يسـتمر حديـثـنا مع الدكتور .. أو حديـثـه إلـيـنا .
الإصـلاح الزراعي :
" كان الهدف الأول ، الأكثـر وضوحاً ، لثورة يوليو هـو تحرير الفلاحين ... وكان تحديد الملكية هـو التحدي الظاهـر الذي واجـهت بـه الـثورة الأحزاب فرفـضـتـه . ( يقول عـبد الناصر يوم 26 يوليو 1955 " من أول يوم من أيام الثورة ، قـلنا لهم ، إذا أردتم فعـلاً أن تحـقـقوا الحرية ... لـهذا الشعـب الطيب الذي خدعـتـموه تحت اسم الحرية .. فـلتوافـقوا ولتعـلنوا مـعـنا القضاء عـلى الإقـطاع ، ولتـعـلنوا تحديد الملكية " ) ... إن قانون الإصلاح الزراعي ـ يؤكـد الدكتور عـصمت ـ هـو القانون الديمقراطي الأول في تاريخ مصر الحديث . ذلك لأنه يتضمن محاولة لحل مشكلة الديمقراطية بالنسبة لأغـلبـية الشعـب من الفلاحين ... بالحــد من قـوة الإقـطاعـيـين وكـسـر شوكـتهـم ، وتحـطيـم ما تـراكـم لهـم من هـيـبة طاغـية في الريـف . وأيضـاً بخـلـخـلة الـقيـود التي كـبلت الفلاحين ، وتـشـجيعـهـم عـلى التـمرد والفـكـاك من التـبعـية ، وتـدريـبهـم عـلى الجــرأة وتحـدى استـغـلال المـلاك والإقـطاعــيـين لـهـم ... وكسر السيطرة الاجتماعية والنفسية والأخلاقية لـهـؤلاء عـليهـم ... بالإضافة إلى ذلك ، حــاول القانون الــزج بجمـوع الفلاحين زجــاً إلى مواقـف جماعـية إيجابـية يواجهون بها احتياجاتهم ، بدلاً من عـلاقات الإتكـال والتواكل التي كانوا قـد اعـتـادوا عـليـها سـنين طـويلة . فــأنشـأ الجــمعـيات التـعـاونية الـزراعـية ، واشـتـرط أن تـكون عـضويـتـها لـمـن تــقـل ملكيـتهم عـن خـمسة أفــدنـة " .
( 10 )
يسـتطرد الدكتور سيف الدولة : " لم يركز عـبد الناصر قــط عـلى المبرر الاقتصادي للإصلاح الزراعـي ، ولكـنه بـرره دائماً تبريـراً تحـررياً ديموقراطياً ، وهو ما يعـنى أن الإصلاح الـزراعـي كان مرتـبطاً في وعـيه بمـشـكلة الديموقراطية في مصـر " .
أيـهما الديمقراطى .. الـوفـد أم عـبد النـاصـر ؟؟
يحـدثـنا الدكتور عـصمت سيف الدولة في كـتـابه فـيقـول :
" لم تخـضع قـيـادة حـزب الوفـد منـذ تأسـيسه لـرأى غـالبـية الأعضاء إلا في المـسـائل التي لا تـهـم القـيـادة ! ، وأعــطى قـائد الـوفـد سعـد زغـلول ومصطـفي النحاس ، لـنـفسـيـهـما " استـبدادية " في مواجهة أعـضاء الحـزب ، تـكررت حتى استـقرت تـقـليداً في هـذا الحزب العـتـيد ... ففي عـام 1921 قـرر سعــد زغـلول ـ منـفـرداً ـ فـصل أغـلبـية أعـضـاء الـقـيادة العـليا للـوفـد ( عـشرة من أربعـة عـشر ) . وفي عـام 1932 كـرر مصطـفي النحـاس الأمر ذاته ، فاتـخذ قـراراً منـفـرداً ( ! ) بفـصل أغـلبـية القـيادة ( ثـمانية من أحـد عـشر ) . ولـقـد كان هـذا التـقـــــليد الاستـبـدادي من بيـن أسبـاب الانشقاقات المتـتابعـة التي حـدثـت في الحــزب ، وكان الـسبـب الرئيسي في خـروج العـقـاد وروز اليوسف وأحمد ماهـر ومحمود فهمي النقراشي عـلى الوفــد أو عـنـه " .
