للزعيم المعروف جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند الأسبق وأحد زعماء عدم الانحياز شهادة تكتسب أهمية خاصة وضعها فى كتابه ( اكتشاف الهند ) Discovery of india قال فيها : ” إن دخول الغزاة الذين جاءوا من شمال غرب الهند ، ودخول الإسلام له أهمية كبيرة فى تاريخ الهند ، إنه قد فضح الفساد الذى كان قد انتشر فى المجتمع الهندوكي ، إنه قد أظهر انقسام الطبقات واللمس المنبوذ وحب الاعتزال عن العالم الذى كانت تعيش فيه الهند ، لإن نظرية الإخوة الإسلامية والمساواة التى كان المسلمون يؤمنون بها ، ويعيشون فيها أثرت فى أذهان الهندوس تأثيرا عميقا وكان أكثر خضوعا لهذا التأثير البؤساء الذين حرم عليهم المجتمع الهندوسى المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانية ” .
ربما لن يحفل الكثير بهذه الشهادة ، ولن يعطها حقها لأن الكثيرين منا لا يعرفون كيف كانت أحوال الهند قبل الإسلام ، وماذا كانت تعنى فيمة المساواة فى المجتمع الهندى قبل أن يفتحها الإسلام ، وهو جهل – كشأن كثير مما نجهل – تتحمل مسؤوليته جهات عديدة أبرزها الدولة ممثلة فى وزارات الإعلام والتعليم والثقافة ، ثم المؤسسات الإسلامية العلمية .
ربما لم يعرف التاريخ نظاما طبقيا بشعا وفصلا عنصريا متوحشا كما عرفته الهند فى تاريخها القديم ، ومما يزيد فى مأساوية هذا الوضع أنه لم يكن ظلما ناتجا عن قسوة حاكم أو تسلط طبقة ، بل كان هذا هو الدستور والدين الذى يحكم الهند ، والذى تعتبر مخالفته تعديا على المبادئ الحاكمة للدولة .
ولن نتناول هنا إلا نظام الطبقات ، وكيف كان الفتح الإسلامى يعنى إنقاذا ضخما لجمهور كبير كان يحيا فى تلك الأرض من هذا النظام ، أما باقى أوضاع الهند وكيف تأثرت بالرؤية الإسلامية فذلك حديث آخر .
وُضع القانون المدنى والسياسى الهندى الذى اتفق عليه وأصبح مرجعا وحاكما للبلاد والعباد قبل ثلاثة قرون من ميلاد المسيح عليه السلام ، وهو معروف الآن بـ ” منوشاستر ” ، وهو يقسم الشعب إلى أربع طبقات متمايزة :
1) البراهمة : طبقة الكهنة ورجال الدين
2) شترى : رجال الحرب .
3) ويش : رجال الزراعة والتجارة .
4) شودر رجال الخدمة .
فى الباب الأول لهذا القانون يحدد وظائف الطبقات فى الحياة فعلى البراهمة ( المخلوقون من فم الإله ) تعليم “ويد” – الكتاب المقدس - وتقديم النذور للآلهة وتلقى الصدقات ، وعلى شتري ( المخلوقون من ذراع الآلهة ) حراسة الناس والتصدق وتعلم “ويد” والعزوف عن الشهوات ، وعلى ويش تلاوة “ويد” ورعى البهائم والتجارة والزراعة ، وليس لشودر إلا خدمة هذه الطبقات الثلاث .
وينص القانون على ان البراهمة هم صفوة الله من خلقه وهم أفضل الخلائق وهم سادة الأرض وكل ما فى العالم ملك لهم ولهم أن يأخذوا من أموال عبيدهم ما شاءوا فالعبد كله ملك لسيده ، وإذا حفظ البرهمى الكتاب المقدس فهو مغفور له ولو أباد جميع العوالم بذنوبه وأعماله ، ولا يمكن للملك حتى فى أحلك الظروف أن يأخذ مالا من البراهمة ، وأقصى عقوبة توقع على البرهمى – لو استحق القتل – هى أن تحلق رأسه .
وبعد هذه الطبقة تأتى طبقة الشترى ، وكانت لهم امتيازات ، ولكنهم أقل بكثير من البراهمة فالطفل البرهمى الذى ناهز عشرة أعوام يفوق الشترى ذا الأعوام المائة كما يفوق الوالد ولده .
