دكتور نصرالدين عبد العظيم عبد الوهاب محمد

<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if !mso]><object classid="clsid:38481807-CA0E-42D2-BF39-B33AF135CC4D" id=ieooui></object> <style> st1\:*{behavior:url(#ieooui) } </style> <![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->

الطبيعة فى المقدمات الطللية

تعد مظاهر الطبيعة فى المقدمات الطللية ظاهرة تقليدية فى معظم أغراض القصيدة العباسية كالمدح والغزل وغيرها ، ولقد أصل هذه الظاهرة شعراء العصر الجاهلى إذ " وقفوا على أطلالـهم فبكوا واستبكوا عليها ، ووصفوا أثارها الدارسة من نؤى متهدم ، وأثاف سفح ، وأوتاد بالية ، ودمن متحطمة ، كما ذكروا حيواناتها التى تجوس قيعانها ، وذكروا هذه الأطلال الدارسة وأحجارها الصماء التى طال عليها الأمد، وما تعاقب عليها من الرياح الشديدة ، وما مر عليها من الزمن ، وقد حرصوا على تسميتها وصوروها فى أشكال مختلفة ومتعددة تعكس فى أغلب الأحيان الحالات النفسية الصعبة التى كان يعانى منها الشاعر ، إذ يتذكر أيام فتوته وشبابه ، فيرى ملاعب صباه قد طمست أعلامها ، فيضيق بها ذرعا ، إذ يقف حائراً بين ماضيه العذب وحاضره الكدر ومستقبلـه المجهول ، إنه يعى الحياة ولكنه يشعر بضعفه أمام قوى الطبيعة .

صور القدماء هذه المشاهد جميعاً ، وفصلوها تفصيلاً ، فتركت فى نفوسهم أعمق الأثر ، لأنها تحمل تخيلات مؤلمة عن صور الحياة الدارسة"([1]).

هذه رؤية الشاعر الجاهلى بالنسبة للطبيعة فى مقدماته الطللية رؤية واقعية ، بينما لا يستطيع الشاعر العباسى أن يصف هذه الطبيعة إلا بعد أن يقف على الأطلال سواء كان وقوفاً حقيقياً ، أو وقوفاً خيالياً معبراً من خلالـه عن مواقفه الوجدانية وانفعالاته النفسية ، ومن ثم تمثل مظاهر الطبيعة فى هذه المقدمات رمزاً فنياً للصراع القائم بين الحياة والموت أو البقاء ، فيحدو ذلك بالشاعر إلى تذبذبه النفسى وتردده الفعلى إثر هذا الصراع ، وعلى كل حال لم تكن تجربة الأطلال عند الشاعر العباسى تجربة واقعية بل تجربة خيالية إبداعية، انتهجها من تجارب الشعراء السابقين فحذا حذوهم وتأثر بهم ، فصار فى معظم وصفه لمظاهر الطبيعة الصامتة فى شعره مقلداً لا مجدداً إلا ما ندر فى بعض صوره الشعرية التى تتلاءم وحالته النفسية عن طريق الحذف والتحوير فى هذه الصور ، وإضافة مظاهر حضارية جديدة تتلاءم وبيئتهم المتحضرة وحياتهم المترفة .

والشاعر العباسى إذ يرد هذه المظاهر الطبيعية الحضارية فى مقدماته الطللية ، لا يفوته أن يسقط منها مسميات مواضعها ( كاللوى وحومل وتوضح والمقراة وبرقة والأثمد والأبرقين ) وغيرها من المواضع الأخرى ويستبدل بها أسماء مواضع جديدة من واقع حياته الحضارية (كالكرخ وقطربل والقفص والدسكره وعانات وبنى وكركرينا… ) ، وغيرها من مواضع لـهوه وقصفه ، أما إذا أورد الشاعر العباسى بعض المسميات القديمة فإنه يذكرها إما مدللا على موروثه الثقافى القديم ، وإما على سبيل السخرية والاستهزاء ، كأن يصرف رفاقه عن الوقوف بالأطلال أو بكائها ، لأن تجربته عن هذه المواضع الطللية غير واقعية إلى حد ما ؛ لأنه لم يعش فيها ، أو يرها ويأنس بها ، وأحياناً يأتى بذكرها مقلداً تقليداً زائفاً لا يدرى حقيقته أو دلالاته الإيحائية، لأن تجربته فى هذه الحالة غير صادقة .

