<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman";} </style> <![endif]-->
هجرة المرسلين ليست كهجرة البشر ، ذلك أنها هجرة هدفها التمكين لدين الله تعالى بإرساء قواعده في الأرض لإعلاء شعائره إلى السماء ، وهي هجرة لا يقدم عليها الرسول إلا بإذن ربه ، وكم فات هذا المعنى كثيراً من الباحثين فخلطوا حتى آذوا النبي r بقولهم هاجر خوفاً أو فراراً من الأعداء ، يقولون هذا وموسوعات السيرة النبوية بين أيديهم تقص عليهم حث الصديق رضي الله عنه رسول الله r أن يهاجر فيبين له الرسول r أنه في انتظار أمر ربه . حتى أذن سبحانه فكانت الهجرة من أجل دين الله : فلم تكن لدنيا .. أو مال ...
واستوى - لهذا الأمر - رجال ونساء ، وما أكثر ما كان من حديث للرجال في الهجرة ربما كان سبباً في خفاء أمر نسوة كن على طريق الهجرة من قبل الهجرة ومن بعدها ، أديّن أدواراً غاية في الروعة والفداء والإيمان ، نسوة صَدقن أيضاً ما عاهدن الله عليه ، فلمعن في سماء الإسلام نجوماً باهرات لم يكن مثلهن في التاريخ ، ومن تلك النسوة :
1- (التمهيد للهجرة) نسيبة بنت كعب المازنية ، وأم منيع أسماء بنت عمرو السلمية :
بُعث النبي r في مكة ، وأخذ يدعو قومه ، فأسلم منهم قليل ، وبسطت قريش أيديها وألسنتها بالسوء ، فأخذ النبي r يعرض نفسه على القبائل عله يجد من بينها ناصراً ، فلم يجد منها جميعاً أذناً صاغية ولا قلباً واعياً حى لقي في موسم الحج نفراً من الخزرج فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فصدقوه وآمنوا به ، وقالوا : إنا تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العدواة والشر ما بينهم ، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله إليه ، فلا رجل أعز منك ، ثم انصرفوا عن رسول الله r وقد بايعوه .
فلما عاد إلى المدينة المنورة أذاعوا بها الإسلام فأجاب داعيتهم خلق كثير ، حتى إذا كان موسم الحج من قابل ذلك العام ، خرج من المدينة ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان إلى رسول الله r ليبايعوه ويؤتوه عهدهم وذمامهم أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم ، فتوافدوا جميعاً إلى العقبة الثانية التي كانت النواة الأولى في لبنة الدولة الإسلامية ، وما يهمنا من أمر هذه البيعة هو ما كان من أمر المرأتين وهما :
? ... نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو من بني النجار : وتكنى أم عمارة الأنصارية ، وهي زوج زيد بن عاصم الصحابي الجليل ، وكانت بطلة مجاهدة من أبطال الإسلام ، ويحفظ لها التاريخ وقفتها يوم أحد ، وهي تقاتل دون النبي r حتى قال : [ ما التفت يمينا وشمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني] وقد جرحت ثلاثة عشر جرحاً ، والدم ينزف منها ، فنادى المصطفى r ابنها عمارة قائلاً : [ أمك أمك اعصب جرحها ، بارك الله عليكم من أهل بيت ، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان ] فلما سمعت أمه قالت : ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال : [ اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة ] فقالت : ما أبالي ما أصابني من الدنيا .
ويحدث التاريخ عن موقفها في حروب الردة ومقاتلة مسيلمة الكذاب الذي قتل ابنها "حبيب" وقطعه قطعاً ، وشاركت في الحرب كأحد الأبطال الميامين حتى قطعت يدها ، فهذه المرأة وما اتصفت به من صفات تفوق الخيال كانت أولى المبايعات للنبي r وامرأة بمثل هذه القوة والشجاعة لا بد أن يكون لها في قومها رأي ومكانة ، ولا بد أن يكون لها تأثير على نساء قومها ، الذين عرفوا فيما بعد الأنصار .
? ... أم منيع : أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي بن سواد بن سلمة ، وتعرف بأم منيع الأنصارية ، وهي أم معاذ بن جبل ، أحد الأئمة المعدودين من أصحاب النبي r أسلمت حين تنفس صبح الإسلام بالمدينة المنورة ، قبل بيعة العقبة الثانية ، وجاءت مع وفد البيعة وكانت من أتم القوم عقلاً ، وأحكمهم رأياً ، ومن المشاركات في الجهاد في غزوة خيبر. كلتا المرأتين كانت مثالاً في قومها للرأي والحكمة والعقل والشجاعة ، ولا بد أن يكون لذلك تأثير على من سواهما من نساء يثرب ، فقامتا مع الرجال بتعبئة الجو العام اليثربي وتيهئته للإسلام حتى كانت الهجرة فكان المجتمع اليثربي مستعداً لتكوين وتشييد وإقامة الدولة الإسلامية التي تكونت نواتها الأولى ببيعة العقبة .
2- ( طليعة الهجرة ) ليلى بنت أبي حثمة العدوية :
هي ليلى بنت أبي حثمة بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن كعب بن لؤي القرشية العدوية ، زوج عامر بن ربيعة العنبري .
