مطبخ الصغيرات.. دروس في فن الطهي والثقة!!
| منى يونس |
24/07/2001 |
![]() |
|
مطبخ الصغيرات |
كنت كعادتي يوم السبت بالمنزل. من المفترض أن يكون يوم راحة، ولكن أعباء البيت ومتطلباته تُحوِّل ذلك اليوم أسبوعيًّا إلى أشغال شاقة، فقائمة الأعمال المنزلية تصل إلى الصفحتين وتتعدى الثلاثين مهمة، وفي غمار ذلك كله عليَّ ألا أنسى "مجال الصغار وملاعبتهم والاستمتاع بوقتي معهم..." مهمة صعبة.
وبينما أنا منهمكة في الكيّ، وغسيل الملابس، وترتيب دولاب الملابس، ومكالمة هذه لتهنئتها، وتلك لتعزيتها... إلخ.
طرقت ابنتي الباب في رقَّة متناهية تسألني سؤالاً عجيبًا، أعجب منه ذلك التوقيت. "هل تريدين أن ترتاحي يا أمي"، فقلت لها: "يا ابنتي أنا اقتنعت أن الراحة هي الراحة الأبدية. اللهم اكتب لنا هذه الراحة".
ثم دخلت على استحياء لم أعْهَده منها، ولكن عندما استدرت ورأيت ما بيديها الصغيرتين فهمت سبب الرقة والهدوء، سبب الابتسامة البريئة والضحكة "الخبيثة"، إنها قامت بخبز كعكعة... وحدها... وحدها تمامًا دونما مساعدة مني. فعلاً طلبت منِّي أن أشعل الثقاب، وأوقد الفرن، ولكن ادعت أنه لتسخين بعض الأرغفة المجمدة.
تلاشى التعب.. تلاشى الإرهاق والإحساس بالمجهود والنصب.. ابنتي كبرت، هي لم تتعدَّ العاشرة، ولكن فعلتها هذه جعلتها تكبرُ في نظري.
"ألا يمكن الاعتماد عليَّ الآن؟!"
كم تحتاج البنات في مثل هذه السن إلى الإحساس بأنهن مصدر ثقة، وأنهن آنسات صغيرات يُعتمد عليهن. ويمثل المطبخ المكان المناسب، وتعلم الطهي والخَبْز الفرصة الذهبية لبناء هذه الثقة وتنمية هذا الإحساس.
منذ قرن مضى كانت الأمهات يعتمدن أساسًا على الابنة في القيام بأعمال المنزل، فكان ذلك مولدًا طبيعيًّا لمشاعر الاعتزاز والتقدير والثقة، ولكن تغير الزمان وتغيرت الظروف.
تعليم الطهي في ألمانيا
نظرت إلى الكعكعة في ذهول.. سريعًا مرَّت الأيام والشهور والسنوات، فمنذ زمن - أظن أنه لم يكن بالبعيد - أهدتني أمي كتاب الطهي والطبخ الألماني الذي تتسلمه كل فتاة في ألمانيا الغربية، مع تسلم شهادة المدرسة المتوسطة (الإعدادية).
ولهذا الكتاب ولهذا الاتجاه الألماني في أن تقوم المدارس بتعليم البنات الطهي والطبخ مبرراته المنطقية، فقد نتج عن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وتدهور اقتصادها أثره على خروج المرأة إلى سوق العمل، وبالتالي ترك البنات إما مع الجدات أو وحدهنّ في المنزل، فلم يكن لدى المرأة العاملة وقت كافٍ لتعليم البنات الطهي، فقرَّرت وزارة التعليم الألمانية آنذاك تشجيع المدارس على القيام بهذا الدور، كما شجَّعت شركات المواد الغذائية على تمويل كتب الطهي والسماح لها بالإعلان والدعاية لمنتجاتها بهذه الكتب، فشهدت دور النشر تنافسًا بين الشركات على نشر الكتب الفخمة من حيث الطباعة، والتصميم، والرسومات، والصور الملونة، فكان أحد هذه الكتب هو ذلك الكتاب القيِّم الذي علَّم أمي وعلَّمني من بعدها فنون الطهي.
منذ أن تمَّت ابنتي الثامنة، وأنا أبحث عن كتاب باللغة العربية يتناول فنون الطهي، ولكن بأسلوب يتناسب وسنها، فما وقع في يدي سوى كتب أوربية أو أمريكية مترجمة، بها وصفات لا علاقة لها بالتذوق العربي للطعام.
أخيرًا.. كتاب عربي
حتى وقع في يدي كتاب منذ أيام قليلة "طبَّاخة لأول مرة" الصادر عن دار الهلال، تأليف هالة صلاح الدين، وسامي عبد القادر.
يعرض الكتاب بصورة شيقة وجذَّابة لتجربة سعاد في المطبخ، وذلك من خلال رسائل ترسلها سعاد إلى والديها عن المواقف الصعبة واللحظات السعيدة التي مرَّت بها، وكيف تحولت من طفلة كسولة إلى "ست بيت" من الدرجة الأولى. الرسائل تتسم بالفكاهة والمنطقية وأسلوب التحدي:
المتمثل في جملة سعاد "عليَّ أن أتحدَّى الجهل في المطبخ"؛ ولذلك جاء الكتاب مناسبًا جدًّا لسن ابنتي، فبدلاً من نصائحي المتكررة بضرورة ارتداء المريلة، وضرورة غسل الأواني بعد الانتهاء من أعمال المطبخ، جاءت كلمات سعاد في صياغة ممتعة ومقنعة.
كما امتاز الكتاب بتناوله العديد من الموضوعات الهامة الضرورية لفهم أهمية الأطعمة، وأهمية مكونات ما نتناوله كل يوم، فقد تناول الكتاب مثلاً أهمية الفيتامينات، والفرق بين كل نوع من الفيتامينات، وأين يمكن أن نجد ما يفيد الإبصار، وما هي العناصر الهامة لبناء العظام...، وكل ذلك في صورة قصص مروية من سعاد إلى أمها.
كما تطرَّق الكتاب إلى أمور مثل مائدة رمضان، وما هي أفضل الأطعمة التي تقدم في السحور وفي الإفطار، بالإضافة إلى سلوك المائدة، وكيفية تنسيق الزهور على مائدة الطعام، إلا أن افتقاد الكتاب في هذا الجانب الصور الملونة، أفقده شيئًا من الجاذبية المطلوبة؛ ولذلك لا يمكن اعتبار هذه التجربة تجربة متكاملة، ولكنها بلا شك بداية لخطوات على الطريق السليم، وفي النهاية يبقى دور الأم في توجيه الابنة إلى ضرورة خوض التجربة، وغض الطرف عن بعض الخسائر المادية، فما قيمة كوب أو طبق يُكسر... لو قُورن بكسر قيمة الاعتماد على النفس، والثقة، وتحمل المسؤولية.



ساحة النقاش