الحيوانات الحربية!
                   يُقحم الإنسان الحيوانات الثديية البحرية المسالمة في معارك حربية تخصه قد يكسبها أو يخسرها, لكن هذه الحيوانات تدفع الثمن في الحالتين فتعاني آلام الأسر والموت في المهام الانتحارية, أو تصبح متوحشة بعد إطلاقها من الأسر وعاجزة عن استعادة وداعتها السابقة.           على الرغم من التقدم الهائل في مجال التسليح العسكري, وظهور أشكال وألوان من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية, ما ظهر منها وما بطن, فإن آلة الحرب العسكرية مازالت على ما يبدو بحاجة إلى عون الحيوان!!. وعلى ما يبدو أيضا أن الإنسان لم يكفه ما جنده من حيوانات على الأرض, فقد ذهب  هذه المرة تحت الماء يبحث عن مزيد من الحيوانات تصلح للقتال والأعمال العسكرية الأخرى. والحقيقة أنه نجح في ذلك نجاحا واضحا, فلقد تمكن باقتدار ومنذ أكثر من أربعة عقود (!!) من استغلال أنواع عديدة من الثدييات البحرية في أداء أخطر المهام العسكرية وأكثرها صعوبة على الإطلاق. ولم تكن هذه المبادرة وما تبعها من نجاح ملحوظ إلا نتيجة الحرب الباردة والتسابق في امتلاك أحدث و(أذكى) الأسلحة بين روسيا - وهي قوة عظمى سابقة - والولايات المتحدة القطب الأوحد حاليا. فمنذ نهاية الخمسينيات كان لدى كل من القوتين برنامج عسكري سري يهدف إلى الاستفادة من القدرات الفسيولوجية والإمكانات الصوتية لبعض الثدييات البحرية في أعمال التجسس والحماية وغيرهما من المهام العسكرية. فمثلما كان هناك سباق بين تلك القوتين على الوصول للفضاء والسيطرة عليه, كان هناك أيضا سباق محموم بينهما لاستغلال قدرات وإمكانات الدلافين وغيرها من الحيوانات البحرية من أجل السيطرة على البحر. ولقد دان التفوق فى النهاية في هذا المجال للبحرية الأمريكية وذلك نظرا للدعم المادي المتواصل وتوافر الإمكانات الفنية والكوادر وسيل من الأبحاث المتخصصة على طبيعة وفسيولوجية تلك الحيوانات. ولعل إماطة اللثام عن أسرار البرنامج الأمريكي, وإزالة صفة السرية عنه, ومن ثم توافر معلومات وبيانات لم تكن متاحة عنه من قبل مقارنة بالبرنامج الروسي يتيح لنا إلقاء نظرة عامة على تفاصيل هذا البرنامج ويتيح كذلك معرفة كيف يمكن أن يتصرف عسكر الدلافين وأمثالها تحت مياهنا الإقليمية. دولفين يتجول باحثا عن الألغام وفي فمه عوامة يستعد لإطلاقها في مكان اللغم المكتشف   فكرة المشروع لبعض الحيوانات البحرية, مثل الدلافين وبعض الحيتان وغيرها, نظام استشعار سمعيا وصوتيا (سونار) فائقا يمكنها من رصد الأجسام الطافية أو الموجودة تحت الماء بكل دقة, هذا إضافة إلى مواصفات بيولوجية فريدة تمكنها من العوم والغوص على أعماق كبيرة بأقصى سرعة حتى في أسوأ الظروف البحرية. من هنا نشأت فكرة هذا البرنامج, حيث كان يهدف أساسا إلى الاستفادة من تلك الإمكانات والمقومات في تحسين سرعة وقدرات الطوربيدات والغواصات والمركبات البحرية وفي القيام بأعمال تجسس عسكري ومراقبة, لكنه تطور لاحقا إلى أهداف أكثر تقدما ترمي إلى استغلال تلك الحيوانات في مهام خاصة وأعمال عسكرية غير تقليدية. ففي البداية جرى استخدام الدلافين كسعاة, حيث كان يتم تكليفها نقل بعض المكاتبات والرسائل والمعدات البسيطة من الموانئ أو السفن العسكرية إلى مختبرات تحت البحر كان يتم إنشاؤها لعمل التجارب والبحوث العسكرية. لكن هذه الفكرة تطورت عندما أظهرت الدلافين وحيوانات بحرية أخرى قدرات عالية وإمكانات ذهنية وسمعية فائقة دعت للاعتماد عليها في مهام أخرى أكثر تعقيدا وأكثر خطورة, ومن هنا تمت ترقية هذه الحيوانات من جنود مُراسَلة إلى كوماندوز من نوع خاص. فقد شجعت قابلية هذه الحيوانات للتعلم وسرعة تكيفها مع بيئة الأسر وتعاونها وفاعليتها, بالإضافة لقدراتها الفسيولوجية, على إضافة مهام جديدة لهذا البرنامج لم تكن محددة من قبل لقد اعتمد تدريب تلك الحيوانات على مبدأ (الثواب والعقاب) أو (الثواب والتجاهل), كما يروق لقيادات البحرية الأمريكية تسميته, وهي طريقة تقليدية وقديمة تعتمد على منح الحيوان بعض الطعام عند نجاحه في تنفيذ المطلوب منه بطريقة صحيحة, وتجاهل منحه أي شيء عند الفشل. وفي أولى مراحل البرنامج جُربت أنواع عديدة من الحيوانات البحرية بداية بالدولفين والفقمة وأسد البحر, ومرورا بالحيتان, وحتى القرش وبعض الطيور البحرية, بغرض تقييم أدائها وبيان الأفضل والأقدر منها على أداء المهام الموكلة لها. وكانت خلاصة هذه التجارب والمحاولات تصفية هذه القائمة والتركيز فقط على باقة متميزة منها. فقد تفوق الدولفين ذو الأنف القنيني (Bottlenose Dolphin) والحوت الأبيض (Bulega Whale) وأسد البحر (Sea Lion) والفقمة (Seals) على الجميع بل وأضحت جنودا متميزة ومخلصة في البحرية الأمريكية. المهام الموكلة للحيوانات
 
دولفين في مهمة تدريبية بالخليج العربي أثناء حرب العراق, ويلاحظ ارتداؤه لجهاز تتبع صوتي على احدى زعانفه
 
أسد البحر ينجح في تحديد مكان أحد الطوربيدات الضالة
 
أسد البحر ينجح في تحديد مكان أحد الطوربيدات الضالة
 والسؤال الآن: لمن ستكون الغلبة? وهل سينتصر صوت العقل ونداء الرحمة والرفق بالحيوان? أم ستدوم الغلبة لهواة الحروب وقادة المعارك? أخشى أن الإجابة معروفة والأمر منته! فالإنسان (المتحضر) قد حول بالفعل واحدا من أودع الحيوانات وأكثرها قربا وتعاونا وحبا للجنس الآدمي, وهو الدولفين إلى وحش مفترس على استعداد للقتل عند أي إشارة أو بادرة أمر!. وعلى ما يبدو أنه مصمم على هذا الطريق وعازم على المضي فيه دون رجعة, أما           نداءات جماعات الخضر ومحبي الحيوانات فلتتوار خلف ظلمات البحار أو لتذهب لأعمق نقطة في قاع المحيط! د.وحيد محمد مفضل  المعهد القومى لعالم البحار -الاسكندرية-مصر
  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 1481 مشاهدة
نشرت فى 6 يونيو 2007 بواسطة nemo7a

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

2,730,397