كتاب مالك بن نبي يجمع أشغال ندوة دولية نظمتها جمعية النبراس الثقافية بمدينة وجدة (شرق المغرب) في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، تخليدا لذكري المفكر الجزائري و من عرض للأستاذ فوزى منصور للكتاب على صفحات جريدة القدس العربى ننقل ما نقدمة فى مقالتين .
مالك بن نبى المفكر ولد بالجزائر عام 1905 و توفى عام 1963 . كانت الأزمة الراهنة لحضارة الأمة العربية الأسلامية هى شغلة الشاغل فنذر كل جهدة لحل تلك المعضلة لكن تبقى أهمية لفكر مالك بن نبى و سلامة تناولة فى وسط يعج بالغث من الأطروحات .وكان مالك بن نبي قد أنذر وأعلن افلاس تلك الأيديولوجيات التي تحمل تناقضا يجعلها غير منسجمة مع الواقع الاجتماعي والثقافي في المجتمع الاسلامي وفي الساحة الاسلامية العربية أو غير العربية فكان فشلها حتميا و ذلك على حد قول الدكتورة رحمة أبنتة التى أردفت بقولها ان ابداع فكر اسلامي هو نعمة من الله علي من يتصل عقله وقلبه بمولاه الذي لا يشرك به أحدا، وهذا المنعم عليه لا يحتاج أن يكون فقيها أو واعظا أو أن يثبت صحة ما أنعم الله عليه به بآيات أو احاديث أو أقوال أئمة، انما يكفي أن يستحضر في قلبه مقاصد الشريعة وأحكامها وألا يخالف ما قضي به الله ورسوله في شيء، وأن يستهدف مصالح المسلمين، ويبرهن بالعقل والمنطق علي صحة كلامه الذي لا يتعارض مع كتاب الله وسنة رسوله أو قد يدل علي حسن فهمه لهما والتزامه بهما .
يذكر الدكتور عبد السلام الهراس، وهو عالم دين وباحث مغربي كبير، بأن أول علم له بوجود مفكر جزائري يدعي مالك بن نبي كان عام 1956 بالقاهرة عندما كتب احسان عبد القدوس عنه في مجلة روزاليوسف ، وتحدث عن مقال قدمه اليه مالك يتحدث فيه عن نظريته في القابلية للاستعمار والتي يقول فيها: فبدلا أن أصب جهودي لازالة الاستعمار، يجب قبل كل شيء أن أزيل من وجداني ومن نفسي ومن روحي القابلية للاستعمار. وقال بأنه يوجد فرق بين الاستعمار
والاحتلال. فاليابان والمانيا بلدان محتلان ولكنهما ما بين 1945 ـ 1950 أي خمس سنوات فقط تمكنتا من بناء مجتمع بكل مرافقه ومصانعه ونظام دولته ولم تبقيا مثلنا تبكيان علي الأطلال . وبعد قراءة مقال احسان راح عبد السلام الهراس، وكان طالبا يدرس في مصر، يبحث عن ذاك الجزائري حتي التقي به مصادفة في مجلس جمع طلبة مغاربة كان منهم الهاشمي الطود (كولونيل متقاعد حاليا) ومحمد بن عيسي (وزير خارجية المغرب حاليا) وأحمد البقالي..
