توقفتْ عن الصدور منذ فترة مجلة من أنجح المجلات في العالم العربي , وهي مجلة ميكي التي كانت تصدرها دار الهلال في القاهرة باللغة العربية لتحل محلها مجلة أخرى تحمل نفس الأسم لدار نشر أخرى هي نهضة مصر
لا اظن ان هناك طفلا في العالم لا يحب شخصيات ديزني خفيفة الظل.. لذلك كانت مجلة ميكي من اكثر المجلات نجاحا و انتشارا.. ولكن لم توقفت دار الهلال عن طبع هذا المجلة؟؟
السبب هو أنها كانت تستورد هذه الرسوم من المجلة الأم في فرنسا و التي تعطينا حق الترجمة و النشر.. والمشكلة هي انهم في الاونه الاخيرة طلبوا دفع المزيد نظير حق النشر.. أو هو انخفاض سعر الجنيه؟
ويبدو ان هذه الزيادة كانت مريعة الى الحد الذي اربك المسئولين عن المجلة.. فاضطروا في البدايه لاعادة نشر بعض القصص القديمة الى جانب واحده جديدة لاختصار النفقات.. بل و احيانا تكون قصص العدد كله قديمة مما جعل قارئها يعزف عن شراءها مضطرا ربما راح القائمون على المجلة بحساب تكاليفها فوجدوا ان العدد سيتضاعف سعره لو دفعوا حق النشر المبالغ فيه.. فاوقفوا اصدار المجلة **********
كان هذا خبر صدم الكثير من الاطفال و قتها بل و صدمني شخصيا (كرسام للكاريكاتير) اذ كنت اتابع التقنية والحرفية العاليه لرسامي هذه المجلة فهم محترفون الى حد بعيد فعلا
ما دفعني لكتابه هذا الكلام هو انني رحت اتأمل في عنايه محتويات هذه المجلة حين علمت انه لن تكون هناك اعداد اخرى منها.. فوجدت الكثير من النقاط الهامة
شخصيات ديزني تصور في براعة القيم و المثل واسلوب الحياة الغربي بل و الامريكي على وجه الخصوص.. واحيانا تصطدم بشدة مع القيم الشرقية و العربية
فمثلا
:
شخصية بطوط و اولاد اخيه الثلاثة.. توتو وسوسو ولولو في الترجمة العربية.. وزيزي.. بطوطة مؤخرا ولا ادري لماذا؟.. هذه الشخصيات تمثل التفكك الاسري الشائع في المجتمع الامريكي.. الاطفال الثلاثه مقيمون عند عمهم بطوط الى الابد بلا ادنى اشارة الى والديهم و كأنه شيء عادي الا يكون لك والدين
اما بالنسبة للعلاقه المريبة بين بطوط و زيزي (بطوطة) فهي علاقة حيرت المترجم العربي وجعلته يضرب اخماسا في اسداس.. فكيف بالله عليك يترجم معنى البوي فريند لطفل عربي يتربى في بيئة شرقية لا تعترف بشيء كهذا؟.. فراح يترجمها بخطيبته.. الا ان المعنى واضح حين يتصارع عليها بطوط و محظوظ ..فهي ليست خطيبة احد منهم بل صديقة كليهما
المفترض ان يقرأ الطفل العربي عن اسرة شرقية سوية تتكون من اب و ام و ابناء.. لا عن اولاد اخ يقيمون عند عمهم الذي يصادق فتاة تتركه لتخرج مع غيره حين تتشاجر معه
هذه النقطة على سبيل المثال لا الحصر طبعا.. فالطفل المصري مثلا قد يكون ابنا خامسا لموظف حكومي يسكن بحي شعبي و يرى ان بطوط لا يعمل ومع ذلك يسكن في فيلا انيقة بحديقة امامية وخلفية و يجد عملا حين يفكر في البحث عن واحد.. قد ينظر لأبيه المنهك المبلل بالعرق دائما و الذي يعمل بوظيفتين ومع ذلك لا يجد ثمن حذاء جديد لأحد ابنائه
هل ستكون نظرة هذا الطفل لمجتمعه سويّة؟
لست مع منع النشر بالطبع.. فأنا أؤمن تماما ان الرقابه هي اقذر اختراع ابتكره الانسان على وجه الارض.. ولكنني أؤيدها حين يتعلق الامر بطفل او جاهل.. قد تكون ضرورة هنا
كما لا أرفض شخصيات ديزني على الرغم من هذا و لا اعتبرها رمزا للعولمه كديدن البعض بل بالعكس فأنا اهيم بها حبا.. ولكنني فقط اقترح اعادة اصدار المجلة بقصص و رسوم عربية وقيم عربية لا تتنافى مع قيمنا
**********
اهم مشاكلنا نحن معشر العرب هي اننا فرديون ولا نفهم قيمة العمل الجماعي
لذلك نلجأ الى المؤسسات الغربية كحل اسهل ليدبروا لنا امورنا.. تقول الحكمة ان عربيا واحد ينتج اكثر من غربي واحد.. اما عشرة من العرب فلن ينتجوا ربع انتاج عشرة من الغربيين.. ربما لأنهم سيتشاجرون وقتها ويحاول كل منهم اثبات انه هو الاذكى والاقوى والأغنى وصاحب الريادة الاعلامية والتاريخية و الجغرافية والقائد والزعيم و الزفت و القطران لعن الله التزمت و التحجر و الفردية التي جعلت منا أغبى شعوب الارض بحق كل هذا الكلام من اجل مجلة اطفال؟؟ نعم يا أخي.. حين نفشل في مجرد إنتاج شخصية كارتونية لأطفالنا نحن.. فهذا يعني فعلا أننا حقا في مشكلة **********
س: لم لا ننتج شخصية كارتونية؟
ج: للسبب الذي ذكرناه آنفا.. لأننا لا نفهم قيمة العمل الجماعي
**********
لو كان أحمد رجب و مصطفى حسين أمريكيان لكانت شخصياتهم شخصيات عالمية.. و لو كان عماد حجاج أمريكيا لكنا على الأقل سمعنا عن شخصيته الرائعة محجوب
ان الموضوع أكبر من مجرد مجلة أطفال.. إنه موضوع: خذ قيمي و اعطها لأطفالك.. بل واعطني مالا نظير ذلك
وكأننا لا نملك كتابا عباقرة و رسامين يفوقون ما عندهم بمراحل.. فقط هم مبعثرون ولا يعملون معا كما يفترض
 انظر لمحي الدين اللباد وفواز وميشيل معلوف وحجازي ونجيب فرح واحمد خالد ونبيل فاروق ويعقوب الشاروني ومصطفى رحمة مثلا..أليسو من أبرع من كتب و رسم للطفل؟
أدعو جميع الرسامين والكتاب الذين تخصصوا في أدب الطفل والمؤسسات الصحفية والإعلامية لاحتضان مشروع كهذا.. فهل سنفشل كعادتنا؟
**********
- د.شريـف عرفـة
  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 1568 مشاهدة
نشرت فى 24 إبريل 2007 بواسطة nemo7a

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

2,730,539