ولذا فالشاعر من خلال وصفه لمظاهر الطبيعة فى مقدماته الطللية يعتمد على محورين : الأول منهما : مرحلة التقليد المحض ( الكمون الفنى ) ، والثانى: مرحلة الثورة على التقليد والدعوة إلى التجديد ، هذا المحور ستأتى دراسته فى ضوء التيار التجديدى فى وصف المظاهر الطبيعة الحضارية فى شعر العصر العباسى الثانى .

أما المرحلة الأولى–التقليد المحض–فالمقصود بها محاكاة السابقين فى أوصافهم وتشبيهاتهم لمظاهر الطبيعة لفظاً ومعنى والتأثر بهم دون معايشة واقعهم ومعاصرة تجاربهم الشعرية ؛ بسبب اختلاف بيئات كل منهم واتساع ثقافتهم التراثية عن هؤلاء السابقين .

ومن مظاهر هذا التقليد : وقوف الشعراء واستيقافهم على أطلال وربوع أحبابهم الراحلين ومحبوباتهم الظاعنات ، والبكاء عليها ، وسؤالـها ومحاولة استنطاقها ، ووصف ما بقى من آثار ها ودمنها ونؤيها وأثافيها ، وما فعلته الرياح الدوارس بها ، وما انتابها من صروف الأيام والسنين ، وغير ذلك من هذه المظاهر التقليدية .

والأمثلة على   ذلك كثيرة ومتعددة عند شعراء العصر العباسى الثانى فترى البحترى يقف على أطلال محبوبته باكياً داعياً أخلاءه إلى ذلك ، فيقول:([2])

يا وهب هب لأخيك وقفة مسعد
.

 

يعطى الأسى من دمعه المبذول
.

ويقول : ([3])

قف العيس قد أدنى خطاها كلالـها
.

 

وسل دار سعدى إن شفاك سؤالـها
.

كما يقول أيضاً : ([4])

ما على الركب من وقف الركاب
.

 

فى مغانى الصبا ورسم التصابى
.

هكذا يقف البحترى ويبكى أطلال محبوبته ، فيحس فى بكائه براحة القلب وطمأنينة النفس ، حيث يقول : ([5])

وإن بكائى بالطلول لراحة
.

 

فهل مسعد أتى بالبكاء طلول ؟
.

ولكن الشاعر لطول تذكره يحس بخفقان قلبه ؛ لما يستثيره بكاؤه من ذكرياته ، فيقول: ([6])

أفى كل دار منك عين ترقرق
.

 

وقلب على طول التذكر يخفق
.

ولقد مدح الآمدى هذه الابتداءات وقال : هى فى غاية الجودة ([7]) ، بل هى طريقة القوم فى الوقوف على الديار " ([8])

إنها ابتداءات مقدمات طللية جيدة ، إذ اختار الشاعر لبنائها ألفاظاً معبرة وموحية فى آن واحد ، تعطى جرساً موسيقياً لما بينها من التجانس والتناسق والتناغم ، فلتنصت إلى الشاعر متأملاً قولـه : يا وهب هب كلالـها وسؤالـها ، الركب والركاب ، الصبا والتصابى ، الطلول وطلول ، ترقرق ويخفق … ثم انظر إلى هذا المنظر الطبيعى المتمثل فى صورة العيس الراحلة وقد كلت خطاها، فيستوقف الشاعر حاديها على أطلال محبوبته ، يسألـها لعلـه يجد فى جوابها شفاء ، ثم تأمل هذه الصورة الطبيعية الأخرى برقاً يلوح يقرنه الشاعر بطلل قفر ، فيقول : ([9])

متى لاح برق ، أو بدا طلل قفر
.

 

جرى مستهل لا يكئ ولا نزر
.