فتعرف عليه وضمه الي السكني معهم، وبعد أن اقتنعوا بأفكاره التي كتبها كلها بالفرنسية، بدأ الشروع في ترجمتها له. فتولي عمر مسقاوي ترجمة كتابه شروط النهضة . وعندما تعرف الهراس علي عبد الصبور شاهين بعد ذلك سأله أن يترجم لمالك بن نبي كتابه: الظاهرة القرآنية لوجه الله وعندما انتهي منه قام بمراجعة ترجمة شروط النهضة وتقديمهما بعد ذلك الي المطبعة. وتحسنت وضعية مالك بعد ذلك بتعيينه مستشارا لأنور السادات الذي كان وقتها رئيسا لمجلس الشعب والأمين العام للمؤتمر الاسلامي بالقاهرة. واعيد طبع كتبه وترجمت للغات أجنبية. وتحدث الدكتور الهراس مطولا عن القضايا التي حازت الجزء الأكبر من اهتمامات مالك بن نبي أثناء مقامه في القاهرة والتي كان في طليعتها الدعوة الي اقامة وحدة أفريقية اسيوية. وكان قد وضع كتابا عن الأفرواسيوية كان يود أن يقدمه الي موتمر باندونغ الذي انعقد عام 1955 الا أنه لم يتمكن من ذلك وقد أمر عبد الناصر بطبع الكتاب بعد ذلك فطبع.
وكان شديد الاهتمام بوحدة المغرب العربي أيضا.
و تشرح الدكتورة مهدية العياشي أمنوح منهج مالك بن نبي في النظر الي الغرب فهو اذ يوصي بدراسته بتمعن يطالب بنقد فكره وتصحيح أفكارنا عنه مستعينة بمؤلفات مالك بن نبي مثل: تأملات ـ مشكلة الأفكار في العالم الاسلامي ـ شروط النهضة ـ في مهب الريح ـ وجهة العالم الاسلامي. وكيف نظر الي الغرب من زوايا متعددة: بصفته مستعمرا وبصفته مستشرقا وبصفته متحضرا ولم يعتبره كلا واحدا. ثم كيف حلل مالك الأفكار المركبة الي عناصر جزئية علي هيئة معادلات رياضية مثل:
* الحضارة = الانسان + التراب + الوقت...... الفكرة الدينية.
* توجيه الثقافة = المبدأ الأخلاقي + الذوق الجمالي + المنطق العملي + الصناعة.
* المجتمع = عالم الأفكار + عالم الأشخاص + عالم الأشياء.
* فاعلية الطاقات الاجتماعية = اليد + القلب + العقل.
حل مشكلة = توجيه الثقافة + توجيه العمل + توجيه رأس المال.
وجاء في مداخلة الاستاذ عبدالعزيز برغوت أن الاستاذ بن نبي، بصرف النظر عن خطئه أو صوابه، حاول بذكاء القيام بعملية التوظيف من أجل التحليل العلمي المتكامل لظاهرة التجديد والتغيير في العالم الاسلامي. وقد قادت جهوده الي التأكيد علي أن المشكلة تكمن في المنهج والفكر والانسان والثقافة والحضارة. وهذا في حد ذاته انجاز مهم جدا علي مستوي تطوير نظريات ومناهج اسلامية لدراسة التغيير والتجديد. وينقل عن الدكتور محمد أحمد كنعان في كتابه أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق .. قوله:
قد أبدع مالك بن نبي رحمه الله في تحليل أسباب أزمتنا الحضارية، ومن خلال رؤية متميزة للسنن التي تحكمها، فساهم بذلك في تصحيح النظرة الي الأزمة، حيث قدمها للناس بصيغة قوانين قابلة للفهم .
الأمية الحضارية
في كتابه مذكرات شاهد للقرن يري مالك أن أمية المتعلمين أخطر من أمية الجاهلين بالقراءة والكتابة، ففي هذا النوع من الأمية يتم اختزال وظيفة العلم في تحقق المكاسب الذاتية، بدل الاسهام في بناء المجتمع. وهذا ما يطلق عليه اسم: الأمية الحضارية .
