<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if !mso]><object classid="clsid:38481807-CA0E-42D2-BF39-B33AF135CC4D" id=ieooui></object> <style> st1\:*{behavior:url(#ieooui) } </style> <![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
– الطبيعة فى المقدمات الطللية
تعد مظاهر الطبيعة فى المقدمات الطللية ظاهرة تقليدية فى معظم أغراض القصيدة العباسية كالمدح والغزل وغيرها ، ولقد أصل هذه الظاهرة شعراء العصر الجاهلى إذ " وقفوا على أطلالـهم فبكوا واستبكوا عليها ، ووصفوا أثارها الدارسة من نؤى متهدم ، وأثاف سفح ، وأوتاد بالية ، ودمن متحطمة ، كما ذكروا حيواناتها التى تجوس قيعانها ، وذكروا هذه الأطلال الدارسة وأحجارها الصماء التى طال عليها الأمد، وما تعاقب عليها من الرياح الشديدة ، وما مر عليها من الزمن ، وقد حرصوا على تسميتها وصوروها فى أشكال مختلفة ومتعددة تعكس فى أغلب الأحيان الحالات النفسية الصعبة التى كان يعانى منها الشاعر ، إذ يتذكر أيام فتوته وشبابه ، فيرى ملاعب صباه قد طمست أعلامها ، فيضيق بها ذرعا ، إذ يقف حائراً بين ماضيه العذب وحاضره الكدر ومستقبلـه المجهول ، إنه يعى الحياة ولكنه يشعر بضعفه أمام قوى الطبيعة .
صور القدماء هذه المشاهد جميعاً ، وفصلوها تفصيلاً ، فتركت فى نفوسهم أعمق الأثر ، لأنها تحمل تخيلات مؤلمة عن صور الحياة الدارسة"([1]).
هذه رؤية الشاعر الجاهلى بالنسبة للطبيعة فى مقدماته الطللية رؤية واقعية ، بينما لا يستطيع الشاعر العباسى أن يصف هذه الطبيعة إلا بعد أن يقف على الأطلال سواء كان وقوفاً حقيقياً ، أو وقوفاً خيالياً معبراً من خلالـه عن مواقفه الوجدانية وانفعالاته النفسية ، ومن ثم تمثل مظاهر الطبيعة فى هذه المقدمات رمزاً فنياً للصراع القائم بين الحياة والموت أو البقاء ، فيحدو ذلك بالشاعر إلى تذبذبه النفسى وتردده الفعلى إثر هذا الصراع ، وعلى كل حال لم تكن تجربة الأطلال عند الشاعر العباسى تجربة واقعية بل تجربة خيالية إبداعية، انتهجها من تجارب الشعراء السابقين فحذا حذوهم وتأثر بهم ، فصار فى معظم وصفه لمظاهر الطبيعة الصامتة فى شعره مقلداً لا مجدداً إلا ما ندر فى بعض صوره الشعرية التى تتلاءم وحالته النفسية عن طريق الحذف والتحوير فى هذه الصور ، وإضافة مظاهر حضارية جديدة تتلاءم وبيئتهم المتحضرة وحياتهم المترفة .
والشاعر العباسى إذ يرد هذه المظاهر الطبيعية الحضارية فى مقدماته الطللية ، لا يفوته أن يسقط منها مسميات مواضعها ( كاللوى وحومل وتوضح والمقراة وبرقة والأثمد والأبرقين ) وغيرها من المواضع الأخرى ويستبدل بها أسماء مواضع جديدة من واقع حياته الحضارية (كالكرخ وقطربل والقفص والدسكره وعانات وبنى وكركرينا… ) ، وغيرها من مواضع لـهوه وقصفه ، أما إذا أورد الشاعر العباسى بعض المسميات القديمة فإنه يذكرها إما مدللا على موروثه الثقافى القديم ، وإما على سبيل السخرية والاستهزاء ، كأن يصرف رفاقه عن الوقوف بالأطلال أو بكائها ، لأن تجربته عن هذه المواضع الطللية غير واقعية إلى حد ما ؛ لأنه لم يعش فيها ، أو يرها ويأنس بها ، وأحياناً يأتى بذكرها مقلداً تقليداً زائفاً لا يدرى حقيقته أو دلالاته الإيحائية، لأن تجربته فى هذه الحالة غير صادقة .
ولذا فالشاعر من خلال وصفه لمظاهر الطبيعة فى مقدماته الطللية يعتمد على محورين : الأول منهما : مرحلة التقليد المحض ( الكمون الفنى ) ، والثانى: مرحلة الثورة على التقليد والدعوة إلى التجديد ، هذا المحور ستأتى دراسته فى ضوء التيار التجديدى فى وصف المظاهر الطبيعة الحضارية فى شعر العصر العباسى الثانى .
