لماذا يتحدث الشباب "لغة الروشنة"؟
 
هيثم الحاج علي
قاموس الروشنة ممتد
إذا كانت اللغة هي المعبر الأساسي عن هوية الفرد، وهوية المجتمع، ناهيك عن كونها أداة الاتصال الأساسية بين أفراد المجتمع، فإن الجزر اللغوية المنتشرة داخل المجتمع العربي، والمعبرة عن انعزال الأفراد عن بعضهم البعض، تمثل إحدى أهم المشكلات الكبرى التي يواجهها الفرد العربي. ولعل أبرز مثال على هذا الانعزال ما يمكن أن يسمى بلغة الروشنة، التي انتشرت– من دون قواعد واضحة– بين جيل الشباب العربي. نشأة اللغة يتفق علماء اللغة على أن اللغة في أصل نشأتها تقوم على عشوائية اختيار الأصوات للتعبير عن دلالات بعينها، وهو الأمر الذي أدى بالضرورة إلى اختلاف اللغات، غير أن هذه العشوائية يتم التحكم فيها عن طريق اتفاق اجتماعي اصطلاحي على أن كل لفظة تؤدي معنى مخصوصا، لكي تُتم اللغة وظيفتها الاتصالية. وإذا كان الأمر كذلك في نشأة اللغات عمومًا، فإن لكل لغة تاريخها الخاص الذي تتطور من خلاله، غير أن أهم القواعد التي تتحكم في تطور أي لغة، مواكبة مقتضيات العصر، في اختراع ألفاظ تساير المخترعات الحديثة، والاحتكاك بالثقافات المختلفة، وهو أمر يمكن ملاحظته في ألفاظ مثل: طبلية المستعارة من كلمة Table الإنجليزية، والقاعدة الأساسية الحاكمة لمبدأ الاستعارة هي قوة الثقافة وضعفها، والميل إلى السهولة، ومن أهم مظاهر هذا الميل التخلص من الأصوات والألفاظ صعبة النطق، أو غامضة الدلالة، أو التي بعد العهد الزمني بها فلم تعد مستخدمة. ويلاحظ في العصر الحديث، خاصة في القرن العشرين أنه شهد تراجعًا واضحًا للقيم الدينية في المجتمع العربي، وحل مكانها قيم جديدة مجتلبة من الغرب، ومن ثم فقد تحولت اللغة المشتركة من الفصحى القرآنية الميسرة، إلى العامية القاهرية، في نتيجة واضحة للدور السياسي والثقافي الذي قامت به مصر في هذا القرن، يضاف إلى ذلك الدور الإعلامي والفني، حيث تعد السينما والدراما المصرية من أهم عوامل انتشار العامية القاهرية، وفهمها من قبَل كل المتحدثين بالعربية. اللغة السرية في كل لغة مجموعة من الشفرات التي يتواضع عليها أصحاب الحرف، أو الجماعات التي تنشأ على هامش المجتمع، أو نجد شفرات قائمة على اللعب بالحروف داخل الكلمات، مثل الطريقة المنتشرة بين مجتمعي اللصوص والآلاتية (موسيقيو الأفراح).