يري مالك بن نبي أن الأمي الحضاري هو: الصبي المزمن الذي يظل قاصرا عن المساهمة في بناء شبكة العلاقات الاجتماعية ، ويقصد به المثقف الذي انعزل عن المجتمع وعزل في خطابه رجل الشارع، فأسهم في زيادة هبوط مستوي رجل الشارع فكريا وثقافيا في بلاد المسلمين كافة. ويتحدث مالك عن هذه الفئة في مذكراته فيقول: انها عاجزة عن ادراك لغة الشعب. وربما يعجب هنا أولئك المثقفون الذين أصبحوا لا يدركون لغة الشعب الجزائري المسلم، أنني لا أكتب هذه المذكرات من أجلهم، ولكن للشعب، عندما يستطيع أن يقرأ تاريخه الصحيح، أي عندما تنقضي تلك الخرافات التي تعرض أحيانا أفلاما كاذبة، والتي سيكون مصيرها الي صندوق المهملات مع مخلفات العهد الاستعماري.
ويرجع مالك سبب انعزال تلك الطبقة من المتعلمين وانفصالها عن الشبكة الاجتماعية وانقطاع اتصالها بالشعب الي أن البعض ـ من المتعلمين والنخبة ـ من أبناء الأمة ينظر الي رجل الشارع علي أنه قاصر ينبغي ألا يخاطب خطابا فكريا أو ثقافيا، لأنه دون مستوي ذلك ـ في نظرهم ـ وأنه لا يتقن الا أنواعا محددة من الخطاب لا يتقنها المفكرون والمثقفون، وبعض الفئات اختزلت واقتصرت في خطابها علي الشعارات فقط، أو ما يشبه الشعارات، مما زاد في هبوط مستوي رجل الشارع فكريا وثقافيا في بلاد المسلمين كافة، الا انه اعتبر رجل الشارع أيضا مقصرا لأنه لا يطالب بحقه في الخطاب الذي يلائمه، بل يفرط أيضا في هذا الحق وينظر الي الفكر والثقافة بازدراء. فقد شاع لدي العامة وأنصاف المتعلمين ازدراء الفكر والهزء بالثقافة والتقليل من شأنها، والنظر الي الفكر والثقافة علي أنها نوع من الترف من حق الأغنياء المترفين أن يمارسوه.. ، اذ يري مالك أنه لا يمكن نهوض الامة مع اقصاء أو تهميش أي مكون لها. والقضاء علي ظاهرة الأمية الحضارية لا يتم بزيادة المدارس، وانما بتحويل التعليم والثقافة من عمليات معرفة ذات أهداف تكديسية أو مكسبية الي عمليات تصنع المتعلم الفعال، الذي يشكل الطليعة الحية في احداث التغيير . ومالك يري أن الفكر والعمل منظومة متكاملة لا يجوز تجزئتها حيث يفقد الفكر قيمته العملية ما لم يكن قابلا للعمل به. وتستطرد الاستاذة نادية المديوني في مداخلتها قائلة: ان مشكلة مجتمعاتنا الاسلامية، والتي تعد سببا من أسباب الفوضي في مختلف المجالات، تكمن في كون الفرد المسلم أصبح عاجزا عن الجمع بين العمل والتفكير في الوقت ذاته، أو أن يربط بين جهده الفكري وجهده العملي (...) وهذا العجز عن الجمع بين التفكير والعمل، الناتج عن الخلط بين جواهر الظواهر وأشكالها، والذي طبع الحركة الفكرية نشأ عن سبب عضوي تذكيه دائما ضروب من الشلل أصاب النواحي الخلقية والاجتماعية والعقلية جميعا، وأخطر هذه النواحي هو الشلل الاخلاقي، اذ هو يستلزم أحيانا النوعين الاخرين، ومصدر هذا البلاء معروف، فمن المسلم به الذي لا يتنازع فيه اثنان أن الاسلام دين كامل، بيد أن القضية قد أدت في ضمير ما بعد الموحدين الي قضية أخري هي: نحن مسلمون.. اذن نحن كاملون . والشلل الخلقي يعد السبب الرئيسي في تأخر المجتمع وتخلفه. اذ يعجز الشلل الخلقي المجتمع فيجعله غير قادر علي زيادة جهده الضروري بنهوضه. (نقلا عن كتاب بن نبي وجهة العالم الاسلامي ). ويري مالك أن وجود العلم بالدين وبالاخلاق وبمختلف تفرعاته دون عمل المتلقي أو حامل العلم بعمله يحيل وجود العلم الي عدم ويستشهد في ذلك بحديث للرسول صلي الله عليه وسلم أخرجه الامام أحمد جاء فيه: قال زياد بن لبيد: ذكر الرسول صلي الله عليه وسلم شيئا فقال: وذاك عند ذهاب العلم، فقلنا: يارسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا وأبناؤنا يقرئونه أبنائهم؟ فقال ثكلتك أمك يا ابن لبيد، ان كنت لا أراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصاري يقرؤون التوراة والانجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء .
