جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
.. قصة قصيرة ...
بقلم / عبدالمجيدالديّهي
...................................
******************
******************** مستنقع الوحل ******************
تـوفيـق .. شاب طمــوح .. مبتكر .. دائما متحمـس لأن يكــون متميــز
ظل يحلـم أن تأتيه آيات الــــرضا .. والقبول .. من وزارة القـوي العاملة
ليعمل في مجال تـخصـصه .. ولكــن هيهات وهيهات .. حلــم تحقيقه
أصعب من الخيال فلقد استدعته احدي الشركات التي كان قد ارسل
لها السيرة الذاتية لكي يعمل بها في مــدينة القاهـرة .. تلك المدينة
التي تعج بأهلها وتئن من كثرة الزحام .. روادها كثيــرون .. وضـيــوفها
أكثر .. يأتي إليها الناس من كل مكان يتلمسون العمل .. في أي مجال
والبعض يأتي لقضاء مصالحه في دوواين الوزارات الحكومية التي تسكن
في عمق رحمها من الداخل .. شق توفيق طــريقه في هــدوء معهود
متعجبا من كثــرة الــزحام .. اول مـــرة له يزورفيها تلك المدينة الكبيرة
القاهـرة .. العاصمة .. راح يبحلق في وجوه كل من يقابله في صمت ..
وشــــرود .. يــري وجوها عابسة .. ووجوها يائسة .. ووجوها مبتسمة
ضاحكة .. متناقضات .. غــريبة عجيبة تعتلي الـــوجوه .. همس لنفسه
ساخــــرا ماليّ وهؤلاء .. والدي عليه رحمة الله كان دائما يحدثني عن
القاهـــــرة وزحامها وتــوقــع ليّ العمل بها كان يـقــول العمل شقاء ..
ومعاناة .. لمن يعمل بهذه المـــدينة وســوف تعمل وتري هذا يا توفيق
في يوم .. ما .. تري هل كان مكشــــــوف عنه الحجاب اغروقت عيناه
بالدموع .. احس بحنين الشوق لأن يراه والـده .. موظف .. كبير يجلس
علي مكتب فخم ضخم ومن حوله الموظفين المسئــول هـــو عنهم ..
من،،ذ أن تخــرج من جامعته وهــو يحلم أن يعمل ويتربع علي عــرش
وظيفته .. الميري الحكومية .. هـــــــــز رأسه متألما .. لايهم .. لايهم
حكومية أو غيــر حكومية .. أي عمل والسلام .. الحياة كما قال والدي
شقاء ومعاناة .. تبسم في نفسه .. لكنه شقاء ممتع وجميل .. وهو
يــريده ويسعي اليه وهاهي الفرصة قد جائته علي طبق من ذهب ..
ولن يضيعها .. وما عليه إلا أن يتعاقــــــدمع أي شركة لكي تبدأ عجلة
الحياة التي يتمناها في الدوران إلي الأمام .. وصل توفيق إلي مقــــر
الشركة ووقع بخط قلمه الحبـر الجــديــد الـــذي اشتراه خصيصا لذلك
أول توقيع له بدفتر الحضور .. ورقصت الفرحة بين جوانحه عندما عــرف
أن الراتب والمقابل المادي الــذي ســـوف يتقاضاه عند نهاية كل شهر
راتب مغري ويكفي لأن يوفر منه ما يستطيع أن يجد به .. سكن وشقة
واسعة بِرِحَة .. تقطن في مكان هادئ .. راقي .. لأنه يعشق الهــــدوء
ويتمني أن يعيــش وزوجته في هـــــدوء تام أتم من الهدوء ذاته .. وبدأ
توفيق يطــور من نفسه في العمل ويبتكـر أفكارا جــديــدة وجيــدة في
علم الجيلوجيا وأبحاث التربة وطبيعة تكوين طبقات الأرض ونجح نجاحا
منقطع النظير وحصل علي ترقيات سريعة أكبر من سنه .. وفي أحــد
الأيام قـرر توفيق الزواج .. كـغـيـــره من الشباب ولكنه لايريدالزواج من
فتاة قاهرية .. لا لشيئ .. إلا لأنه فلاح .. من الأرياف .. يعشـق رائحة
القــرية التي لـم يخرج قط منها وعاش فيها وتربي بيـن أهلها الطيبين
ويجب أن يختار زوجته عن طـريق أسـرته .. وعائلته .. هكذا هي أصول
الفلاحين .. وهو ليـس بدعا من الشباب من أهل جيله بالقرية كما قال
له صديقه إبراهيم ذلك ذات مــرة .. وهـو لن يحيد عن ذلك قيد أنملة ..
