عم ابراهيم مواطن بسيط قابلته في مصر في أحد قرانا بالوجه البحري, ملامح وجهه تجعلك تظن أن له مئات السنين في هذه الحياة, تنجذب لصوته وتتمنى أن تجلس معه لتتعلم حكمة السنين رغم اعتقادي بأنه أمي, هو رجل فلاح يعيش فيما يشبه العشة أقترب من التسعين أي أنه عاصر ما قبل ثورة يوليو ومابعدها توددت إليه لأستنشق معه عبق تلك الأيام, سألته عن رأيه في أيامنا هذه قال: أيام سودة مفيهاش بركة رديت بعفوية: أيام عبدالناصر أحسن لأني لم أعاصر لا ناصر ولا السادات؟ فوجدته يتلفظ عنهم بألفاظ لا مجال لها هنا
قال ان أيامنا ( السودة ) دية أحسن من أيام ناصر.. على الأقل اللي معاه فلوس بيعمل اللي عايزه ومش مقرر علينا ذلك الرغيف الأسود أيام عبد الناصر قلت له: طب أحلى أيام كانت فين؟ قال مؤكداً: قبل الثورة أيام الباشوات.. الله يرحمهم.. كانوا ولاد ناس.. كانت أيام خير أجبت من ضيق أفقي: طب والاقطاع؟ فلمّا لم يفهم أجبته: يعني الباشوات كانوا بيأخذوا كل حاجة وميسبوش لحد حاجة ومفيش حد بيتعلم ولا بيكبر قال لي: يا بيه دي أيامهم كانت كلها عز مليانة بخير ربنا, كل العز بتاع الباشا كان لينا نأكل ونشرب من خيره وخير الجناين بتاعته, طب حد دلوقت لو جاع يقدر يأخد (برتقانة) من على الشجر الباشوات بتوع دلوقت, ده كان علّقه.. يابيه باشوات زمان كانوا يجاملوا في الفرح والحزن.. خيرهم على الكبير والصغير فرديت عليه: عشان كانوا ولاد ناس ********* تركت عم أبراهيم و أنا أفكر في كلماته التي سمعتها من كل من عاصر الباشوات و أيامهم وحاولت أتذكر ما حفّظوه لنا أيام إعدادي عن ماقدمته لنا ثورة يوليو.. إلغاء الاقطاع.. السد العالي.. تأميم القناة.. إعادة مصر للشعب المصري.. و إعادة الكرامة للشعب المصري
لكني وجدت المحصلة صفر في النهاية.. وربما خرجت المحصلة بعد الثورة بالسالب و حتى الصفر لم نحصل عليه لا أحد ينكر الأهمية الإقتصادية للسد العالي وقناة السويس و لكن الواقع يقول أن معدل دخل الفرد قبل الثورة أعلى بكثير من بعدها رغم أن المفترض أن بناء السد و إعادة القناة يعملان على زيادة دخل الفرد بطفرة كبيرة الذي حدث أن دخل قناة السويس إنتقل من الشركة العالمية التي تديرها قبل الثورة إلى المؤسسة الرئاسية و الجيش.. وكل من حاول الاقتراب نحو هذا الدخل من رؤساء الوزراء السابقين أمثال الجنزوري كان يذهب بلا عودة.. ولم يبقي من القناة شئ للشعب المصري سوى التصييف على شواطئها الملوثة
********* أما السد العالي فلا أحد ينكر فضله وربما لولاه ماعاش السبعين مليون إنسان حتى الآن.. ولكن خيرات السد المتمثلة في مشاريع الإستصلاح فذهبت لباشوات البترودولار القادمين من شبه الجزيرة العربية.. فمثلا مشروع توشكى الذي يتكلف عشرات المليارات ذهب ربعه إلى الأمير العربي الوسيم صاحب العلاقات الوطيدة مع العائلة المالكة الحالية يقدم المصريون من قوتهم وعرقهم وضرائبهم مايربو من العشرة مليارات جنيه ومن أرضهم أكثر من 65000 فدان عشان الأمير الوسيم يزرعها بلا مقابل.. يزرعهـا لأناس صنعوا أول حضارة زراعية في التاريخ !!!!!!!!! هكذا ضاعت أكذوبة قناة السويس التي اقتصرت خيراتها على باشوات اليومين دول.. ولم يبقى لنا من السد العالي و النيل غير مياه الشرب التي لا نجدها أحياناً والتي ربما يتم خصخصتها من قبل باشوات اليومين دول برضه
********* أما موضوع الاقطاع فكلام عم ابراهيم لا يحتاج الى تعليق.. و لكن تعليقي الوحيد أن ثورة يوليو لم تلغي الاقطاع و لكن بدّلت الاقطاعيين من الباشوات المحترمين من ولاد