شمولية التغيير وضرورته
تقول نادية المديوني ان لاشكالية تخلف التغيير في الأمة الاسلامية محورين:
* المحور الأول: اشكالية النهوض والتغيير، يتمثل في غياب مناهج وبرامج التجديد والتغيير والنهوض، التي تدرك سنة الله في الأنفس والافاق أو قصور تلك المناهج.
* المحور الثاني: يتمثل فيما يمكن أن نطلق عليه فقه التنزيل، أي غياب فقه تنزيل النص علي الواقع، من خلال ظروف وملابسات هذا الواقع واستطاعته، لا القبول به وايجاد مسوغات له، وانما لتغييره والنهوض به والارتقاء به وتطوير استطاعاته من الحال التي هو فيها، وهذا لا يتحقق لا بفهم الحاضر وامتلاك القدرة علي وضعه في الموقع المناسب من مسيرة السيرة النبوية، والاعتبار بالمسيرة التاريخية للأمة المسلمة حيث تمنحها الرؤية القرآنية، وبيانها النبوي، وتنزيلها علي الواقع في مرحلة السيرة، الحلول المتعددة للحالات المتعددة. وحتي تكون عملية التغيير شاملة ـ كما يقول مالك بن نبي في وصيته ـ لا يكفي أن يدرك أصحاب الفكرة، فكرة الثقافة التي لا بد أن تسود، الوضع الفكري والثقافي الحالي، بل لا بد أن تدرك باقي الفئات الأخري بطريقة أو بأخري فكرة الاصلاح أو التغيير. وتدرك أنه لا بد من تغييرات ثورية: فاما أن نقوم نحن المسلمين بالتغيير في مجتمعاتنا، واما أن تفرض علينا طبيعة العصر تغييرات من الخارج.. لأن هذه هي روح العصر، فالذي يجب أن نؤكد عليه أولا، وأن تتذكروه دائما: أننا اذا لم نقم نحن بثورتنا، فان التغيير سوف يأتي من الخارج ويفرض علينا فرضا. (وصية مالك بن نبي: اما أن نغير واما أن نغير ، مجلة العالم ، العدد 244/1988 ص 50 ـ وقد اعتبر المقال بمثابة وصيته الأخيرة وأثبتت الأيام صدقيتها وبعد نظره وقوة بصيرته ووعيه بحقائق الزمن الذي يعيشه ومسار تطورها المستقبلي).
التعامل مع القرآن الكريم
عرض الأستاذ أحمد بوعود كيفية تعامل مالك بن نبي مع القرآن الكريم خاصة في كتابه: الظاهرة القرآنية والذي قارن فيه بين ما رواه القرآن الكريم من أحداث والرواية المقابلة في التوراة. وأورد الاستاذ بوعود شهادة الطبيب الفرنسي الذي كان كتاب الظاهرة القرآنية السبب في اعتناقه الاسلام اذ اقتنع بعد قراءته لكتاب مالك بن نبي بأن القرآن كتاب وحي منزل من عند الله. ولقد اهتم بن مالك بعرض القضايا الآتية:
* جمع القرآن الكريم.