ونـضـيف في هـذا السـيـاق .. تـلك كانت فـكـرة " الـزعـامة المقـدسـة " لـدى حـزب الوفـد الليـبرالي التي لا تـرى إلا ذاتها وخـضوع الـتابعـيـن .. وهي ذاتـها فــكـــرة " الـمرشـــد " الذي يمتـلك بصيرة ، وإلهـاماً ، أكـثـر من كـل الذيـن " يـرشــدهـم " ، بـل ويــبايـع منـهـم عـلى الطـاعـة والتسليم الكامـل بما يقـول وما يفـعـل ، عـند الإخـوان المسلميـن .. ثـم هي نـفـس فـكــرة " الإمــام " أو " ولايـة الـفـقـيه " عــنـد الــشـيعـة .. وهي كــلها حـالات ـ في أحـسـن أحــوالها ـ لا تـمت إلى الديـمقراطية بأدنى صـلـة .. فهي ـ في أحسن أحوالها أيضاً ـ تـصـادر حـق الآخريـن ( الجماهـير ) في المـشاركة في المشكلة ، وفي تـقـديم الحـل .. لأن الحـل سـوف يأتـيـهم من " معـصـوم " لـن يـخـطىء ، حتى لـو كان في مثـل حالهم أو أقـل !! .
إن الذين صـبوا جــام غـضبهم " الديمقراطى " عـلى عـبد الناصر " الديكتاتوري " في أزمة مارس 1954 وهـم تحـالف الوفد والإخوان المسلمين والماركسيـين ، وبقايا الأحزاب المتهالكة ، بقيادة محـمد نجيب وخالد محي الدين .. لـم يكـن بينهـم عـلى أي وجـه ـ من حيث الفكـر والمنهج والسلوك ـ ديمقراطي واحـد ، فـلقـد كانوا جميعـاً ـ كما يقول الدكتور سيف الدولة ـ مـمن يسلمون أمورهـم إلى قيادتهم تسليماً غـير مشروط ، ثـم ينكرونه عـلى عـبد الناصر ، الذي لـم يطلبه منهـم أصـلاً .
لـقـد كانت مطالب الليـبراليـين في ذلك الوقت ـ كما يورد الدكتور ـ تـنـتهي كخلاصة ، إلى أن يسلم عـبد الناصر السلطة إلى " الزعـيم " مصطفي النحاس ، أو إلى " الإمـام " حسن الهـضيـبي ، أو إلى خـالد محي الديـن وحركة " حـدتـو " الشيوعـية ، تـحـت عــباءة محـمد نجـيب . لـم يـكن لأي من هـؤلاء عـلاقـة بقـضية الديمقـراطية في مصـر ، رغـم واقـعـهـا الـمـهـيـن الذي كان " واقعـاً " عـلى الأرض أمـام عـيونـهـم ، وليـس في متـاحـف الـديمقراطية الغـربـية وطـقوسها الـمزيـفة ، ولـم يصل وعـى أياً من هـؤلاء بالمشـكلة وأبعـادها ، كما وصـل وعـى جـمال عـبد الناصر بهـا .. والمؤكـد ـ بالقـطع ـ أن كـل منهـم ، وبدون استـثـناء ، كان لـديه حـلم كبـيـر بالسلطة وكرسي الحـكم ، حـتى وإن تحـقـق حـلمه هـذا
( 11 )
عـلى جـثـة الديـمقراطـية التي عـاش يـتـشـدق بهـا .. بـل وعـلى جـثـث الذيـن يـطـلبـونها والـذين هـم يسـتحقـونها بالواقع والتاريخ .. ورغـم ذلك فـإنه وغـيـره لا يكـلون ولا يـملون من جـلـدنا وأولـنا جـمال عـبد الناصر بـسـوطهـا متـعــدد الأطــراف !! .