ولا تقل صورة الرياح وما تفعلـه بالأطلال شأنا عن غيرها من بقية المظاهر الطبيعية الطللية ، فيقول البحترى : ([10])

دمن تقاضهن إعلان البلى
.

 

هوج الرياح الباديات العود
.

وفى المعنى نفسه يقول : ([11])

بين الشقيقة فاللوى فالأجرع
.

 

دمن حبسن على الرياح الأربع
.

إنه مظهر طبيعى حدد فيه الشاعر مواضع الدمن التى تعاقبت عليها الرياح ؛ فتركتها حبيسة دارسة ، ويرد هذا المعنى فى موضع آخر ، يقول فيه:([12])

مغانى "سليمى "بالعقيق ودورها
وما خلتها مأخوذة بصبابتى

.

 

أجد الشجى إخلاقها ودثورها
صحائف تمحى بالرياح سطورها

.

ويخصص الشاعر من هذه الرياح الطللية رياح الصبا والجنوب ، ويسلب من كل منها خصائصها التى تميزها ([13])

لا أرى بـ " البراق " رسما يجيب
.

 

سكنت آيها الصبا والجنوب
.

وهكذا ضاق الشاعر ذرعاً بما فعلته الرياح فى أطلالـه ، فشكا همه وأحزانه ، حيث قال :([14])

خليلى : ما للرامسات وما لـها
.

 

وما للشجون المبرحات ومالى
.

ومن الصور الطبيعية الأخرى  التى يذكرها البحترى قولـه : ([15])

سقى ربعها سح السحاب وهاطلـه
ولازال مغناها بـ " منعرج اللوى"

.

 

وإن لم يخبر آنفا من يسائلـه
مروضة أجزاعه وجراولـه

.

إنه يدعو لربع محبوبته بالسقيا ، واصفا مغناها برمالـه المستوية وأحجاره الصلدة المتقطعة بمنعرج اللوى .

ولا يزال الشاعر يود السقيا للأطلال التى طال تعفيها ، فلا يكاد يعرفها ، حيث يقول : ([16])

وما أعرف الأطلال فى جنب "توضح"
أود لـها سقيا السحاب ، ومحوها

.

 

لطول تعفيها ولكن إخالـها
بسقيا السحاب حين يصدق خالـها

.

ويود الشاعر أيضاً أن يسلم على الديار ، ولكنها تستعجم عن جوابه ، فيقول:([17])

عست دمن بـ " الأبرقين " خوال
.

 

ترد سلامى أو تجيب سؤالى
.

وفى المعنى نفسه يقول : ([18])

هذى المعاهد من " سعاد" فسلم
.

 

واسأل وإن وجمت فلم تتكلم!
.

ولـهذا لا يرى البحترى من وقوفه على الأطلال والدمن شفاء لشدة شوقه ؛ فيعبر عن ذلك فى قولـه : ([19])

كم من وقوف على الأطلال والدمن
.

 

لم يشف من برحاء الشوق ذا شجن!
.

ويقول فى هذا المعنى مشيراً إلى ذكرياته بين هذه الدمن حيث الـهوى واللـهو فى شبابه ، ويرى أن تذراف الدموع لا جدوى منه ([20])

ولقد وقفت على الرسوم فلم أجد
وسألتها حتى انجذبت فلم تصخ
ومن جنيت بها الـهوى من غصنه

.

 

عتباً على سنن الدموع الذرف
فيها لدعوة واقف مستوقف
وسحبت فيها اللـهو سحب المطرف

.

ومن الواضح أن البحترى لم يعتن كثيراً بالوصف التفصيلى للمظاهر الطبيعية المتعلقة بالأطلال سوى الإشارة إلى ما تعرضت لـه هذه الأطلال من صروف الدهر والأيام ، ولكنه يشير إلى جزئية طللية طبيعية فى صورة تشبيهية متمثلة فى نؤى دارس ، وثلاث أثاف ، حيث يقول:([21])

عفا غير نؤى دارس فى فنائه 
.

 

ثلاث أثاف كالحمائم جنح
.