* الاعجازفي القرآن الكريم
* اللغة والمجاز في القرآن الكريم .
* مكانة القرآن بالنسبة للكتاب المقدس.
وقد عرض الدكتور بوعود لكيفية تعامل بن نبي مع هذه القضايا. وفي ختام مداخلته أشار الي أن وعي مالك بن نبي رحمه الله بتلازم العلاقة بين القرآن والحضارة، جعله يربط دائما بين قضايا القرآن الكريم ومحاوره بالتغيير الحضاري والثقافي الذي ينشده. وعن هذا الوعي صدرت جل كتاباته التي ضمنها زفراته وقلقه، وعالج كل الاشكالات في اطارها.
الحضارة والفكرة الدينية
وهو ما لاحظته الاستاذة نادية المديوني في مداخلتها. اذ قالت: لقد ركز مالك علي الفكرة الدينية وربط بينها وبين جميع أوجه النشاط الحضاري، وبذلك أحال النزعة الدينية من مجرد كمون داخلي عند الانسان الي حركة حية في العالم المنظور، حيث ترتبط بها وتنطلق منها كل دروب النشاط الحضاري، وبذلك يجسد لنا مالك بن نبي حقيقة العلاقة بين الدين والنشاط الحضاري.. ، ثم تضيف نادية: ان العمل الثقافي أو الاجتماعي علي سبيل المثال إذا تم، سيعكس لا محالة تصورا دينيا بعينه، لهذا لا بد أن نستحضر ـ نحن المسلمين ـ الفكرة الاسلامية أثناء قيامنا بعملية التغيير، ذلك لأن: الفكرة الدينية تحدث تغييرها حتي في سمت الفرد ومظاهره حين تغير من نفسه، وبذلك يكون لمنهج التربية الاجتماعية أثره في تجميل ملامح الفرد، أي أن مجموعة من الانعكاسات تؤدي الي خلق صورة جديدة، كأنها تتمثل في وجه جديد (ميلاد مجتمع). واقتران الحياة الاجتماعية بالفكرة الدينية كبير لدرجة أنه اذا تم التخلي عن هذه الفكرة، وعن القيم الأخلاقية التي تحملها، أصيبت الأمة بالدمار، والسبب في هذا راجع للاشخاص، لأنه لا يعقل أن يلحق الخراب بأمة وأهلها متشبثون بهذه الفكرة وما كان ربك ليهلك القري بظلم وأهلها مصلحون (هود 117)، وما كان الله سبحانه وتعالي ليظلم عباده فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (العنكبوت 39)... لا ينبغي أن نفهم أن التغيير مقتصر علي الفرد فقط بل هو تغير القوم ـ أي المجتمع ـ لما بهم، حتي يتحقق تغيير الله لأحوالهم ...
في حديث لرسول الله صلي الله عليه وسلم تنبيه الي تحول المجتمع الي حالة من العجز والوهن والكلل بحيث لا يعود يستفيد من الوسائل التي بين يديه في تحصيل نتائج أحسن في مجال الاصلاح.... هذا النوع من الأفراد أينما وجهته لا يأتي بخير لا لأن الخير غير موجود، ولكن لأن وضعه لا يسمح أو يعجزه أن يأتي بأي خير. فأزمة الأمة الاسلامية ليست أزمة زاد أو أجهزة أو... وانما هي أزمة بشرية، لا لقلة البشر، بل هم كثيرون، ولكنهم غثاء كغثاء السيل لا يقدمون ولا يؤخرون، فقدوا الفاعلية وقوة الدفع. وذلك عندما أزاحوا عن طريقهم ما أسماه مالك بن نبي بالفكرة الدينية، أو جعلوها مجرد كمون داخلي عندهم، بمعني أنهم أحدثوا الفصل بين الفكرة الدينية وبين مسيرتهم الحضارية.