طلب تــوفـيق من عمه مصطفي درويــش أن يختار له فتاة بنت حلال
وتكــون ذات جمال ودلال .. لايهــم المال ..الـمـهــــم عنده الأخلاق ..
والجمال .. وتتحلّي بالحياء .. لتكـــــون له زوجة .. تحمل إسمه وتكون
أم صالحة لأولاده .. ووقـــــع الإختيار علي .. منال .. بنت الحاج لطفي
رضــوان .. رجل يشهد له الجميع بالطيبة وحسـن السـمـعـة .. وإبنته
فتاة تتـزين بالوقار وأدبيات الأخلاق الكـــريمة وفــوق ذلك كله حاصلة
علي قــدر طيب مــن التعليم يكفيها لأن يساعدها علي تربية أطفالها
لم يتردد توفيق وتــزوج مــن منال في أسرع من الـبـــرق الخاطف لأن
ظـروف عمله لاتقتضي التأخير أو التأجيل وإصطحبها معه إلي القاهرة
والفـــرحة والسعادة تـتـــراقـص في خلجات نفسه .ولم تكن منال قد
ذهبت هي الأخري من قبل إلي القاهرة .. كانت تنظـر في عجب إلي
الشـــوارع الواسعة التي تكتظ بأنوار مبهجة مبهرة كأنها زينت خصيصا
لها كعروسة .. وعاشت منال في سعادة مــــع تــوفيق .. تــذهب كل
مساء بــرفقته في نــزهة شيقة علي شاطئ نهر النيل الــذي يشق
المدينة الكبــــري بمياهه العذبة النقية التي تتلألأ علي صفحة ميهه
أنوار لمبات الإضاءة التي تشــع من أعمدة الإنارة المنتشرة بين أفرع
الأشجار الخضراء علي شاطئ النهــر .. كانت منال تتلذذ .. وتوفيق ..
بطعم التــرمس المملح بالليمـون ذي النكهة القلوية اللذيذة .. وتنهي
رحلتها كل يوم بتناول كوب من .. حـمص الشام .. الدافئ المضاف إليه
توابل الشطة والكمون والذي ينعش الــــدماء في عــروق القلب الـذي
يشعر ببرودة ليل فصل الشتاء .. عاشت منال أيام جميلة .. وتـوفـيـق..
زوجها صعد بسرعة الصاروخ السلم الوظيفي في عمله بالشـــــركة ..
وتــرقيّ .. وأصبح هو المسئول الأول والأوحد عن اللإشراف العام علي
جميع فروع الشركة في مدن عواصم المحافظات شرقا وغربا وفي مدن
أقاصي جنوب الوادي في الصعيد الجواني لمصر .. المحروسة .. وأهمل
البيت .. ومنال .. وشغلته وظيفته الجديـدة .. واهمل حق زوجته .. منال
تركها تعاني لوعة الفراق .. وهو الذي قد عودها علي اللقاء بين أحضانه
في مـساء الليل الطويل .. وأصبحت منال تقاسي أنين الوحدة والحرمان
ولا تخرج من بيتها إلا لشراء إحتياجات البيت ولوازم طفلها الصغيروتعلقت
العواطف الجياشة لـ منال بمعزوفة الحنين الجارف للقاء العاصف الساخن
الذي حرمها منه .. عمل .. زوجها توفيق .. خاصة عندما تقف أمام المرآة
تصـفـف شـعــــرها الناعم المستــرسل بعد أخذ حمام دافئ من المياه
الساخنة المتساقطة فوق جســــدها كحبات لــؤلــؤ ناعمة تتهادي في
حنان جم تتحسس مسام جلد جسدها لتشعل الرغبة المكبوته النائمة
بين خلايا دواخلها .. لعن الله الفراق .. كثيـرا ما وقفت منال أمام المــرآة
متأملة متألمة .. ناظرة إلي خريطة تضاريس جسدها الأبيض البض الذي
رحلت عنه لوعة معانقة الشــــوق الساكن في أعمق أعماقها .. وهناك
في الصمت والسكون .. يتلصص عليها في هدوء .. ثعلب الصحراء الماكر
سعد إبن الجيران شاب في مقتبل العمـر .. مفتول العضلات .. لايمارس
أي لعبة رياضية .. ولايخرج من البيت لإلا للـذهاب إلي كليته .. قابع في
غرفته .. لايخرج منها إلا للوقوف في البلكونة بالساعات يتلصص بنظراته
القاتلة علي الـجـيــران مـن بنات حــــواء .. شاب متفرس .. ومتمرس ..