والخامس من يونيو / حزيران 1967 :
كـنا قـد اتـفـقـنا من قـبل .. نحـن وجمال عـبد الناصر والدكتور عـصمت سيـف الدولة ، والمـنطـق والـتـاريخ والـواقع ـ وعـلى غـير رغـبة كل القوى المعـادية للشعـب العربي في مصر والأمة العـربـية كلها ـ اتـفـقـنا عـلى أن قضية الديمقراطية لا تـتجـزأ ، وأنها ترتـبط عـضوياً بكـليات النضـال الوطنى والقومي وجـزئياته ، إن في الداخـل أو في الخارج .. أي سـواء كان هـذا الـــنضال داخـل الحـدود الوطنية والقومية ، أو لحـماية تـلك الحـدود ذاتـها .. التي إذا انكـسـرت واسـتـباحـهـا الأعـــداء ، يتوقـف الحديـث " غربي الـمـنـشــأ " عـن الديمقراطية ، ويـفـرض نـفـسه الحـديـث عـن تحــريـر الوطـن .. والصياغـة الجامعـة لـذلك هي " لا صـوت يـعـلو فـوق صـوت الـمعـركة " .. معـركة تـحـريـر الوطـن والأمـة ، باعـــتـبار أن نطـاق العـدوان كان أكـبـر من حـدود قـطـر معـيـن من أقـطـارها .
يقـول الدكـتور سيـف الـدولة عـن هـــذا اليـوم :
" ... يوم أن ظهر ما كانت القوى المعـادية لأمـتـنا قـد دبرتـه ، وخطـطت لـه ... وضربت ضربـتها الصاعـقة . ولـقـد اعـتـرفـوا من بعـد أن هـدفهـم الأساسي كان إسقاط قائد معـارك التحرر العربي ، عـبد الناصر ونظامه ، وهـزيمة أمـته . ولقـد نـالوا منه ومن نـظامه ومن أمتـه مـا نـالوا ، وهـو جـسـيـم ، ولكنهـم لم يسقـطوه ولا أسقـطوا نظامه ولا هــزموا أمـته . فـقـد احـتـضنـته وحـمته الجماهـير العـربـية الهادرة من المحيط إلى الخليج ، وأعـادته إلى موقع القيادة ، ثـقـة منها في مقـدرته . كان ذلك في يومى 9 و 10 يونيو / حـزيران 1967 .
وسـيثـبت التـاريخ ، وقـد أثـبـت فعـلاً ، أن أعـظـم أيـام عـبد الناصر ، وأكـثرها جــلالاً هي الأيام التي تـلت الهـزيمة ، فـفي يوم 5 يونيو 1967 لم يـمت جمال عـبد الناصر ، ولكـنه اسـتـرد ملء حـيـاته وحـيـويـته . نالـت الهـزيمة من عـبد الـناصر الحاكم ، وأبرزت عـبد الناصر الزعـيـم . أضعـفت رجل الدولة " الحكيم " الذي يتعـامل بالممكن ، وقد كان الممكن صـفراً ، وقدمت القـائد والثـائر الذي يتحـدى بما يجـب أن يـكون مبـتـدئاً من الصفـر أيضاً .
