جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
|
"الحب على الكورنيش"! |
|
|
|
 |
|
المجتمع مسئول عن تزويج أفراده |
في إحدى المرات
التي خرجنا فيها للتنزه أنا وزوجي وطفلي على ضفاف نيلنا الطيب استفزني أحد
تلك المواقف التي بدأنا نألفها وأصبح أقصى اعتراض نقدمه هو مد شفاهنا
للأمام والتمتمة ببعض كلمات الامتعاض على خجل.. كان هناك شاب يقترب من
إحدى الفتيات بشكل لافت للنظر، وبدأ يمسك بكفيها ويفركهما بكفه وكأن عفريت
مصباح علاء الدين سيخرج منهما، ثم بدأت التجاوزات تتوالى دون حساب لمارة
أو اعتبار لآداب عامة.
في الحقيقة لم
أتمالك نفسي، وبدأت أنهرهما وأطالبهما باحترام الشارع والمارة، وهددتهما
بأني سأطلب لهما الشرطة بدعوى ممارسة فعل يخدش الحياء العام -وتساءلت في
قرارة نفسي وهل مازال هناك "حياء"؟ ولماذا أنا من بادر باستهجان الموقف مع
أن العشرات والعشرات مروا عليهم ولم ينطقوا ببنت شفة-.
المهم أنه بعد
نقاش حاد أشبه بالشجار قام "الرفيقان" بمغادرة المكان ليس تلبية لرغبتي
وإنما بعد أن اجتمع عليهم الثقلان واضطرا للفرار من أعين الناس.
سردت موقفي
البطولي لأصدقائي، وبدأنا نقاشًا ساخنا حول موضوع انتزاع الحياء من الناس
والمجاهرة بالمعصية، وما بات يعرف باعتياد المنكر، وكيف أننا نُستفز بتلك
المشاهد ونكره أن تؤذى أبناؤنا -خاصة المراهقين منهم- بها، وحاولنا أن
نخرج من النقاش بطرق جديدة لإنكار المنكر والأسلوب الأمثل لمواجهته.
إلا أن أحد
الأصدقاء استوقفنا بجملة اعتراضية أخرستنا جميعا حينما قال: "ولماذا لا
تظنون أن منظركم أنتم هو الذي يستفز الشباب الحالم بالزواج؟ أو أن منظر
الحامل مثلا يستفز امرأة تأخر سن زواجها، أو أن منظر طفلكم يركض من حولكم
لا يستفز شابا يحلم بالزواج وإعفاف نفسه؟".. للحظات توقف الجميع عن الكلام
وأدركنا أن لنا شراكة، إرادية أو لاإرادية في مثل تلك المشاهد المستفزة،
وباتت المشكلة فينا كمجتمع وليس كأفراد.
نعم علينا
مواجهة أنفسنا كمجتمع واحد، فنحن شركاء في إنتاج مثل تلك المشاهد شئنا أم
أبينا، شركاء بإهمالنا للقطاع العريض من الشباب الذي يحلم بوظيفة بسيطة،
وأسرة مستقرة حتى وإن كانت متواضعة الحال، وبدلا من دعمهم تجاهلنا
مطالبهم، وأحلامهم... لكن علينا إدراك أن الوقت ما زال مبكرًا وبالإمكان
أن نسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ماذا لو تكاتف
المجتمع جميعا لإنشاء مشروعات تسعى لتحقيق أحلام المحرومين من الزواج على
أن تكون مصادر تمويل تلك المشروعات من أموال الزكاة أو صناديق الصدقات
والنذور أو من خلال إحياء فكرة الوقف الإسلامي.
حديقة للتعارف
ويكون من أهداف
تلك المشروعات -إضافة لتيسير سبل الزواج المادية- إتاحة مجال عام منضبط
للتعارف بين الشباب، كأن ننشئ حديقة عامة يغلب عليها الطابع الأسري تكون
مجهزة بمقاعد ومقاه ومطاعم على أن تكون الحديقة كاملة الإضاءة مؤمنة بشرطة
مجتمعية تمنع أي تجاوزات أخلاقية (وتظل إدارة الحديقة شديدة وصارمة ولا
تتهاون في أي إخلال بقواعدها).
ويمكن أن يقوم
الشباب والفتيات الراغبين في الزواج بالتوجه مع أسرهم إلى هذه الحديقة،
كبديل عن إعلانات الزواج على الفضائيات وعلى الإنترنت التي غالبًا ما
تفتقد الصدق والمكاشفة. وبهذا نسد على شبابنا ذريعة أنه لا يوجد مكان
يتمكنوا فيه من التعرف على شريك الحياة وكذلك نضمن أن يكون اللقاء تحت
رقابة المجتمع نفسه قبل أن يكون تحت عيون ذويهم.