قبل مبعث النبي r كان زوجها مهيأ نفسياً لرؤية النبي r والإيمان بدينه ، وذلك لأن زيد بن عمرو بن نفيل قال لعامر زوجها ، أنا أنتظر نبياً من ولد إسماعيل ، ثم من بنى عبد المطلب ، ولا أراني أدركه ، وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي ، فإن طالت بك مدة - يا عامر - ورأيته فأقرئه مني السلام.
وهكذا كانت "ليلى" مهيأة لقبول الدين الجديد ، لأنه زوجها كان يردد كثيراً قول زيد بن عمرو بن نفيل فلما سرى في مكة أن رسول الله r يدعو إلى الله الواحد الأحد أقبل عامر وليلى وأسلما ، وكانا في طليعة المهاجرين إلى الحبشة لما اشتد أذى قريش ، وقال لهم النبي r : [ أخرجوا إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ] تقول ليلى : كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا ، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة ، جاءني عُمر وأنا على بعيري نريد أن نتوجه ، فقال : أين يا أم عبد الله ؟ - وهي أم عبد الله بن عامر ، وبه كانت تكنى - فقلت آذيتمونيا في ديننا ، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى في عبادة الله ، فقال : صحبكم الله ، ثم ذهب فجاءني زوجي عامر بن ربيعة ، فأخبرته بما رأيت من رقة عمر ، فقال : ترجين أن يسلم ؟ فقلت نعم .. وهاجرت وهي وزوجها إلى الحبشة ، ولما علم المهاجرون بإسلام عمر عادوا أملاً في أن يكون فيه المنعة والحماية ، فلما اشتد أذى الكفار ، هاجرت ليلى وزوجها "عامر" مرة أخرى عائدة إلى الحبشة ، وعندما أذن النبي r للمسلمين بالهجرة إلى يثرب وقال : [ من أرد أن يخرج فليخرج إليها ] كانت ليلى بنت أبي حثمة ، هي أول امرأة هاجرت إلى المدينة ، فقد كان أول المهاجرين - أبو سلمة- ثم تبعه ، عامر بن ربيعة ، وزوجه ليلى وتعد أول ظعينة تهاجر إلى المدينة ، ويظن الكثير أن أول مهاجرة كانت أم سلمة ولكنها كانت "ليلى" وليست أم سلمة كما سيتضح من عرضنا لأم سلمة فيها بعد .
ولم تكن هجرة ليلى بنت أبي حثمة ، إلى يثرب -المدينة- مجرد انتقال من مكان إلى مكان ولكن كان لها دور إيجابي هي وباقي المهاجرات والمهاجرين في توطيد دعائم الدين الإسلامي في قلوب اليثربيات واليثربيين ، وليس أدل على ذلك مما رأيناه من خروج الأنصار والمهاجرين ونسائهم للقاء النبي r بعد علمهم بهجرته المباركة .
3. (بداية الهجرة) رقيقة بنت صيفي :
هي رقيقة بنت صيفى وقيل بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، عمها عبد المطلب بن هاشم وكان أسن منه ، وتتصل "رقيقة" برسول الله r في هاشم بن عبد مناف فهو جدها وجد أبيه ، ولما أدركها الإسلام كانت قد تطاول عليها القدم ، وجاوزت حد الهرم ، والتاريخ الإسلامي يحفظ لها وقفة مع الإسلام ، كثيراً ما يغفلها المؤرخون ، فلقد كانت ترقب ما يدور على الساحة من حولها وترى أن عدد المسلمين في ازدياد ، وكذلك عذاب المشركين يحمي وطيسه كلما أسلم مشرك ، وقد اجتمع كبار المشركين ليلاً ومعهم إبليس اللعين في صورة شيخ نجدي وانتهى أمرهم إلى أن يقتلوا النبي r في داره ، بيد فتية ، من كل قبيلة فتى ليتوزع دمه r في القبائل ، تلك المرأة المسنة - رقيقة - هي التي استشفت خبر قريس يوم ائتمروا بالنبي r فذهبت العجوز تجر أثقالها حتى أنهت إلى النبي r الخبر وحذرته من المبيت في داره وحدثته بحديث القوم الذي لا يعلمه إلا الله ثم هي ومن تآمروا عليه ، ذهبت العجوز التي أنافت على المائة ، لتنقل الخبر ولم تأمن على نقله ابنها مخرمة بن نوفل وهو من لحمة النبي r وذوي صحبته ، ذلك لأن الشك فيها وهي العجوز المسنة مستبعد ، وما أطيب امرأة ، وأجل منزلتها أن ذهبت إلى رسول الله r بمثل ما سبق به جبريل إليه على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام .
ولعل هناك من يقول : وأي عظمة تجدها امرأة سمعت خبراً فألقته كما سمعته ؟
ذلك قول من لم يستبطن الأمر ، ويتبين دخيلته ، فإن فئة قليلة العدد خطيرة الغرض ، من هامات القوم ، وأشداء فتيانهم ، بيتوا أمرهم واحتجزوا خبرهم عن بقيتهم ، والممالئين لهم ، وتعاهدوا وتعاقدوا ألا يذيعوه حتى يمضوه ، فئة ذلك شأنها وتلك غايتها ليس بالهين اليسير كشف أمرها والوقوف على ذوات نفوسها ، واستنقاذ رسول الله r من كيدها وشر غائلتها .
وتكون -رقيقة- مشاركة في أعظم حوادث الإسلام خطراً ، وأبقاها أثراً ، وأدومها على مر الدهور ذكراً ، وأقومها ببناء الإسلام ، وبنقلها خبر قريش يكون البدء الفعلي للهجرة .