إن الأثافى فى هيئتها ولونها كالحمائم المجنحة ، فالصورة التشبيهية فى البيت الشعرى تقوم على الـهيئة الشكلية دون مراعاة الجانب النفسى .

وإذا كان البحترى قد بكى الأطلال ، فإن ابن المعتز قد بكى أطلال حبه حيث قال : ([22])

يا دار يا دار أطرابى وأشجانى
لئن تخليت عن لـهوى ومن سكنى
جادتك رائحة فى إثر غادية
حتى أرى النور فى مغناك مبتسما

.

 

أبلى جديد مغانيك الجديدان
لقد تأهلت من همى وأحزانى
تروى ثرى منك أمسى غير ريان
كأنه حدق فى غير أجفان

.

إنها صورة فنية يعبر فيها الشاعر عن شدة أحزانه وأشجانه ، فيشخص دار حبه الدارسة أجمل تشخيص وأدق تصوير ، وقد أبلى الليل والنهار معالمها وبهاءها ، بعد ما خلت من لـهوه وأحبابه وصارت عامرة بهمومه وأحزانه ، لذا فالشاعر يدعو لـها بالسقيا فى الغدو والرواح ، فترى النور فيها وقد تفتحت أكمامه كأنه عيون محدقة.

ويصف ابن المعتز ما تبقى من آثار أحبابه ، من أوتاد خيامهم البالية فيشبهها الشاعر فى تأكلـها وتداخل ألوانها المختلفة بالحرباء ، حيث يقول : ([23])

ومشجج ذى لمة
نصب كحرباء الفلا

.

 

ثاو بربع قد عفا
ة مضى الجميع وخلفا

.

وفى صورة جزئية أخرى يشير ابن المعتز أيضاً إلى النؤى المتهدم ، وهذه الأوتاد البالية فيقول : ([24])

لم يبق فيها غير نؤى خامل 
.

 

ومسجح رث القلادة أشعثا
.

كما يصف الشاعر الأثافى فى صورة فنية أخرى ، حيث يقول : ([25])

فيها ثلاث كالعوا
من كل خالدة كسـ

.

 

ئد يكشفن المذنفا
تها النار لونا أكلفا

.

إن هذه الأثافى التى تركها الأحبة بعد رحيلـهم قد ظلت شاحبة اللون ، وكأنها فى سوادها وما تراكم حولـها من رماد نساء قد ارتدين ملابس سوداء ، تعود مريضاً وتحيط به ، والجو النفسى هنا متلائم بين طرفى التشبيه فى هذه الصورة المتثيلية ، حيث الحزن والأسى المنبعث منهما.

هكذا تبدو صورة الأثافى فى رؤية الشاعر ، إذ يقول فى المعنى نفسه فى موضع آخر من شعره : ([26])

عفا غير سفع ماثلات كأنها
.

 

خدود عذارى مسهن شحوب
.

إنها صور تقليدية استلـهمها الشاعر من الموروث العربى القديم الذى ظهر بصورة واضحة فى قولـه : ([27])

أى رسم لآل هند ودار
وثلاث دنون لا لاشتياق
وعراص جرت عليها سوارى الر
ومغان كانت بها العين ملآى
سحقتها الرياح من كل فن

.

 

درسا غير ملعب وأوار
جالسات على فريسة نار
يح حتى غودرنه كالأسطار
من غصون تهتز فى أقمار
ومحتها بواكر الأمطار

.

فالشاعر فى الأبيات يتعجب من دار آل هند الدارسة ، وما تبقى منها من ملعب وأوار وأثاف ، وساحات تركتها الرياح فى هيئتها كالأسطر ، ومغان سحقتها الرياح ومحتها الأمطار ، ولذلك يقف على أطلال هذه الديار باكياً ، متمنيا لو عادت إليها نضارتها ومعالمها القديمة ، ولذا يستسقى لـها السحاب حتى تعود إليها نباتاتها وظلالـها ، فتدب فيها الحياة من جديد ، يقول ابن المعتز:([28])

لا مثل منزلة الدويرة منزل
بؤسا لدهر غيرتك صروفه
لم يحل بالعينين بعدك منظر
 
.

