسي والحرارة والضغط والتي هي نفس العناصر التي يتناولها علم الطقس والمناخ والتي تعرف عند المترولوجيين بعلم الارصاد التقليدي Meteorological rationale , وتدخل الاهتمامات هذه ضمن علم فيزياء الجو وحركته ومايتولد عن ذلك من أنماط وأشكال مختلفة من الظواهر الجوية.
كما تشير الدراسات في هذا الجانب إلى أن كلمة المترولوجيا وردت في كتابات أرسطو عام (350ق.م) تحت عنوان مترولوجيكا Meteorological والتي تضمنت دراسة الظواهر الجوية في نطاق الغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية, وأن علم الأرصاد الجوية لم يتبلور بشكله العلمي, الا بعد أن تم اختراع الاجهزة لرصد الظواهر الجوية وتغيراتها,ولم يصبح علما فيزيائيا حقيقيا الا خلال القرن السابع عشر الميلادي حيث ارتبط ارتباطا وثيقا بعلم الفيزياء بعد أن تبلورت القوانين الفيزياوية والرياضية والتي اعتمد عليها المترولوجيون في تحديد تلك التغيرات الجوية، وهكذا يتبين بأن المجال الذي يحظى به اهتمام علم الارصاد الجوية يتحدد بطبقتي التروبوسفير والستراتوسفير (وبسمك 55 كم تقريبا) وخاصة طبقة التربوسفير وبحدود (12 كم), وتوءكد دراسة المترولوجيا على جانبين هما: علم الارصاد الجوي الطبيعي physical meteorology والذي يتناول دراسة الجو وتركيبه, وانتقال الاشعاع الكهرومغناطيسي والامواج الصوتية في الجو وإظهار العمليات الطبيعية التي تتداخل في تشكيل السحب وتطورها والظواهر الكهربائية الجوية, وما يتعلق بفيزياء الجو, اما الجانب الثاني فيتضمن علم الارصاد الشمولي synoptic meteorology والذي يتناول الحركات الجوية وتحليلها بمقاييس كبيرة وتحديد ما يظهر في طبقات الجو للتنبؤ بها خاصة بعد أن ازدادت محطات الرصد الشمولية, كما يؤكد على دراسة الحركات الجوية في الطبقة القريبة من سطح الأرض والتي لا تتجاوز الامتار في فرع جديد فيه أطلق عليه بعلم الارصاد المكروي Micrometeorology.
ويظهر من خلال ما يتناوله علم الأرصاد الجوي الجوانب المشتركه بينه وبين علم الطقس والمناخ والذي يهتم بدراسة التغيرات التي تتم في جزء الغلاف الجوي القريب من سطح الأرض من عناصر ومكونات والتي هي نفسها التي تدخل في ضمن اهتمام المترولوجيا، ووفق ذلك فيمكن القول بأن العلاقة بين علم الطقس والمناخ وعلم الأرصاد الجوية علاقة قديمة ومتشابهة في تناولهما، لما ي
حدث من ظواهر في طبقة التروبوسفير التي يعيش فيها الإنسان والكائنات الحية الأخرى , كما أن العلمين متصلان اتصالا وثيقا في ذلك , إلا أن لكل منهما اختصاصه المحدد, فالمترولوجي كما توضح يهتم بمراقبة الجو وقياس العناصر المناخية ووضع التنبؤات بها وفقا للأرقام المجردة، في حين أن الجغرافي والمتخصص في دراسة جغرافية الطقس والمناخ يقوم بتحليل تلك البيانات والإحصاءات وإظهار العلاقات المتبادلة فيما بينها وتأثيراتها على ما يحدث في الغلاف الجوي من ظواهر ومظاهر وما تعكسه على مكونات البيئة وعناصرها وفي مقدمتها الإنسان وأنظمته المختلفة.
ويعد علم الطقس والمناخ أحد فروع الجغرافية الطبيعية الذي يتناول دراسة العناصر والمكونات والظواهر التي تؤثر على مكونات البيئة والتأثير المتبادل فيما بينها، وأنه يعتمد على المعطيات الاحصائية والقياسات التي يتناولها علم الارصاد الجوية, ولكن بطريقة تختلف عما يعتمده المتخصص في المترولوجية, إذ أن المتخصص في الطقس والمناخ يقوم بجمع تلك الاحصاءات والبيانات اولا وتحليلها وتوزيعها جغرافيا (مكانيا وزمانيا ) ثانيا, واظهار علاقتها المكانية والزمانية بفروع الجغرافية الأخرى والبيئة ومفرداتها.