4. (الفداء والبطولة) أسماء بنت أبي بكر :
هي أسماء بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة القرشية التيمية ، وأمها قتيلة بنت عبد العزى بن أسد ، وهي شقيقة عبد الرحمن بن أبي بكر ، وأم عبد الله ابن الزبير ، وأخت عائشة أم المؤمنين لأبيهاا ، أسلمت بعد سبعة عشر مسلماً ، وأصبحت بطلة ضربت أروع الأمثلة في البطولة والفداء .
تنقلت العظائم من يد طاهرة إلى يد طاهرة ، فبعد أن دعمت العجوز -رقيقة بنت صيفي- أثرها أقامت الفتاة الحدثة "أسماء بنت أبي بكر" أثرها أيضاً ، لقد أعجل النبي r وصاحبه عن ابتغاء الزاد ، وشغلهما الغرض الأسمى عن الغرض الأدنى ، فسارا خفيفين إلى غار الذورة العليا في جبل ثور إخفاء لأمرهما ، وإعياء للذاهبين في أثرهما .
قامت الفتاة بحمل أمانة يُشفق على الرجال من حملها ، فكانت تقطع ثلاثة أميال إلا قليلاً - وهي الصبية الناشئة- في جوف الليل ، ووحشة الطريق ، بين أسنة الصخر ، ومساحات الرمال ، تمشى متخفية حذرة مترقبة حتى تصعد إلى هامته ، ثم تنحدر في جوفه فتوافي رسول الله r وصاحبة كل ليلة بالزاد والماء وبما عسى أن تكون قد سمعته ، أو رأته ، من حديث القوم وخبرهم.
قامت الصغيرة بدور فدائي وحملت أمانة الإمداد والتمويل للرحلة المباركة ، ونقل أخبار الكفار ، ولما أراد النبي r الرحيل من الغار متجهاً إلى يثرب جهزت الزاد والماء ، ولم تجد ما تربطهما به ، فشقت نطاقها وربطتهما به ، وحين فعلت ذلك قال النبي r : [ أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة ] فقيل لها ذات النطاقين .
تلك هي الصبية التي تركت الولدان والولائد من لداتهها وأترابها يغدون إلى ملاعبهم ويأوون إلى صدور أمهاتهم ، وذهبت إلى حيث يعجز أشداء الرجال وأبطالهم ، فأي قوة تلك التي أمدها الله بها ، وأي قلب ذلك الذي أودعه الله بين ضلوعها ، وأية عزمة تلك التي خفقت في نفسها ؟ فلعمري لئن سلمت الفتاة "أسماء" من عثرات الطريق ووعثاء الصحراء تحت جنح الليل البهيم ، فلم تسلم من أذى قريش وكفارها ، فجاءها نفر واقتحموا عليها وداعتها وهدوءها وأحاط بها رجال القوم وهي فريدة بينهم لا يحمي ظهرها رجل ، وسألوها في عصبية : أين أبوك يا بنت أبي بكر ؟ فردت في صمود وشموخ وثقة وإباء : لا أدري أين أبي !! فرفع النذل أبو جهل -لعنه الله - يده ولطمها لطمة قاسية طار لها قطرها ، ولم يوهن ذلك شيئاً من عزيمتها ولا عبث بمكنون سرها. وتعد هذه الفتاة الفدائية مثلاً لتلك النفوس التي استخلصها الله لدينه ، واصطنعها لدعوته ، ونفث فيها من روحه ، فكانت مستقراً لفضائل الكمال ، ويحدثنا التاريخ بإسهاب لمواقفها البطولية بعد ذلك في مجال الجهاد والدعوة ، وليس أعظم من قولتها لابنها عبد الله بن الزبير حين خشي من التمثيل بجثته : يا بني إن الشاه لا يضيرها سلخها بعد ذبحها ، فامض واستعن بالله ، قالت هذا وهي تحذر مصير ابنها ، ولكنها تعلمت أن تضحي منذ الصغر ، ولا تبخل في سبيل الله بالجهد بالمال والولد
5. عاتكة بنت خالد الخزاعية " أم معبد " : ( الوصف الفذ لرسول الله r ) :
هي عاتكة بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن كعب بن عمرو من خزاعة ، وتعرف "بأم مَعْبَد الخزاعية" من ربات الفصاحة والبلاغة وكانت امرأة برزة جلدة تسقى وتطعم ، فمر الرسول r عليها في خيمتها ، هو وأبو بكر رضي الله عنه ، ومولاه عامر بن فهيرة والدليل عبد الله بن أريقط ، وسألوها لحماً وتمراً ليشتروه ، فلم يصيبوا عندها شيئاً ، وفي كسر الخيمة شاة فقال رسول الله r : [ يا أم معبد هل بها من لبن ] ؟ فقالت : هي أجهد من ذلك ، فقال : [ أتأذنين لي أن أحلبها ؟] قالت : نعم إن رأيت بها حلباً ، فمسح الرسول r بيده ضرعها وسمى الله ، ودعا لها في شاتها ، فدرت ، واجترت فدعا بإناء فحلب فيه حتى علاه البهاء ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم ثم حلب فيه ثانياً ثم غادره عندها وارتحلوا عنها .