بكل مقايـيس الحكمة والمرونة والعـقول المفتوحة والواقعـية ، كان عـلى عـبد الناصر أن يسـتسلم ، مفاوضة وصفحاً واعـترافاً بالذين هـزموه . ولكن بمقايـيس القيادة والزعـامة والـثـورة ، كــان عـلى عـبد الناصر أن يـلـبى نـداء جـماهـيـر أمـته ، ويـقـودها عـلى طـــــريق : " لا صـلح ، لا تـفـاوض ، لا اعـتـراف " ولـقـد اخـتـار عـبد الناصر الـطريـق الذي لا يخـتـاره إلا الأبـطـال " .
ثـم يستـمر الدكتور في دفـاعـه " مرافـعـته " .. محـدداً دوافع العـدوان وأسباب الهـزيمة :
ـ ضرب المـد الوحدوي الذي كان يقوده عـبد الناصر ، وأن خطة عـدوان 67 قـد وضعـت
وبدء في التـدريـب عـليها فــور قـيام الوحــدة عـام 1958 .
ـ وأن الانفصال عـام 1961 لم يكن إلا جـزءاً مبكـر التـطبـيـق لخـطة عـدوان 67 .
ـ ضـرب وتـدمير الطـاقات الاقتصادية التي كانـت بدأت لأول مـرة تعـطى ثـمار التخـطيط
العلمي والتصنيع .
( 12 )
ـ بالـمـرة .. لـقـد دفعـنا الأعـداء إلى أن نعـتـقد بأن ما حـدث كان نتـيجة " عـيـوبا نحن ، عـجزنا نحن ، تخـلفنا نحن ، ما قـلناه نحن ، ما فعـلناه نحن .. لنـكون " نحن " الذين جنينا عـلى أنفـسـنا ، ويـكون الأعــداء أبـريـاء مما أصابنا . كأنـنا نحن الذيـن اغـتصبنا الأرض وبدأنا العـدوان وتجاوزنا الحدود ، كما يقـول الدكتور .
ونضيف نـحـن .. أنه إذا كان من بين الحكام العـرب في تـلك الفـترة ، من استـصدر قراراً رسمياً من مجلس وزرائه ، في شهـر ديسمبر 1966 ـ أي قـبل العـدوان بستة أشهـر فـقـط ـ بتـقـديـم " التـماس " إلى الولايات المتحـدة الأمريكية لاتخــاذ " الإجـراءات اللازمة " لإخـراج القـوات المصرية من اليمن .. وأن من بيـن هـؤلاء الحكام من جمع كـبار ضـباط جيـشه صبيحة يوم 29 سبتـمبر 1970 ، ليهـنـئهـم " بـوفـاة جـمال عـبد الناصر " في اليـوم السـابق !! .. نـقـول إذا كــان ذلك قـد حـدث ، وقد حـدث أبـشع منه الكـثـيـر .. فـإنه كــاف لتوضيح أبعــاد المؤامرة ، وأطرافها ، وما حــشد وأعـد لتـنـفيذها ، بغـض النـظـر عـن أوجـه القـصور والخـطـأ لـديـنا ، وعـدم إنكارنا للتأثـيرات السلبـية والمدمـرة للقصور والخـطأ .. ومـا حـدث في الإغـارة الأمريكية الاستعمارية الصهـيونية عـلى العـراق عـام 2003 ، وما حـدث في جنوب السودان وسوف يحـدث في غـربه في دارفـور ، وما قـد يحـدث لـسوريا وإيران .. فـإنه يفصح بجـلاء عـن العـنصر الثابت الأعـلى في الإستراتيجية الإمبريالية الاستعمارية الصهـيونية العـالمية ، وهـو الإغـارة والعـدوان المباشر ، لـمنع أي بـروز لأي قـوة أو قـيـادة إقـليمية خـارجة عـن السيـطـرة ، في المنطـقـة الأهـم ـ بما لا يقـارن ـ في العـــالم كـله .. وهي المنـطقة العـربـية والـدول الملامسـة لهـا .
عن موقع حزب الكرامة
نشرت فى 15 فبراير 2007
بواسطة nemo7a
عدد زيارات الموقع
2,730,564


ساحة النقاش