وتظهر اهتمامات علم الطقس والمناخ بالظواهر الجويةً قديمة قدم الحياة نفسها، فقد حددت عناصره وخصائصه وتحدد الشكل واللون والتركيب البايولوجي والفسيولوجي والعادات والتقاليد للمجموعات البشرية والحيوانية وانظمتها المختلفة, ويبرز تأثير عناصر المناخ في تحديد الأوضاع والمظاهر الجيمورفولجية في البيئة, كما تظهر تلك العلاقات فيما يوجد من تباين واختلاف في طبيعة التكوين بين البيئات على سطح الأرض وفقا لخصائصها المناخية, ويمكن توضيح ذلك وفق ما يأتي:
<!--الخصائص الطقسية والمناخية والإنسان:
يظهر التأثير المباشر وغير المباشر للخصائص الطقسية والمناخية على الإنسان من خلال التباين الكبير والواضح بين المجموعات البشرية على سطح الأرض في الشكل واللون والانشطة التي تمارسها, إذ أن الظروف المناخية هي العامل الرئيسي والمحدد في اختلاف نمو جسم الإنسان وشكله, فالخصائص المناخية الحارة والرطبة حددت نمو وشكل المجموعات البشرية القصيرة القامة اولاً، وذوات اللون الاسود ثانيا, فضلا عن نشاط سريع في نمو الأجهزة والغدد في جسم الإنسان مقارنة مع المناطق ذوات الخصائص المناخية الباردة أو المعتدلة والتي حددت من طبيعة نمو عدد من الاجهزة والغدد والتي تكون اقل نشاطاً.
وتشير الدراسات في هذا الجانب إلى أن تأثير الخصائص الطقسية والمناخية ووفق ما وصل إليه العلم بأن تأثير الخصائص الطقسية والمناخية لم يقتصر على المظهر الخارجي للكائنات الحيوية وإنما في داخل أنسجتها فقد ثبت علميا بأن كل من الرئتين والقلب وعدد من اعضاء الجسم الداخلية للإنسان تتباين بين المجموعات البشرية وفقا لأختلاف تلك التأثيرات, إذ يكون حجم وتركيب كل منهما عند سكان المناطق الحارة اكبر حجما بسبب قلة الاوكسجين وزيادة نسبة بخار الماء و الرطوبة والذي يتطلب إن يكون حجم كل منهما اكبر لاستعاب كميات كبيرة من الهواء للحصول على نسبة من الاوكسجين تلبي احتياجات الجسم مقارنة مما هو عليه عند سكان المناطق الباردة والتي تكون الرئتين اقل حجما لقلة بخار الماء في الهواء اولاً زيادة نسبة الاوكسجين في الهواء ثانيا.
كما يظهر تأثير الخصائص المناخية على نشاط الإنسان وتفكيره, إذ أن الارتفاع في الحرارة واقترانه بالرطوبة يؤديان إلى الخمول والكسل وبالتالي قلة فعالية ونشاط الإنسان في مثل هذه المناطق مقارنة مع سكان المناطق المعتدلة والباردة, وهذا ما عكس ويعكس ما وصلت إليه هذه المناطق من تطور علمي كبير وسريع في النصف الشمالي من الكرة الأرضية والذي رافقه استغلال كبير للمصادر الطبيعية وبالتالي تطورها اقتصادياً مقارنة مع سكان مناطق العروض الاستوائية وشبه الاستوائية والحارة والتي لا تزال تعاني من التخلف نتيجة لخصائصها المناخية.
ويظهر تأثير الخصائص الطقسية والمناخية أيضا في تنوع مصادر الامراض والاوبئة و فيما تصاب به المجموعات البشرية من امراض وفقا لتنوع تلك الخصائص في البيئة, إذ تنتشر في المناطق الحارة والرطبة امراض عديدة كالملاريا والحمى الصفراء والتراخوما، في حين يتعرض سكان المناطق الباردة والقطبية منها خصوصا إلى الاصابة بأمراض فقر الدم (الانيميا) وعسر الهضم وليونة العظام Richest والذي يظهر عند الاسكيموبسبب النقص في قيم الاشعاع الشمسي الواصل إلى الارض في مناطقهم, أن هذا التنوع في الخصائص الطقسية والمناخية دفع بعدد من المتخصصين في علم المناخ إلى ضرورة التخصص في هذا الجانب الحيوي والمهم في حياة الإنسان، فظهر فرع مهم من فروع الجغرافية وهو الجغرافية الطبية Medical Geography , والذي يتناول هذه الجوانب للتأثيرات الطقسية والمناخية والاستفادة مما توصلت له العلوم الاخرى وفي مقدمتها علم الطب وفروعه الأخرى في ذلك, إذ يؤكد المتخصصون المناخيون على هذه الجوانب وتأثير اختلافها في انتشار الامراض والاوبئة وتوزيعها جغرافيا دون الدخول في التفاصيل، أذ أن جوانب العلاج فيترك للمخصصين في علم الطب.