وما لبثت " أم معبد " حتى جاء زوجها يسوق أعنزاً عجافاً فلما رأى اللين قال في عجب : من أين لك اللبن يا أم معبد والشاه عازب حيال ، ولا حلوب في البيت ؟ قالت عاتكة : لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت . فقال : صفيه لي ، فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب ، وخُلدت عاتكة في التاريخ بما قدمته من وصف للمصطفى r فهو أدق وصف وصف به ، فلم يصفه الواصفون بمثل ما وصفته به أم معبد . قالت في وصفه : رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة ولم تزر به صُعلة ، قسيم ، وسيم في عينيه دَعَج ، وفي أشفاره وَطَف ، وفي صورته صَحَل ، أكحل أزج أقرن في عنقه سَطَع ، وفي لحيته كثاثة ، إذا صمت فعليه الوقار ، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء ، حلو المنطق ، فصل لا نزر ولا هذر ، كأن منطقه خزرات نظم ينحدرن ، أبهى الناس ، وأجمله من بعيد ، وأحسنه من قريب ، ربعة لا تشنأه عين من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظراً ، وأحسنهم قداً ، وإن أمر تبادروا لأمره ، محفود محشود ، لا عابس ولا مفند . فقال : - أي بعلها - هذا والله صاحب قريش الذي تطلب ، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه ، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً .
وأي محدث يريد أن يصف النبي r لا يسعه إلا أن يعود إلى وصف أم معبد البليغ ، وقد كان لها دور أيضاً في الهجرة ، فخيمتها معروفة على الطريق من مكة إلى المدينة ، وبعد رحيل النبي r من الغار انقطعت أخباره عن أصحابه في مكة فلم يعلموا الوجهة التي قصدها النبي صلى الله علهيه وسلم وبعد ما حل في خيمة أم معبد عرف كل من بمكة ذلك ، وعن هذا تحكى الفدائية "أسماء" فتقول : مكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله r حتى أصبح صوت بمكة عال بين السماء والأرض يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب ، وإن الناس ليتبعونه ، يسمعون الصوت ولا يرون صاحبه ، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول :
جزى الله رب الناس خبر جزائه رفيقين حلاّ خيمتى أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيا لُقصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجازى وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ، ضبرة الشاة مزبد
فغادرها رهناً لديها لحالب يدُر لها في مصدر ثم مورد
قالت أسماء : فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله r ، وأن وجهه إلى المدينة ، وأخذ المهاجرون على خيمتي أم معبد حتى لحقوا بالنبي r .
وهكذا كانت خيمتا أم معبد حلقة الوصل لتصل ما انقطع من أخبار النبي r عن المسلمين في مكة ، وفي الخيمة كانت الراحة للمهاجرين ، ثم الترحال للحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم
نفحات من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التأريخ الهجري:
رفع صك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه محله في شعبان فقال عمر: أي شعبان؟ الذي هو آت أو الذي نحن فيه؟ ثم قال لأصحاب رسول الله r ضعوا للناس شيئاً يعرفونه وقد أجمعت كلمة الصحابة على استبعاد تاريخ الروم والفرس ليكون للمسلمين تاريخهم المستقل الذي ابتدأ حقيقة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت الهجرة النبوية هي الحد الفاصل بين المرحلة المكية والمدنية للدعوة الإسلامية فقد اتفقت الآراء على أن يكتبوا التاريخ من مقدم رسول الله r إلى المدينة وعلى أن يكون البدء من شهر الله المحرم فهو مصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام.
آفاق جديدة:
فتحت هجرة النبي r إلى المدينة آفاقاً جديدة للدعوة الإسلامية التي تعتمد مبدأ الكلمة الواعية المستندة إلى توحيد الله عز وجل، ولقد دخلت المدينة (يثرب سابقاً) مرحلة جديدة بعد بيعة العقبة الثانية حيث بدأ فيها التاريخ، وبدأ فيها التحول والتطور نحو حياة أفضل، إذ تحولت نزاعات الأوس والخزرج إلى ألفة ومحبة، وتبدلت فرقتهم إلى عزة وتوحد، وانهارت وثنيتهم أمام نور توحيد الله وبدأ دور يهود يثرب يأفل ويغيب حيث كانوا يسيطرون على اقتصاد يثرب ويسعون جاهدين إلى تشتيت القبائل العربية وتمزيق وحدتها وإشعال نار الفتن والخصومات بين أهلها، ولما دخلت طلائع الدعوة الإسلامية تكشفت مؤامرات يهود وبدأ دورهم بالانهيار وقام سفير رسول الله r مصعب بن عمير بنشاط دعوي كبير حيث دخل على يديه إلى الإسلام عدد كبير من زعماء بني عبد الأشهل والقبائل العربية الأخرى بحيث لم يبق بيت في المدينة إلا ودخل إليه نور الإسلام.