 

يا دار جادك وابل وسقاك
لم يمح من قلبى الـهوى ومحاك
ذم المنازل كلـهن سواك

.

ثم ترى الشاعر بعد ذلك يتعجب من جمال معاهدها ، فيندب كل معهد فيها، وما كان يفوح من طيبه وقت البكود والآصال ، وينتشر منه على الغصون ذات الظلال والثمار ، فتكتسب الأرض من هذا الطيب ، فيفوح أريحها وكأنها مجامر من عنبر أو فأرة مسك . وحتى حصاها كأنه جواهر متساقطة من أهل تلك المعاهد ، وقطرات ندى الماء المتساقطة كأنها ماء ورد عاطر ، كما ينشر الربيع بها وشياً بديع الألوان ، ويعبر ابن المعتز عن هذه المظاهر الطبيعية ، المتمثلة فى وصفه لداره : ([29])

أى المعاهد منك أندب طيبه
أم برد ظلك ذى الغصون وذى الحيا
فكأنما سطعت مجامر عنبر
وكأنما حصباء أرضك جوهر
وكأنما أيدى الربيع ضحية

.

 

.ممساك ذا الأصال أم مغذاك
أم أرضك الميثاء أم رياك
أوفت فار المسك فوق ثراك
وكأن ماء الورد دمع نداك
نشرت ثياب الوشى فوق رباك

.

 


2 وصف الرحلة

إن الرحلة وحب الانتقال شئ فطرى فى حياة الإنسان منذ القدم ، وقد سكن الفيافى والقفار ، وما كانت رحلاته إلا لأغراض ومقاصد متعددة ، منها طلب رزق ، أو متعة نفس ، أو حب صيد ، أو مجلس شرب ، أو لقاء حب ، أو غير ذلك .

ومن ثم فإن الرحلة كانت فى نظر الشعراء الأقدمين غرضاً من أغراضهم الشعرية ، وقد اتخذوا الإبل وسيلة انتقالـهم فى البوادى والصحارى ، ولذا وصفوا هذه الإبل فى حديثهم عن الرحلة فأحسنوا الوصف ، وقد سار على نهجهم شعراء العصر العباسى الثانى ؛ فاعتبروا الرحلة من المظاهر الطبيعية فى حياة الإنسان، وجعلوا لـها نصيباً وافراً فى قصائدهم إلا أنهم توسعوا فى أغراضها عن سابقيهم، فعرضوا مشاهد رحلاتهم إلى ممد وحيهم ، من الخلفاء والوزراء والأمراء والكتاب وغيرهم ؛ طلباً للرفد أو طلباً للعطاء ، أو من أجل الحصول على جوائزهم السنية إثر مدحهم .

ولقد أضاف شعراء العصر العباسى وسيلة جديدة من وسائل رحلاتهم وهى السفينة التى كثر استخدامها فى رحلاتهم البحرية ، فخصوها بالوصف فى بعض أشعارهم .

ولم ينس شعراء هذا العصر أيضاً أن يحددوا أوقات رحلاتهم ، وكذلك الأماكن التى تجتازها ، كما أنهم وصفوا أحوالـهم فى أثناء الرحلة ، وأحوال رفاقهم ، وما يقاسونه من إرهاق ومعاناة وهم يجتازون تلك الصحارى القاسية بمظاهرها الطبيعية القاسية من دروب شائكة ، ومسالك صعبة ، وحيوانات متوحشة ، وطيور معيئة ، وحشرات متنوعة ، وجبال ووديان وكثبان وغيرها . كما حدد الشعراء أيضاً أوقات رحلاتهم فاتخذوا من الليل بظلامه الدامس ومن الظهيرة بشدة حرها وقيظها موعداً لرحلاتهم إلى ممدوحيهم أو لأى غرض آخر من أغراضهم ، ولقد كان الليل أكثر أوقاتهم وأفضل موعداً لرحلاتهم على الرغم مما يعانون فيه من المخاوف والأهوال والعناء ، فالبحترى يصف رحلته إلى ممدوحه فى دجى الليل فيقول : ([30])

والعيس تنصل من دجاه كما انجلى
حتى تجلى الصبح فى جنباته

.