<!--المناخ والزراعة:-
ترتبط الحياة النباتية الزراعية ارتباطاً وثيقاً بعناصر الطقس والمناخ نمواً ونضجاً وانتاجاً فقد تنوعت وتوزعت المحاصيل الزراعية وفقا للخصائص الطقسية والمناخية.
وتؤثر عناصر الطقس والمناخ من إشعاع شمسي, حرارة، رياح، رطوبة, وامطار, على نمو المحاصيل الزراعية بدأ من مرحلة الإنبات والنمو مروراً بالنمو الخضري والنضج وحتى الإنتاج والتسويق , فضلا عن اختلاف مواسم زراعتها, فعلى الرغم من التقدم العلمي الذي أحرزه الإنسان من تطور فيما يتعلق بجوانب العمليات الزراعية, وتوفير ظروف طقسية ومناخية اصطناعية للنمو والإنتاج, إلا أن ذلك لم يستطع من التحكم بمجمل تلك الظروف الأعلى نطاق ضيق,حيث بقيت ولازالت تلك الظروف هي المتحكم الرئيسي في المناطق التي تتطلب توسعا في المساحات المزروعة والإنتاج تلبية للزيادة المضطردة في السكان, وما يرافقه من احتياجات للمحاصيل الزراعية بشكل عام والغذائية بشكل خاص.
ويظهر التأثير للخصائص الطقسية والمناخية في نجاح أو فشل أو عدم زراعة عدد من المحاصيل الزراعية في مناطق واسعة في العالم, فلا تزال الخصائص المناخية الحارة والرطبة هي المتحكمة في عدم نجاح زراعة المحاصيل الستراتيجية وفي مقدمتها القمح, أذ أن ارتفاع الحرارة واقترانها بالرطوبة والامطار الغزيرة عوامل محددة في زراعتها, في حين عجز الانسان بالرغم مما حققه من تقدم علمي في نقل وزراعة المحاصيل المدارية (كالكاو والمطاط او الرز) إلى المناطق ذوات الخصائص الطقسية والمناخية الباردة أوالمعتدلة, كما أن زراعة عدد من المحاصيل الزراعية في غير مواسمها بقي مقتصراً على مساحة محدودة اولاً وقلة وتدني الانتاج ونوعيته ثانياً, فضلا عن ما يرافق ذلك من ارتفاع اسعارها لما تتطلبه العمليات الزراعية الصناعية ثالثا, لذلك فأن الزراعة بعملياتها المختلفة ونوع المحاصيل ونضجها وانتاجها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة الخصائص الطقسية والمناخية, وبشكل خاص في المناطق الزراعية التي تعتمد محاصيلها الزراعية على احتياجات ومتطلبات محددة من الحرارة او الري, اذ يؤدي النقص او التذبذب في قيم الامطار الساقطة إلى تعرض المساحات المزروعة إلى التناقص مساحةً وإنتاجاً, كما يحدث ذلك في أكثر المناطق الجافة وشبه الجافة في كل من قارة استراليا, الهند, شمال افريقيا, مناطق الشرق الاوسط, في حين يحدث العكس في أن تأثير المناخ في المناطق التي تتعرض لظواهر طقسية ومناخية قاسية والتي تعرض سكانها إلى المجاعات من خلال حدوث الفيضانات المدمرة والاعاصير والذي يتزامن مع زراعة المحاصيل في ضمن تلك المناطق, ووفق ذلك فأن التغيرات الطقسية والمناخية لازالت وستبقى عوامل اساسية يصعب فيها التنبؤ او التحكم بها، وبالتالي صعوبة وضع الخطط الاقتصادية الزراعية حيث لازال الانسان عاجزا في وضع الحلول الآنية والمستقبلية لما تشهده الكرة الارضية من تغيرات طقسية ومناخية.
وبالرغم مما قام به الانسان من تعديل للظروف المناخية محلياً او في استنباط فصائل وانواع لعدد من المحاصيل الزراعية تتحمل الجوانب من عناصر الطقس والمناخ, إلا أن تلك الجهود لا زالت محدودة بحكم صعوبة التحكم بها وأن تأثيراتها لا ترتبط في ضمن المكان أو المنطقة التي تزرع فيها تلك المحاصيل لتداخل العوامل المحددة للخصائص الطقسية والمناخية والتي تقع خارج حدودها.
<!--علاقة المن