الدعوة بالتربية والقدوة:
هاجر إلى المدينة المنورة (79) مسلماً من المسلمين الأوائل الذين دخلوا مدرسة دار الأرقم بن أبي الأرقم بمكة المكرمة حيث كان محمداً r يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وكان كتابهم القرآن الكريم يتعلمون أحكامه وعلومه وأخلاقه وآدابه حتى تخرجوا من هذه المدرسة وقد تطهرت عقيدتهم من الشرك والوثنية، وتنظفت نفوسهم من الأمراض الأخلاقية، وخلت قلوبهم مما سوى الله، وأخذوا من رسول الله r الدروس التربوية عن طريق القدوة الطيبة، والأسوة العملية الحسنة، وبموجب عقد التآخي بين المهاجرين والأنصار فقد دخل المهاحرون (79) بيتاً من بيوت الأنصار فنقلوا إليهم العقيدة الحقة والأخلاق الفاضلة والسلوك المستقيم عن طريق القدوة الحسنة، وهذا بدوره حول هذا المجتمع إلى مجتمع فاضل يعرف فيه كل فرد حقوقه وواجباته تحت ظلال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم نحن بحاجة إلى اتباع أسلوب الدعوة العملية بالقدوة والأسوة الحسنة ليعشق الآخرون الإسلام من خلال التزامنا العملي به ولقد ضرب التجار المسلمون أروع المثل في البلاد التي سافروا إليها فرأى أهلها معاملات صادقة، وأخلاقاً فاضلة مما دعاهم إلى الدخول في دين التجار المسلمين هكذا فتحت أندونيسيا وماليزيا وجزر الأرخبيل في جنوب شرق آسيا. إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
المعية الإلهية:
وصل المشركون إلى غار ثور حيث انقطعت آثار أقدام النبي r وصاحبه الصديق وخشي أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله r وقال: لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا فأجابه النبي r ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا، ولقد سطر القرآن هذه الحادثة فقال "فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها" ولا بأس من إلقاء الضوء على التساؤل التالي: هل المعية الإلهية كانت خاصة برسول الله r وصاحبه الصديق في الغار؟ ولدى الرجوع إلى الحقائق القرآنية نجد ما يلي:
1- طلب الله من موسى وهارون القيام بواجب الدعوة والبلاغ إلى فرعون بقوله: اذهب إلى فرعون إنه طغى فاعتذر إلى الله بالخوف من استكبار فرعون وطغيانه "قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى" فطمأنهما الله بالمعية الإلهية الناصرة "قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى"
2- وظلت هذه المعية الإلهية مع نبيه موسى عليه السلام لما فر من فرعون وجنده مع المؤمنين خشي من معه بأن يظفر بهم فرعون "فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون" فطمأنهم موسى بالمعية الإلهية "قال كلا إن معي ربي سيهدين".
3- وقد طلب الله من بني إسرائيل القيام بعدة أمور لاستحقاق المعية الإلهية "وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً" وبإمكان كل مسلم أن يستحق شرف المعية الإلهية إذا قام بمتطلباتها، وهي:
أ- التقوى: "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" والتقوى هي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.
ب- الصبر: "إن الله مع الصابرين".
جـ - الإحسان: "وإن الله لمع المحسنين" ويشمل الإحسان تقديم الخير إلى الخلق، ومجاهدة النفس في العبادة حتى يصل الإنسان إلى مقام "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
هجرة الصديق مع رسول الله r إلى المدينة
اشتدت قريش في أذى المسلمين، والنيل منهم فمنهم من هاجر الى الحبشة مرة أو مرتين فراراً بدينه...ثم كانت الهجرة الى المدينة ومن المعلوم أن أبا بكر استأذن النبي r في الهجرة فقال له: (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً)(1) فكان أبوبكر يطمع أن يكون في صحبة النبي r وهذه السيدة عائشة رضي الله عنها تحدثنا عن هجرة رسول الله r وأبيها - رضي الله عنه - حيث قالت: (كان لايخطئ رسول الله r أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله r في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله r بالهاجرة(2)، في ساعة كان لايأتي فيها قالت: فلما رآه أبوبكر، قال: ماجاء رسول الله r هذه الساعة إلا لأمر حدث. قالت: فلما دخل، تأخر له أبوبكر عن سريره فجلس رسول الله r ، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله r أخرج عني من عندك. فقال: يارسول الله، إنما هما إبنتاي، وماذاك فداك أبي وأمي! فقال: إنه قد أذن بي في الخروج والهجرة. قالت: فقال أبوبكر: الصحبة يارسول الله؟ قال: الصحبة. قالت: فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أحد يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، ثم قال: يانبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبدالله بن أرقط رجلاً من بني الديل بن بكر، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركاً -يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما(3).
وجاء في رواية البخاري عن عائشة في حديث طويل تفاصيل مهمة وفي ذلك الحديث : (......قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جلوساً في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله r متقنعاً(4)، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال رسول الله r لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبوبكر: إنما هم أهلك. فقال: فإني قد أذن لي في الخروج فقال أبوبكر: الصحبة بأبي أنت يارسول الله قال رسول الله r : نعم، قال ابوبكر: فخذ بأبي أنت يارسول الله إحد راحلتي هاتين، قال رسول الله r : بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، ووضعنا لهم سفرة في جراب، فقطمت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول الله r وأبوبكر بغار في جبل ثور، فكمنا(5) فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف(6)، لقن(7)، فيدلج(8) من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يكتادان(9) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما حيث تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل -وهو لبن منحهما ورضيفهما(10) ينعق(11) بها عامر بن فهيرة بغلس(12) يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله r وأبوبكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد ابن عدي -هادياً خريتا- والخريت الماهر- قد غمس حلفاً(13) في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل(14).
__________
(1) تاريخ الدعوة الى الاسلام، ص107.
(2) الهاجرة: نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو العصر.
(3) السيرة النبوية لابن كثير (2/233-234).
(4) متقنعاً: مغطياً رأسه.
(5) كمنا فيه: أي استترا واستخفيا ومنه الكمن في الحرب.