نماذج من رسائل الشباب الروش
ولا يخفى علينا أن هذه اللغات أو الشفرات ظلت حبيسة هذه الجماعات، واستعمالاتها المهنية لفترة طويلة، غير أن هناك من التطورات الاجتماعية ما أدى إلى طفوها على سطح التعامل اللغوي، خصوصا بعد فترة الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات التي شهدت صعودا فجائيا غير مبرر لكثير من أبناء هذه الطوائف مع سيادة قيم الشطارة والفهلوة. الأمر الذي أدى إلى توازي فكرة الصعود مع استخدام مثل هذه اللغات، وهو ما أسهم في انتشار مثل هذه النوعية من التعاملات اللغوية، وهو العصر الذي شهد ظهور وانتشار ألفاظ مثل: "طنش"، و"قب"... إلخ. "الروشنة".. وأزمة الشباب "لغة الروشنة" يتحدثها جيل من الشباب الجامعي وصل إلى درجة من التعليم يفترض فيها أنها تجعله واعيا لطريقة تعبيره عن نفسه، غير أن الجيل قد وقع في فجوة كبرى من انعدام الانتماء، وهو ليس ذنبه بالتأكيد، فهو جيل يتسم بالإحباط، ويعاني من فقدان القضية، نظرا لعدم إيمانهم بقيم مثل الوطن، وهي عوامل تجعلهم يحاولون التخلص من كل رابط يربطهم بهذا الوطن، وربما أهم هذه الروابط اللغة، لذا نجد معظمهم متفرنجا رغبة في التوحد بالنسق الذي يبتغي الهرب إليه. أضف إلى ذلك أن سوق العمل في مصر على وجه التحديد، قد بدأت في الاهتمام- مع هزة الانفتاح الكبرى– بالتعامل مع شركات متعددة الجنسيات، فصارت إعلانات الوظائف تطلب من يجيد لغة أجنبية– الإنجليزية في أغلب الأحيان- بل صارت الإعلانات نفسها مكتوبة بالإنجليزية، الأمر الذي جعل الآباء يرغبون في تعليم أولادهم اللغات الأجنبية، وهو ما قاد الطفل إلى فقدان الثقة في لغته الأم. ومن ناحية أخرى تبدو المناهج التعليمية– خاصة فيما يتعلق باللغة العربية مناهج موجهة لصناعة كارهي اللغة العربية، فتبدو قواعد النحو بالنسبة إلى الطلاب معقدة وتجريدية بصورة كبيرة حيث لا يتم تدريب معلمي اللغة على تبسيط هذه القواعد وربطها بالحياة اليومية، الأمر الذي يخلق رغبة في نسيانها بمجرد اجتياز اختبارها. أما الظرف الاجتماعي فقد زاد من حدة الفجوة الجيلية، بالصورة التي يرفض فيها الآباء أفعال أبنائهم من دون نظر أو مناقشة، نتيجة لضيق أوقاتهم نظرا لانشغالهم في محاولة مواكبة الظرف الاقتصادي السيئ بالعمل المستمر، وهو ما يخلق فجوة تواصل مع الأبناء. أما الأبناء فيحاولون مواكبة عصرهم، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة حدة رفضهم لجيل آبائهم، وهو ما يعمق من الفجوة ويقود إلى التمرد الذي يتجلى في صورته الأولى في لغة تشبه اللغات السرية، لغة توضح انغلاق مجتمع الشباب على نفسه بعيدا عن سلطة الآباء والمؤسسات. كيف تصنع لغة الروشنة؟ ولكن ما هي الوسائل التي يستخدمونها لصناعة هذه اللغة، وكيف تطور تلك اللغة نفسها، سواء بالاستعارة من اللغات الأجنبية، أو بالنحت، أو بالتحوير...إلخ. - الاستعارة من اللغات الأجنبية: تبدو الإنجليزية هي اللغة الأهم في هذا المجال، وتتم الاستعارة على مستويين: الأول: الاستعارة الخالصة، حيث يتحدث الشباب بكلمات عربية مطعمة بالإنجليزية من دون تغيير، لتبدو اللغة مهجنة. والثاني: يقوم على تطويع اللفظة الأجنبية للصياغة الصرفية العربية، لتتحول إلى ما يشبه الكلمة العربية، مع احتفاظها بحروفها المعبرة عن أصلها الأجنبي، وهذه الطريقة تنتشر بصورة كبيرة في مجال التعامل مع المنتجات الإلكترونية، كما أنها تتم عن طريق تحويل الكلمات إلى أفعال، وأمثله ذلك: يأنتر: أي يدخل على شبكة الإنترنت، يشيت: يقوم بعمل chat، يفرمط: يقوم بعمل format لجهاز الكمبيوتر، أي إعادة ترتيب وتصفية. ومن الواضح في هذه الأمثلة أنها كلها على علاقة بالمجالات المستحدثة التي ما زالت مجامع اللغة تتعامل معها كأنها غير موجودة، أو على الأقل