أما طبقة الخدم ( شودر ) فإن القانون ينص (!!) على أنهم أذل من البهائم وأحط من الكلاب ، ومن سعادتهم أن يخدموا البراهمة ، وليس لهم أجر وثواب بغير هذه الخدمة ، ولايجوز لهم أن يقتنوا مالا أو كنوزا .
وكانت عقوباتهم فى غاية البشاعة والقسوة على تفاهة الفعل .. فإذا مد احدهم يده إلى برهمى قطعت يده ، وإذا مد رجله كسرت رجله ، وإذا حاول أحدهم أن يجالس برهميا فالقانون يلزم الملك بأن يكوى مقعدته بالنار وينفيه خارج البلاد ، وإذا سب أحدا يقتلع لسانه ، وإذا ادعى أنه يعلمه يسقى الزيت المغلى .. وقتل واحد من الشودر يساوى قتل كلب أو ضفدعة أو غراب أو بومة .. انتهى (1)
شئ مرعب أن اتخيل أن هناك بشرا عاشوا أزمانا تحت هذا الظلم البشع ، وهذه التفرقة الوحشية .. وأن قرونا كاملة من المعاناة كانت تنصب فوق رؤوسهم فتحرقهم وتكويهم ، وتعذبهم دون أن يكون لهم حق فى الشكوى أو الصراخ أو حتى الانفجار ، وتستوى حياة واحد فيهم بحياة الضفدعة أو الكلب او البومة .. ويكون ثمن امتداد اليد هو قطعها او نطق اللسان هو اقتلاعه او صب الزيت المغلى فيه !
ولماذا ؟؟ لا تدرى .. ليس هناك أى حكمة أو مبرر من كل هذه البشاعة وهذا العنف إلا ترسيخ شهوة التسلط والاستيلاء على الأشياء واستعباد البشر لصالح طبقة أخرى منفتحة .. شئ يثير الدهشة ان البشرية وصلت فى تفكيرها فى فترات من حياتها إلى هذا العبث والعنف والقسوة والتسلط .
ربما الان سيكون لشهادة لال نهرو طعم آخر ، فلنقرأها مرة أخرى .. يقول :
” إن دخول الغزاة الذين جاءوا من شمال غرب الهند ، ودخول الإسلام له أهمية كبيرة فى تاريخ الهند ، إنه قد فضح الفساد الذى كان قد انتشر فى المجتمع الهندوكي ، إنه قد أظهر انقسام الطبقات واللمس المنبوذ وحب الاعتزال عن العالم الذى كانت تعيش فيه الهند ، لإن نظرية الإخوة الإسلامية والمساواة التى كان المسلمون يؤمنون بها ، ويعيشون فيها أثرت فى أذهان الهندوس تأثيرا عميقا وكان أكثر خضوعا لهذا التأثير البؤساء الذين حرم عليهم المجتمع الهندوسى المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانية ” .
ويحتفى الباحث الهندى ( ن.س. مهتا ) بالفتح الإسلامى وأياديه البيضاء على الهند وإنقاذه لها فيقول فى كتابه ( الحضارة الهندية والإسلام ) Indian civilization and Islam : إن الإسلام قد حمل إلى الهند مشعلا من نور قد انجلت به الظلمات التى كانت تغشى الحياة الإنسانية فى عصر مالت فيه المدنيات القديمة إلى الانحطاط والتدنى ، وأصبحت الغايات الفاضلة معتقدات فكرية ، لقد كانت فتوح الإسلام فى عالم الأفكار أوسع وأعظم منها فى حقل السياسة شأنه شأن الاقطار الأخرى ، لقد كان من سوء الحظ أن ظل تاريخ الإسلام فى هذا القطر ( الهندى ) مرتبطا بالحكومة فبقيت حقيقة الإسلام فى حجاب وبقيت هباته وأياديه الجميلة مختفية عن الأنظار ” .(2)
لعله من الترف أن نذكر أن هذا هو الإسلام قبل ألف عام من معرفة الأوروبيين هل دماء النبلاء زرقاء أم حمراء ، فعجبا من ينادى الآن بتخلف الإسلام وعدم صلاحيته لأن يسود فى حياة الناس .
————————-
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين – العلامة أبو الحسن الندوى – صـ 46 : 48
(2) السابق – صـ 120 ، 121
من موقع المؤرخ
م. محمد إلهامي
تأثير الإسلام فى تطور الهند .
نشرت فى 17 ديسمبر 2006
بواسطة nemo7a
عدد زيارات الموقع
2,730,567


ساحة النقاش