ويمتلك من الإمكانيات ما يــــؤهله لأن يتلصــــص علي النســاء وخاصة
منال الــزوجة التي هجـــرها زوجها وانشغل بعمله .. راح سعد يراودها
عن نفسها عن طريق مداعبة الطفل الصغير .. وليد .. ابنها .. ولقد بلغ
الشوق مداه.. والرغبة تشتد وتقوي .. ولكنها تربت علي القيم ونشأت
علي الفضيلة والأخلاق .. ومابليــد حيلة .. اتصلت علي زوجها أكثر من
مـــرة .. ليعـــود وتعود معه أجمل اللحظات لمـعانقة الأشواق لكنه كان
دائما يتحجج لها بالإنشغال بعمله وعـــــدم تضييع الفــرصة عليه ليبني
مستقبله .. وسعــد إبــن الجيران مازال في طـــــــريقه إلي سلب لبها
إليه .. وفكر .. وقدر .. وقتل كيف قــــدر .. ثم طغي وتجبّـــر وتسلل الي
شقتها في عدم وجودها .. وزرع كاميرات تصوير وأجهزة عالية الدقة في
الصناعات الألكترونية الحديثة في حجرة نومها والحمام والأماكن الواسعة
من الشقة .. وشـاهـــد عجبا .. وقام بتسجيله بعد تصويره وكانت البداية
في المراوغة الخبيثة عن طريق عرض هذه الفيديوهات وإرسالها لها عن
طريق بلوتوث جهاز الهاتف المحمول .. مرة وهي عارية تماما كما ولدتها
أمها ومــرة وهيّ سـاكنة بيــن حشايا غطاء الفراش التي تنام فيه وهيّ
تتلوي كالحية في غبطة وسعادة لتطفئ نار الغريزة التي اشتعلت بين
خلجات نفسها ومرة في الحمام وهي تتنفس زفير نار الفراق تحت المياه
الساخنة الطافية علي سطحها رغاوات الصابون الـــــــذي يغطي مناطق
الإثارة من جسدها .. ومرات ومرات وهي مـرتدية لباس العفة في حجـرة
الصالون .. آه .. هــو الصالــون الــذي شهد أول لقاء عاصف لها مع زوجها
عنــدما كانا ســويا يشاهدون فيلم الخطايا لعنـدليب الحب والرومانسية
الـــراحل عبدالحليـــم حافظ .. انه صــورها وهي واقفة أمام المرآة عارية
تتحسس مفاتن جســــــدها وتداعب تضاريس خصوصيات مناطق الإثارة
ووهج نار الشـــوق تشـع نارا من عينها .. ياه .. انها لحظتها لم تستطيع
أن تـتـحـكـم في أعصابها وضاقت عليها الأرض ساعتها بما رحبت ولـــــم
تستطيع لحظتها التـحـكــم في الــولـوج إلي دائرة التراجع فإنهمكت فيما
لايجب علي الآخرين رؤيته .. حتي زوجها .. خصوصيات .. احياها الــــذئب
سعد إبن الجيـــران وسجلها وجعل منها شباك لامــحيـص مــن الــدخــول
فيها .. وإليها .. ذئب عرف كيف من أين تأكل الكتف .. ذئب .. قاتل .. بكت
بـيــن يـــــديه .. لــم يــرحـــم بـكــائـها .. ســقـطــت مـعه في مـستنقع
الـرزيلة .. والوحل .. رغما عنها .. رآها طفلها الصـغـيــروهي بـيــن احضان
سعد .. تتلوي .. بكي .. لم تعره اهتماما .. لكنها تألمت .. تأوهت ..واشتد
المها .. واشـتـدد معه صراخ الطفل الصغير .. ولكنها غابت عن الوعي عن
الحياة .. وافاقت علي صــــراخ الـطـفل .. تأملت حالها .. وأحــوالها .. لم
تـتـمـالك نفســها .. بكت .. وتـسـاقــطــت مــن عينها الــدمــوع كالنهــر
الجاري .. بـكـت بـصــوت عالي وانـتـحـبـت .. وصـرخـت .. وصــرخ طفلها
معها .. واشـتــــد صــراخهما معا .. لكن لـــن تجدي الدموع .. ولن يفيد
الصراخ .. ولن ينفع الندم .
........................................................................ تمت ...........................
بقلم/عبدالمجيدالديّهي