تواجهها بعد أن ترسخت ألفاظها الأجنبية داخل مجالات التعامل اليومية، وهو يمثل عائقا واضحا أمام تعبير اللغة العربية عن هذه المستحدثات، فليس من المعقول أن يغير الفرد كلمة التلفزيون التي يعود استخدامها لمدة (15) سنة لمجرد أن المجمع اللغوي قد أصدر قرارا بأن هذا الجهاز اسمه المرناة أو المذياع المرئي أو التلفاز. - النحت من ألفاظ قديمة: وهو رافد مهم من روافد تطوير اللغة عن طريق استحداث صيغ صرفية غير مستخدمة من قبل، بدمج لفظتين أو أكثر مثلا للتعبير عن معنى واحد، وذلك مثل كلمة "يكلسن" أي يقول: "كل سنة وأنت طيب". وقد يكون هذا الدمج ناتجا عن فهم خاطئ لإحدى اللفظتين، أو عن اختلاط معنى كل منهما: فمثلا: الفعل "يتحاشى" فعل ينصب مفعولا، ومعناه يتجنب. والفعل "يتلاشى" فعل لا ينصب مفعولا، ومعناه يتضاءل ويختفي، ويقوم الشباب بالدمج بينهما مثل قولهم: فلان شخص سيئ "تلاشاه". بتحويل الفعل تلاشى إلى فعل ينصب مفعولا هنا، ويكون المعنى الجديد: إن فلانا شخص سيئ فتجنبه، واعتبره كأنه متضائل أو غير موجود أصلا. - النحت الخالص: وهو واحد من أهم روافد لغة الروشنة، حيث يتم استحداث لفظ جديد تماما ليؤدي معنى متداولا، غير أنه بهذه الصورة يقوم بدور الرمز الشفري، الذي لا يمكن حله إلا باتفاق الأطراف كلها، ولذلك يمكن عد هذا الرافد العامل الأهم في جعل اللغة غريبة غامضة بالنسبة لغير متحدثيها، ويتسم هذا الرافد بالعشوائية التامة، حيث لا يتم استقرار اللفظ إلا بعد انتشاره. وأمثلة هذا الرافد متعددة وتصعب على الحصر، كما أن معنى كل لفظ منها يستعصي على التحديد بدقة نظراً لتغيره من جماعة إلى أخرى. ومن أهم أمثلة هذه الطريقة: يروشن: يخرج على المألوف. يهيس: أي يقول كلاما غير مفهوم، أو يفعل أفعالا لا يجب فعلها في موقف معين. يأنتخ: أي يتكاسل ولا يفعل شيئا. والأوكشة: أي البنت الجميلة وجمعها الأكش. - توسيع دائرة المجاز: وإذا كان توسيع دائرة المجاز– كما رأينا سلفا– واحدا من أهم عوامل تطوير أي لغة فإن لغة الشباب تستغل الرافد ذاته لصناعه لغة خاصة بهم، وهنا يبدو التشبيه هو الطريقة المثلي لهذا وأمثلة ذلك كثيرة، وهى الأشهر في هذا المجال، ومنها "نفض" ومعناه "تجاهل"، وتقوم على تشبيه الكلام غير المرغوب فيه بالغبار الذي يدخل الأذن، وأن على السامع أن ينفض أذنه منه. "يهنج" وهى تشبيه للعقل بالكمبيوتر الذي يتوقف عن العمل، والملاحظ هنا أن المجاز قد استغل كلمة ذات أصل أجنبي، مجتلبة من مجالها إلى مجال آخر. وماذا بعد ذلك؟
غير الإنترنت الكثير من مفردات التخاطب بين الشباب العربي لدرجة أن أصبحت له لغة خاصة
أيمكن لنا بعد ذلك أن نتعامل مع اللغة التي يتحدثها الشباب بوصفها جريمة يجب عقابهم عليها، أو بوصفها إساءة أدب من ناحيتهم. أم يتوجب علينا الوقوف على الأسباب التي جعلتهم يعبرون عن أنفسهم بهذه الطريقة دون أن نبرئ أنفسنا تماماً، لكوننا واحداً من هذه الأسباب. ولعل في ذلك دعوة إلى مراجعة مناهج اللغة العربية في مدارس ما قبل الجامعة، وتقريبها إلى روح العصر الذي يعيشه هؤلاء الشباب. ومن ناحية أخرى هي دعوة إلى محاسبة الهيئات المنوط بها تطوير اللغة، أو على الأقل مراجعة آليات عملها لتخرج من عزلتها، وتعيد إلى اللغة العربية فاعليتها بوصفها مكونا أساسيا للهوية. وقبل كل ذلك هي دعوة لسد الفجوة الجيلية السحيقة البادية في التنامي والاتساع بين شباب الجامعات والأجيال السابقة عليهم، وعندما يحدث كل ذلك فسيكون من الممكن محاسبة هؤلاء على أنماط حياتهم ولغتهم.

  • Currently 53/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
17 تصويتات / 1299 مشاهدة
نشرت فى 14 يناير 2007 بواسطة nemo7a

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

2,730,576