الناس أيام الملكية بباشوات من عسكر يوليو مش ولاد ناس أيام عبد الناصر وبباشوات من النهّيبة (ولاد الحرامية) أيام السادات ما فعله عسكر يوليو هو إقتسام التورتة المصرية بينهم و صار هذا هو الإقطاع الحقيقي و الذي عاشه آبائنا فيما يعرف بمراكز القوى
يكفينا أن نعرف أن الأديب العالمي نجيب محفوظ توقف عن الكتابة ما يربو من الست سنوات بعد الثورة إحتجاجا على الوضع المتردي ثم خرج علينا بعبقريات روائية تصف لنا الانحدار الحادث للمجتمع المصري بعد الثورة في روايات مثل الكرنك وثرثرة فوق النيل والتي وصفت لنا فيها تلك العوامة مدى الضياع والغيبوبة التي راح فيها المصريين وخرجت علينا بفنون من أنواع: الطشت قاللي قام عسكر يوليو بتفريغ الحياة الاجتماعية والسياسية من مضمونها.. أصبح هناك حكم الحزب الواحد الاشتراكي.. وحتى يلهو المصريين بدّلوا الحياة السياسية و الأحزاب بحزبي الأهلي والزمالك ********* إن أكبر دليل على أن ثورة يوليو كانت إنتفاضة حرامية أكثر من إنتفاضة عسكر هو الإطاحة بمحمد نجيب.. ابن الناس.. أول من خاطر باسمه وخرجت باسمه الثورة.. أطاحوا به عندما قال أن دور العسكر انتهى وعليهم أن يعودوا لثكناتهم
أوهمونا أن الثورة أعادت لنا إنسانيتنا وكرامتنا وأن عبد الناصر هو من علّمنا معنى الكرامة.. نحن الشعب الذي بلا كرامة بعد أن كان البوليس السياسي أيام الملكية يكمم الحريات.. أما الواقع كما يرويه المعاصرون أن البوليس السياسي كان يحمي مصر من أعداء حقيقيين أما بعد الثورة فنجد التكميم الحقيقي للحريات نرى لمان طرة أو سجن الباستيل المصري و زوار الفجر أيام عبد الناصر و احتجازات 1981 أيام السادات و ما نعاصره اليوم من العادلي و بلطجيته من الضباط اللي مش ولاد ناس أما عن الوضع الإجتماعي فحدث ولاحرج.. تلاشت الطبقة الأرستقراطية من ولاد الناس نتيجة الهجرة أو الإعتقال وهم من حملوا لواء التنوير والتقدم, أما الطبقة المتوسطة التي ينتمي معظمنا إليها فتنهار وفي طريقها للتلاشي.. أما الباشوات الجدد فخرج معظمهم من الطبقات الدنيا التي تكنّ الحقد لمن هو أفضل منهم
خرجوا من أبواب خلفية غير شرعية وازدادت سطوتهم أيام السادات الذي خرج من نفس بيئتهم و صاروا يسيطرون على كل شئ تقريبا لا أحد ينكر أن ناصر.. دون النظر لديكتاتوريته وأحلام القومية العربية.. أفضل بكثير على المستوي الإنساني من السادات.. اللي خربها وقعد على تلها.. و لكن ماذا يفعل الإنسان الشريف عندما يتولي رئاسة عصابة من الحرامية ترتدي ملابس العسكر ********* إن أفضل تعبير عن ثورة يوليو هو ما عبر عنه الأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز في روايته قصة مدينتين A Tale of two cities و كيف بدأت الثورة بأمال كبيرة و انتهت للاشيء مثال أخر من هذه الأيام هو رواية و فيلم عمارة يعقوبيان الذي وصف لنا وضعنا كمصريين قبل وبعد الثورة عسكر يوليو لم يكونوا فاشلين في إدارة وحكم مصر فقط بل كانوا وهم العسكر فاشلين عسكرياً.. لن أحدثكم عن الحول أو العمى العسكري الذي أصاب عسكر يوليو.. فالعدو كان على حدودنا الشرقية وقام ناصر بتوزيع قوته بين الجزائر و اليمن ورّطنا العسكر في حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل تحت مسميات القومية العربية البدوية دفعنا و مازلنا ندفع ثمن تلك الحروب في انخفاض معدل التنمية و سوء الأداء الوظيفي والتعليمي بعد أن كنا قبل الثورة أمة محترمة
هذه هي ثورة يوليو التي نحتفل بها هذه الأيام ********* -مينـا خليـل-


ساحة النقاش