(6) ثقف: ذو فطن وذكاء والمراد ثابت المعرفة بما يحتاج إليه. (النهاية 1/216).
(7) لقن: فهم حسن التلقي لما يسمعه، (النهاية، 4/266).
(8) يدلج: أدلج إذا سار أول الليل وأدّلج بالتشديد إذا سار آخره.
(9) يكتادان: أي يطلب لهما فيه المكروه وهو من الكيد.
(10) الرضيف: اللبن المرضوف وهو الذي طرح فيه الحجارة المحماة.
(11) ينعق: نعق بغنمه، أي صاح بها وزجرها. (القاموس المحيط، 3/265).
(12) الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. (النهاية، 3/377).
(13) غمس حلفاً: أي أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم يأمن به.
(14) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي رقم 395.
لم يعلم بخروج رسول الله r أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب، وأبوبكر الصديق، وآل أبي بكر، وجاء وقت الميعاد بين رسول الله r ابي بكر - رضي الله عنه -، فخرجا من خوخة(1)، لأبي بكر في ظهر بيته، وذلك للإمعان في الاستخفاء حتى لاتتبعهما قريش، وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة، وقد اتعدا مع الليل على أن يلقاهما عبدالله بن أريقط في غار ثور بعد ثلاث ليال(2)، وقد دعا النبي r عند خروجه من مكة الى المدينة(3)، ووقف عند خروجه بالحزورة في سوق مكة وقال: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله الى الله، ولولا أني أخرجت منك ماخرجت)(4).
ثم أنطلق رسول الله وأبوبكر والمشركون يحاولون أن يقتفوا آثارهم حتى بلغوا الجبل -جبل ثور- اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرآوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه(5)، وهذه من جنود الله عز وجل: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} (سورة المدثر، الآية:31).
وبالرغم من كل الأسباب التي اتخذها رسول الله r فإنه لم يرتكن إليها مطلقاً، وإنما كان كامل الثقة في الله، عظيم الرجاء في نصره وتأييده، دائم الدعاء بالصيغة التي علمه الله إياها(6)، قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} (سورة الاسراء، الآية:80).
وفي هذه الآية الكريمة دعاء يُعلّمه الله عز وجل لنبيه r ليدعوه به، ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وكيف تتجه إليه؟ دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج، كناية عن صدق الرحلة كلها، بدئها وختامها، أولها وآخرها ومابين الأول والآخر، وللصدق هنا قيمته بمناسبة ماحاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه ليفترى على الله غيره، وللصدق كذلك ظلاله: ظلال الثبات، والاطمئنان والنظافة الاخلاص {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} قوة وهيبة استعلى بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين، وكلمة {مِنْ لَدُنْك} تصور القرب والاتصال بالله والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء الى حماه.
وصاحب الدعوة لايمكن أن يستمد السلطان إلا من الله، ولا يمكن أن يهاب إلا بسلطان الله، لايمكن أن يستظل بحاكم أو ذى جاه فينصره ويمتعه مالم يكن أتجاهه قبل ذلك الى الله والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه، فيصبحون لها جنداً وخدماً فيفلحون، ولكنها هي لاتفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه(7).
وعندما أحاط المشركون بالغار، أصبح منهم رأي العين طمأن الرسول r الصديق بمعية الله لهما: فعن ابي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: قلت للنبي r وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: ماظنك ياأبابكر باثنين الله ثالثهما(8)؟
وسجل الحق عز وجل ذلك في قوله تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، الآية:40).
__________
(1) الهجرة في القرآن الكريم، ص334.
(2) خاتم النبيين لأبي زهرة (1/659)؛ السيرة النبوية لابن كثير (2/234).
(3) السيرة النبوية لابن كثير (2/230-234).
(4) الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل مكة (5/722).
(5) مسند الامام أحمد (1/348).
(6) الهجرة النبوية المباركة، ص72.
(7) في ظلال القرآن (4/2247).
(8) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين رقم 3653؛ مسلم رقم 5381.
وبعد ثلاث ليال من دخول النبي r في الغار خرج رسول الله r وصاحبه من الغار، وقد هدأ الطلب، ويئس المشركون من الوصول الى رسول الله، وقد قلنا أن رسول الله r وأبا بكر قد استأجرا رجلاً من بني الديل يسمى عبدالله بن أريقط وكان مشركاً وقد أمِناهُ فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما وقد جاءها فعلاً في الموعد المحدد وسلك بهما طريقاً غير معهودة ليخفي أمرهما عمن يلحق بهم من كفار قريش(1)، وفي أثناء الطريق الى المدينة مرّ النبي r بأم معبد(2)، في قديد(3)، حيث مساكن خزاعة، وهي أخت حبيش بن خالد الخزاعي الذي روى قصتها، وهي قصة تناقلها الرواة وأصحاب السير، وقال عنها ابن كثر: (وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضاً)(4).
وقد أعلنت قريش في نوادي مكة بأنه من يأتي بالنبي r حياً أو ميتاً فله مائة ناقة وانتشر هذا الخبر عند قبائل العرب الذين في ضواحي مكة وطمع سراقة بن مالك بن جعشم في نيل الكسب الذي أعدته قريش لمن يأتي برسول الله r فأجهد نفسه لينال ذلك، ولكن الله بقدرته التي لايغلبها غالب، جعله يرجع مدافعاً عن رسول الله r بعد أن كان جاهداً عليه(5).