 

صبغ الشباب عن القذال الأشيب
كالماء يلمع من وراء الطحلب

.

تأمل صورة الإبل البيض الشقراء وقد انسلت من ظلمة الليل كما يبدو شيب القذال من بين اشعر الأسود ، إنها إبل راحلة طوال ليلـها حتى يبدو الصبح وقد تبلج ضياؤه ، فصار كالماء اللامع من وراء الطحلب الذى يطفو فوق سطحه.

وحول هذا المعنى يقول البحترى أيضاً محدداً مقصد رحلته ([31])

إلى ابن أمير المؤمنين تناهبت 
.

 

بنا العيس ديجوراً من الليل أسودا
.

فالشاعر يصف الليل بظلمته معبراً عن ذلك بكلمة " ديجوراً " ومؤكداً لشدة هذه الظلمة فى قولـه " أسوداً " .

كما يصف الشاعر رحلته إلى ممدوحه ليلاً أملاً فى عطائه ، فيقول : ([32])

إلى " أبى جعفر " خاضت ركائبنا
تنوط آمالنا منه إلى ملك
 
.

 

خطار ليل مهول الخرق مرهوب
مردد فى صريح المجد منسوب
 
.

وإذا كان البحترى قد وصف معاناته فى رحلته إلى ممدوحه ؛ لما لقيه من أهوال الليل ومخاطره ، فإنه لم ينس فى رحلته معاناة الإبل وظمأها من أجل الوصول إلى ممدوحه ، حيث يقول : ([33])

 


 [ 

<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->

الطبيعة فى المقدمات الطللية

تعد مظاهر الطبيعة فى المقدمات الطللية ظاهرة تقليدية فى معظم أغراض القصيدة العباسية كالمدح والغزل وغيرها ، ولقد أصل هذه الظاهرة شعراء العصر الجاهلى إذ " وقفوا على أطلالـهم فبكوا واستبكوا عليها ، ووصفوا أثارها الدارسة من نؤى متهدم ، وأثاف سفح ، وأوتاد بالية ، ودمن متحطمة ، كما ذكروا حيواناتها التى تجوس قيعانها ، وذكروا هذه الأطلال الدارسة وأحجارها الصماء التى طال عليها الأمد، وما تعاقب عليها من الرياح الشديدة ، وما مر عليها من الزمن ، وقد حرصوا على تسميتها وصوروها فى أشكال مختلفة ومتعددة تعكس فى أغلب الأحيان الحالات النفسية الصعبة التى كان يعانى منها الشاعر ، إذ يتذكر أيام فتوته وشبابه ، فيرى ملاعب صباه قد طمست أعلامها ، فيضيق بها ذرعا ، إذ يقف حائراً بين ماضيه العذب وحاضره الكدر ومستقبلـه المجهول ، إنه يعى الحياة ولكنه يشعر بضعفه أمام قوى الطبيعة .

صور القدماء هذه المشاهد جميعاً ، وفصلوها تفصيلاً ، فتركت فى نفوسهم أعمق الأثر ، لأنها تحمل تخيلات مؤلمة عن صور الحياة الدارسة"([1]).

هذه رؤية الشاعر الجاهلى بالنسبة للطبيعة فى مقدماته الطللية رؤية واقعية ، بينما لا يستطيع الشاعر العباسى أن يصف هذه الطبيعة إلا بعد أن يقف على الأطلال سواء كان وقوفاً حقيقياً ، أو وقوفاً خيالياً معبراً من خلالـه عن مواقفه الوجدانية وانفعالاته النفسية ، ومن ثم تمثل مظاهر الطبيعة فى هذه المقدمات رمزاً فنياً للصراع القائم بين الحياة والموت أو البقاء ، فيحدو ذلك بالشاعر إلى تذبذبه النفسى وتردده الفعلى إثر هذا الصراع ، وعلى كل حال لم تكن تجربة الأطلال عند الشاعر العباسى تجربة واقعية بل تجربة خيالية إبداعية، انتهجها من تجارب الشعراء السابقين فحذا حذوهم وتأثر بهم ، فصار فى معظم وصفه لمظاهر الطبيعة الصامتة فى شعره مقلداً لا مجدداً إلا ما ندر فى بعض صوره الشعرية التى تتلاءم وحالته النفسية عن طريق الحذف والتحوير فى هذه الصور ، وإضافة مظاهر حضارية جديدة تتلاءم وبيئتهم المتحضرة وحياتهم المترفة .