توفير أماكن
تسمح بتعارف الجنسين في حدود المجال كالمراكز الثقافية أو الأنشطة
والفعاليات التي تمكن الشباب من التعارف، فهي مساحات رحبة تسمح بالتعرف
على العمق الفكري لكلا الطرفين وتظل العلاقة تحت نظر المجتمع.
مبنى سكني
لا نطالب بأن
يسكن شبابنا في شقق فارهة بل نسعى لنوفر لهم ولو شققا مكونة من (غرفة نوم
– صالة- حمام – مطبخ) ويبقى سعر الشقة بسعر التكلفة أو بأرباح بسيطة على
أن تكون في متناول الشباب، مع إلزام الهيئة المسئولة عن البناء بجمع أثمان
الشقق المباعة لتنشئ مبان سكنية جديدة ونعيد الكرة من جديد.
وبذلك نستطيع
من خلال مصادر التمويل السابقة الذكر أن ننشئ مبنى سكنيا متعدد الطوابق
على أن يتعاون المقاولون من أعمال: البناء، السباكة، النقاشة،...الخ في
إنشاء المبنى بسعر التكلفة فقط على سبيل التبرع أو حتى الدعاية.
كما أنه بإمكان الهيئة الراعية للمشروع أن تعلن أيضًا عن مناقصة بهدف تأثيث الشقق بأثاث بسيط يفي بأغراض العروسين وبأسعار رمزية.
من الممكن
أيضًا أن نعمل على تشجيع شركات الأجهزة الكهربائية أن تساعد العروسين
بالأجهزة الضرورية لكل شقة وإذا حسبنا حسبة بسيطة فإن تكلفة التجهيز لن
تضاهي بأي حال من الأحوال كلفة إعداد إعلان تجاري يذاع على القنوات
التلفزيونية أو الفضائية... وستكسب الشركة ود المواطن العربي ودعمه
لمنتجاته بالتأكيد.
صندوق الزواج
كما أن
بالمساجد صناديق للنذور والكفارات والصدقات.. لماذا لا نضيف عليها صندوقا
آخر للزواج؟ ولنوسع الفكرة لتكون تلك مهمة الدولة وليس أفرادها فقط،
فعليها أن تعد حملة تطالب فيها الشركات والمصانع بالتبرع للصندوق نظير أن
تمنحها هامشا إضافيا في تخفيض الضرائب مثلا، أو أن تخصص في الأساس جزءا من
الضرائب المحصلة من الشركات والمصانع للصندوق.
على أن يقوم
الصندوق بتمويل المقبلين على الزواج بعد إتمام دراسات بحثية على حالتهم
وإمدادهم بما يحتاجونه من أجهزة وأثاث، وتنظيم أعراس جماعية، أو إنشاء
صالة أفراح مدعمة التكلفة.
وكوسيلة
للتخفيف من أعباء الحياة أقترح أن تشترك النقابات والمستشفيات في الإعداد
لخدمة مدعمة للمتزوجين حديثا كأن يصرف لهم الدواء بنصف الثمن، أو يتم
التعاقد مع عدد من الأطباء والمستشفيات لتقديم الكشف والعمليات الجراحية
بسعر رمزي نظير اشتراك كل أسرة في مشروع العلاج بمبلغ سنوي يقسط على أشهر
السنة.
الإعلام
يبقى أن نؤكد أن الدعوة والرسالة لن تنجح بدون أن يدعمها الإعلام بكل أنواعه، وذلك من خلال عدد من النقاط التالية:
- إعداد حملات
للتوعية بضرورة مشاركة المجتمع لأجهزة الدولة في تيسير الزواج، سواء
بتقليل المهور وخفض تكاليف الزواج والتهاون بعض الشيء مع الشباب في شروط
إتمام الزواج بالقدر المعقول والمناسب.
- إعداد حملات إعلانية تشجيعية لأصحاب الشركات والمصانع والمتبرعين من أهل الخير.
- القيام بحملات تذكيرية بمخاطر التعارف خارج نطاق الأسرة، وجميع صور العلاقات غير الشرعية.
- الدعوة لتصحيح المفاهيم المجتمعية المغلوطة التي رسخها الإعلام على أن يكون التصحيح رزينا وهادفا.
- توجيه دعوات في أطر درامية أو مباشرة لإعادة إحياء النخوة العربية، والقيم الإنسانية النبيلة في نفوس الشباب.
- تبني حملات تعيد القيم المنسية وتحيي الشريعة السمحة في معاملاتنا.
- تبقى تلك
الأفكار مجرد أحلام لكنها ليست صعبة المنال فكل ما ينقصنا الإرادة
والعزيمة، فلسنا ببلاد معدومة الموارد، ولم تخل أوطاننا من رجال ذوي همم
عالية.. ينقصنا فقط تحديد الهدف وتكاتف الأيدي والله في عون العبد مادام
العبد في عون أخيه. |
ساحة النقاش