ولما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله r من مكة، كانوا يفدون كل غداة الى الحرة، فينتظرون حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعد ماأطالوا انتظارهم فلما أووا الى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم(6) من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر رسول الله r ، وأصحابه مبيضين(7)، يزول بهم السراب(8)، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته، يامعشر العرب هذا جدكم(9)، الذي تنتظرون، فثار المسلمون الى السلاح فتلقوا رسول الله r بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عوف، وذلك يوم الخميس الأثنين(10) من شهر ربيع الأول(11)، فقام أبابكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله r عند ذلك(12).
كان يوم وصول الرسول r وأبي بكر الى المدينة يوم فرح وابتهاج لم تر المدينة يوماً مثله، ولبس الناس أحسن ملابسهم كأنهم في يوم عيد، ولقد كان حقاً يوم عيد، لأنه اليوم الذي انتقل فيه الاسلام من ذلك الحيز الضيق في مكة الى رحابة الانطلاق والانتشار بهذه البقعة المباركة المدينة، ومنها الى سائر بقائع الأرض لقد أحس أهل المدينة بالفضل الذي حباهم الله به، وبالشرف الذي اختصهم الله به، فقد صارت بلدتهم موطناً لإيواء رسول الله وصحابته المهاجرين ثم لنصرة الاسلام كما أصبحت موطناً للنظام الاسلامي العام التفصيلي بكل مقوماته ولذلك خرج أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج ويقولون يارسول الله يامحمد يارسول الله(13)، وبعد هذا الاستقبال الجماهيري العظيم الذي لم يرد مثله في تاريخ الانسانية سار رسول الله r حتى نزل في دار أبي أيوب الانصاري - رضي الله عنه -(14)، ونزل الصديق على خارجة بن زيد الخزرجي الأنصاري.
__________
(1) المستفاد من قصص القرآن، زيدان (2/101).
(2) هي عاتكة بنت كعب الخزاعية.
(3) وادي قديد يبعد عن الطريق المعبد حوالي ثمانية كيلومترات.
(4) البداية والنهاية (3/188).
(5) السيرة النبوية، عرض لوقائع وتحليل لأحداثها للصّلابي، ج1، ص543).
(6) أطم: كالحصن.
(7) مبيضين: عليهم ثياب بيض.
(8) السراب: أي يزول بهم السراب عن النظر بسبب عروضهم له.
(9) جدكم: حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه.
(10) قال الحافظ بن حجر: هذا هو المعتمد وشذ من قال الجمعة. (الفتح، 4/544).
(11) الهجرة في القرآن الكريم، ص351.
(12) نفس المصدر، ص352.
(13) المصدر السابق، ص353.
(14) الهجرة في القرآن الكريم، ص354.
وبدأت رحلة المتاعب والمصاعب والتحديات، فتغلب عليها رسول الله r للوصول للمستقبل الباهر للأمة والدولة الاسلامية التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة على أسس من الإيمان والتقوى والإحسان والعدل بعد أن تغلبت على اقوى دولتين كانتا تحكمان في العالم، وهما الفرس والروم(1)، وكان الصديق - رضي الله عنه - الساعد الأيمن لرسول الله r منذ بزوغ الدعوة حتى وفاته r ، وكان ابوبكر - رضي الله عنه - ينهل بصمت وعمق من ينابيع النبوة: حكمة وإيماناً، يقيناً وعزيمة، تقوى وإخلاصاً، فإذا هذه الصحبة تثمر: صلاحاً وصدِّيقية، ذكراً ويقظة، حُباً وصفاء، عزيمة وتصميماً، إخلاصاً وفهماً، فوقف مواقفه المشهودة بعد وفاة رسول الله r ، في سقيفة بني ساعدة وغيرها من المواقف وبعث جيش أسامة وحروب الردة، فأصلح مافسد، وبنى ماهُدم، وجمع ماتفرق، وقوّم ماانحرف(2)، إن حداثة هجرة الصديق مع رسول الله فيها دروس وعبر وفوائد منها:
أولاً: قال تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، الآية40).
ففي هذه الآية الكريمة دلالة على أفضلية الصديق من سبعة أوجه ففي الآية الكريمة من فضائل أبي بكر - رضي الله عنه -:
1- أن الكفار أخرجوه:
الكفار أخرجوا الرسول (ثاني أثنين) فلزم أن يكونوا أخرجوهما، وهذا هو الواقع.
2- أنه صاحبه الوحيد:
الذي كان معه حين نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا هو أبوبكر، وكان ثاني أثنين الله ثالثهما. قوله {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} ففي المواضع التي لايكون مع النبي r من أكابر الصحابة إلا و احد يكون هو ذلك الواحد مثل سفره في الهجرة ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إلا أبوبكر، ومثل خروجه الى قبائل العرب يدعوهم الى الاسلام كان يكون معه من أكابر الصحابة أبوبكر، وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي r .
3- أنه صاحبه في الغار:
الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، قال: نظرت الى أقدام المشركين على رؤسنا ونحن في الغار، فقلت: يارسول الله لو أن أحدهم نظر الى قدميه لأبصرنا. فقال: ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما(3). وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول فلم يختلف في ذلك اثنان منهم فهو مما دل القرآن على معناه(4).