والشاعر العباسى إذ يرد هذه المظاهر الطبيعية الحضارية فى مقدماته الطللية ، لا يفوته أن يسقط منها مسميات مواضعها ( كاللوى وحومل وتوضح والمقراة وبرقة والأثمد والأبرقين ) وغيرها من المواضع الأخرى ويستبدل بها أسماء مواضع جديدة من واقع حياته الحضارية (كالكرخ وقطربل والقفص والدسكره وعانات وبنى وكركرينا… ) ، وغيرها من مواضع لـهوه وقصفه ، أما إذا أورد الشاعر العباسى بعض المسميات القديمة فإنه يذكرها إما مدللا على موروثه الثقافى القديم ، وإما على سبيل السخرية والاستهزاء ، كأن يصرف رفاقه عن الوقوف بالأطلال أو بكائها ، لأن تجربته عن هذه المواضع الطللية غير واقعية إلى حد ما ؛ لأنه لم يعش فيها ، أو يرها ويأنس بها ، وأحياناً يأتى بذكرها مقلداً تقليداً زائفاً لا يدرى حقيقته أو دلالاته الإيحائية، لأن تجربته فى هذه الحالة غير صادقة .

ولذا فالشاعر من خلال وصفه لمظاهر الطبيعة فى مقدماته الطللية يعتمد على محورين : الأول منهما : مرحلة التقليد المحض ( الكمون الفنى ) ، والثانى: مرحلة الثورة على التقليد والدعوة إلى التجديد ، هذا المحور ستأتى دراسته فى ضوء التيار التجديدى فى وصف المظاهر الطبيعة الحضارية فى شعر العصر العباسى الثانى .

أما المرحلة الأولى–التقليد المحض–فالمقصود بها محاكاة السابقين فى أوصافهم وتشبيهاتهم لمظاهر الطبيعة لفظاً ومعنى والتأثر بهم دون معايشة واقعهم ومعاصرة تجاربهم الشعرية ؛ بسبب اختلاف بيئات كل منهم واتساع ثقافتهم التراثية عن هؤلاء السابقين .

ومن مظاهر هذا التقليد : وقوف الشعراء واستيقافهم على أطلال وربوع أحبابهم الراحلين ومحبوباتهم الظاعنات ، والبكاء عليها ، وسؤالـها ومحاولة استنطاقها ، ووصف ما بقى من آثار ها ودمنها ونؤيها وأثافيها ، وما فعلته الرياح الدوارس بها ، وما انتابها من صروف الأيام والسنين ، وغير ذلك من هذه المظاهر التقليدية .

والأمثلة على   ذلك كثيرة ومتعددة عند شعراء العصر العباسى الثانى فترى البحترى يقف على أطلال محبوبته باكياً داعياً أخلاءه إلى ذلك ، فيقول:([2])

يا وهب هب لأخيك وقفة مسعد
.

 

يعطى الأسى من دمعه المبذول
.

ويقول : ([3])

قف العيس قد أدنى خطاها كلالـها
.

 

وسل دار سعدى إن شفاك سؤالـها
.


[1] ) د. نورى القيسى : الطبيعة فى الشعر الجاهلى : النهضة العربية . القاهرة ، طـ 2– 1984 ، ص 257، 276.

[2] ) البحترى : ديوانه : تحقيق / حسن كامل الصيرفى . دار المعارف بمصر– طـ 2 1973 . جـ 3 ، ص 1662 .

[3] ) السابق : ص 1629 .

المصدر: –جزء من رسالة دكتوراه للدكتور نصر الدين عبد العظيم صاحب الموقع
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 932 مشاهدة
نشرت فى 22 مايو 2012 بواسطة nasrelden57

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

2,791