وفي شهادة الدكتور الهراس وهو ينقل فكر مالك المبكر، يقول: فبامتزاج الدين والروح الدينية والوحي بالنفس، وامتزاج بين الوقت والأرض والتراب والانسان، تبدأ الحضارة بالانطلاق، بمعني اعطاء القيمة للوقت أي لزمن الانتاج والتراب مادة الانتاج وللانسان الذي هو صانع الانتاج، هو سر الحضارة .
الاسلام والديموقراطية
كانت علاقة الاسلام بالديموقراطية كنموذج لقضايا الاستغراب التي تعرض لها مالك بن نبي هي موضوع مداخلة الأستاذ محمد البنعيادي في الندوة. ويقول بن عيادي أن مالك رأي المشكل أساسا في الربط بين مصطلحي الاسلام و الديموقراطية . وكخطوة منهجية أو لتفكيك وتحليل هذه العلاقة، كان من اللازم تعريف كل من المصطلحين. فما هو الاسلام اذن، وما هي الديموقراطية؟
يري ابن نبي أن الاسلام مجموعة من المعتقدات والأفكار والأحكام والتشريعات المترابطة والمرتبطة بالوحي في مجالات الكون والانسان والحياة تتوخي هداية الانسان. انه توجه وتوجيه قيمي يرسم المسيرة الصحيحة لحياة الانسان وخلافته في الأرض. انه فكر منظم لرؤية فلسفية تتميز بالتكامل والشمول والتوازن عبر شريعة تنشد ارتقاء الانسان في الدنيا والآخرة. ولعل أهم مجالات التشريع هو الحياة الاجتماعية التي تتصل اتصالا وثيقا بالسياسة والحكم. اذن الاسلام لا بد أن يهتم بالسياسة، والسياسة لا بد أن تتحرك في نطاق الدين. ويظهر ذلك بيسر لكل متأمل في منحي وطبيعة القضايا الدينية والسياسية فالمشترك بين الدين والسياسة يرتبط بالهدف والقضايا الاجتماعية المراد معالجتها، بل لنكون مغامرين اذا قلنا بأن الدين يغطي باستمرار كل مجالات السياسة.....
والديموقراطية في أبسط معانيها تعني سلطة الشعب أو الجماهير. وهي مجموعة ممارسات ووسائل لصناعة القرار السياسي عن طريق مشاركة الغالبية من أفراد الأمة باعتبارها حجر الزاوية الأساسي للنظام والفكر الديموقراطيين. انها
تقوم علي مبدأين أساسيين: حرية الانسان والاعتراف بالاخر..... إذن ما هو وجه المقارنة بين مفهوم سياسي يفيد سلطة الانسان في نظام اجتماعي معين وبين مفهوم ديني يفيد خضوع الانسان الي سلطة الله في النظام نفسه؟... هل اقامة حكم الشعب (الديموقراطية) مشروطة بالغاء الحاكمية الالهية؟ وهل تقف الحاكمية الالهية ضد حاكمية الأمة والشعب؟ لتحرير القول في ذلك لا بد من مراعاة حقيقتين مهمتين:
1. الحقيقة الدينية: حيث لا يختلف انسان مسلم كيفما كان مذهبه علي أن الحاكمية الأولي هي الحاكمية الإلهية والا سقط المعني الأول والاساسي للدين الذي يختزن مجموعة من الحقائق الدينية (الحياة، الموت، البعث...).
2. الحقيقة الاجتماعية /السياسية: حيث من المسلم به أن الاسلام يستهدف تحويل نصوصه وتعاليمه الي قيم وأخلاق وأحكام وبالتالي الي ثقافة تؤطر الانسان المسلم بقوتها ونفاذها ونفوذها. وذلك لا يتحقق الا بتفاعل الديني مع الاجتماعي/الثقافي/السياسي. حيث علي السياسي مثلا تسخير الديني المقدس في بناء الثقافة الا


ساحة النقاش