4- أنه صاحبه المطلق:
قوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} لايختص بمصحابته في الغار، بل هو صاحبه المطلق الذي عمل في الصحبة كما لم يشركه فيه غيره -فصار مختصاً بالأكملية من الصحبة، وهذا مما لانزاع فيه بين أهل العلم باحوال النبي r ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره(5).
5- أنه المشفق عليه:
قوله {لا تَحْزَنْ} يدل على أن صاحبه كان مشفقاً عليه محباً له ناصراً له حيث حزن، وإنما بحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه، وكان حزنه على النبي r لئلا يقتل ويذهب الاسلام، ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة كان يمشي امامه تارة، ووراءه تارة، فسأله النبي r عن ذلك، فقال: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك(6)، وفي رواية أحمد في كتاب فضائل الصحابة: ...فجعل أبوبكر يمشي خلفه ويمشي أمامه فقال له النبي r مالك؟ قال: يارسول الله أخاف أن تؤتى من أمامك فأتقدم، قال: فلما انتهينا الى الغار قال أبوبكر: يارسول الله كما أنت حتى أيمه...فلما رأى أبوبكر حجراً في الغار فألقمها قدمه، وقال يارسول الله إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي(7). فلم يكن يرضى بمساواة النبي؛ بل كان لايرضى بأن يقتل رسول الله r وهو يعيش؛ بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله. وهذا واجب على كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك(8).
6- المشارك له في معية الاختصاص:
__________
(1) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، أم محزون، ص355.
(2) في التاريخ الاسلامي، شوقي ابوخليل، ص226.
(3) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، رقم 3653؛ مسلم رقم 1854.
(4) منهاج السنّة (4/240،241).
(5) منهاج السنّة (4/252،245).
(6) ابوبكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة، ص43.
(7) منهاج السنّة (4/262،263).
(8) نفس المصدر (4/263).
قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} صريح في مشاركة الصديق للنبي r في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق... وهي تدل على أنه معهم بالنصر والتأييد والإعانة على عدوهم - فيكون النبي r قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك ياأبابكر، ويعيننا عليهم، نصر إكرام ومحبة كما قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} (سورة غافر، الآية 51). وهذا غاية المدح لأبي بكر؛ إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول بالايمان المقتضي نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله(1).
وقال الدكتور عبدالكريم زيدان عن المعية في هذه الآية الكريمة وهذه المعية الربانية المستفادة من قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} أعلى من معيته للمتقين والمحسنين في قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} لأن المعية هنا لذات الرسول وذات صاحبه، غير مقيدة بوصف هو عمل لهما، كوصف التقوى والإحسان بل هي خاصة برسوله وصاحبه مكفولة هذه المعية بالتأييد بالآيات وخوارق العادات(2).
7- أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر:
قال تعالى {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا...} (سورة التوبة، الآية 40) فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها. وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه فيها أعظم مما لسائر الناس. وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه(3).
ثانياً: فقه النبي r والصديق في التخطيط والأخذ بالأسباب:
إن من تأمل حادثة الهجرة رأى دقة التخطيط فيها ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها ومن مقدماتها إلى ماجرى بعدها يدرك أن التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله r كان قائماً وأن التخطيط جزء من السنة النبوية وهو جزء من التكليف الإلهي في كل ماطولب به المسلم وأن الذين يميلون إلى العفوية بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السُّنة أمثال هؤلاء مخطئون ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين(4).
فعندما حان وقت الهجرة للنبي r في التنفيذ نلاحظ الآتي:
أ-وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت رغم ماكان يكتنفها من صعاب وعقبات، وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروساً دراسة وافية، فمثلاً،
1-جاء r إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحر -الوقت الذي لايخرج فيه أحد بل من عادته لم يكن يأتي له لماذا؟ حتى لايراه أحد.
2-إخفاء شخصيته r أثناء مجيئة للصديق وجاء إلى بيت الصديق متلثماً، لأن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه المتلثم(5).
3-أمر r أبا بكر أن يخرج من عنده، ولما تكلم لم يبين إلا الأمر بالهجرة دون تحديد الإتجاه .
4-وكان الخروج ليلاً ومن باب خلفي في بيت أبي بكر(6).
5-بلغ الاحتياط مداه، باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم، والاستعانة بذلك بخبير يعرف مسالك البادية، ومسارب الصحراء، وكان ذلك الخبير مشركاً مادام على خلق ورزانة وفيه دليل على أن الرسول r كان لايحجم عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها(7)، وقد بين الشيخ عبدالكريم زيدان أن القاعدة والأصل عدم الاستعانة بغير المسلم في الأمور العامة، ولهذه القاعدة استثناء وهو جواز الاستعانة بغير المسلم بشروط معينة وهي: تحقق المصلحة أو رجحانها بهذه الاستعانة، وأن لايكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها، وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به، وأن لاتكون هذه الاستعانة مثار شبهة لأفراد المسلمين، وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الاستعانة على وجه الاستثناء، وإذا لم تتحقق لم تجز الاستعانة(8)، وقد كان الصديق - رضي الله عنه - قد دعا أولاده للإسلام ونجح بفضل الله في هذا الدور الكبير والخطير، وقام بتوظيف أسرته لخدمة الإسلام ونجاح هجرة رسول الله r ، فوزع بين أولاده المهام الخطيرة في مجال التنفيذ العملي لخطة الهجرة المباركة:
1-دور عبدالله بن أبي بكر-رضي الله عنهما-:
__________</



ساحة النقاش