أما المرحلة الأولى–التقليد المحض–فالمقصود بها محاكاة السابقين فى أوصافهم وتشبيهاتهم لمظاهر الطبيعة لفظاً ومعنى والتأثر بهم دون معايشة واقعهم ومعاصرة تجاربهم الشعرية ؛ بسبب اختلاف بيئات كل منهم واتساع ثقافتهم التراثية عن هؤلاء السابقين .
ومن مظاهر هذا التقليد : وقوف الشعراء واستيقافهم على أطلال وربوع أحبابهم الراحلين ومحبوباتهم الظاعنات ، والبكاء عليها ، وسؤالـها ومحاولة استنطاقها ، ووصف ما بقى من آثار ها ودمنها ونؤيها وأثافيها ، وما فعلته الرياح الدوارس بها ، وما انتابها من صروف الأيام والسنين ، وغير ذلك من هذه المظاهر التقليدية .
والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة عند شعراء العصر العباسى الثانى فترى البحترى يقف على أطلال محبوبته باكياً داعياً أخلاءه إلى ذلك ، فيقول:([2])
|
يا وهب هب لأخيك وقفة مسعد |
|
يعطى الأسى من دمعه المبذول |
ويقول : ([3])
|
قف العيس قد أدنى خطاها كلالـها |
|
وسل دار سعدى إن شفاك سؤالـها |
كما يقول أيضاً : ([4])
ما على الركب من وقف الركاب
|
|
فى مغانى الصبا ورسم التصابى
|
هكذا يقف البحترى ويبكى أطلال محبوبته ، فيحس فى بكائه براحة القلب وطمأنينة النفس ، حيث يقول : ([5])
|
وإن بكائى بالطلول لراحة |
|
فهل مسعد أتى بالبكاء طلول ؟ |
ولكن الشاعر لطول تذكره يحس بخفقان قلبه ؛ لما يستثيره بكاؤه من ذكرياته ، فيقول: ([6])
أفى كل دار منك عين ترقرق
|
|
وقلب على طول التذكر يخفق
|
ولقد مدح الآمدى هذه الابتداءات وقال : هى فى غاية الجودة ([7]) ، بل هى طريقة القوم فى الوقوف على الديار " ([8])
إنها ابتداءات مقدمات طللية جيدة ، إذ اختار الشاعر لبنائها ألفاظاً معبرة وموحية فى آن واحد ، تعطى جرساً موسيقياً لما بينها من التجانس والتناسق والتناغم ، فلتنصت إلى الشاعر متأملاً قولـه : يا وهب هب كلالـها وسؤالـها ، الركب والركاب ، الصبا والتصابى ، الطلول وطلول ، ترقرق ويخفق … ثم انظر إلى هذا المنظر الطبيعى المتمثل فى صورة العيس الراحلة وقد كلت خطاها، فيستوقف الشاعر حاديها على أطلال محبوبته ، يسألـها لعلـه يجد فى جوابها شفاء ، ثم تأمل هذه الصورة الطبيعية الأخرى برقاً يلوح يقرنه الشاعر بطلل قفر ، فيقول : ([9])
|
متى لاح برق ، أو بدا طلل قفر |
|
جرى مستهل لا يكئ ولا نزر |
ولا تقل صورة الرياح وما تفعلـه بالأطلال شأنا عن غيرها من بقية المظاهر الطبيعية الطللية ، فيقول البحترى : ([10])
|
دمن تقاضهن إعلان البلى |
|
هوج الرياح الباديات العود |
وفى المعنى نفسه يقول : ([11])
|
بين الشقيقة فاللوى فالأجرع |
|
دمن حبسن على الرياح الأربع |
إنه مظهر طبيعى حدد فيه الشاعر مواضع الدمن التى تعاقبت عليها الرياح ؛ فتركتها حبيسة دارسة ، ويرد هذا المعنى فى موضع آخر ، يقول فيه:([12])
|
مغانى "سليمى "بالعقيق ودورها |
|
أجد الشجى إخلاقها ودثورها |
ويخصص الشاعر من هذه الرياح الطللية رياح الصبا والجنوب ، ويسلب من كل منها خصائصها التى تميزها ([13])
|
لا أرى بـ " البراق " رسما يجيب |
|
سكنت آيها الصبا والجنوب |
وهكذا ضاق الشاعر ذرعاً بما فعلته الرياح فى أطلالـه ، فشكا همه وأحزانه ، حيث قال :([14])
|
خليلى : ما للرامسات وما لـها |
|
وما للشجون المبرحات ومالى |
ومن الصور الطبيعية الأخرى التى يذكرها البحترى قولـه : ([15])
|
سقى ربعها سح السحاب وهاطلـه |
|
وإن لم يخبر آنفا من يسائلـه |
إنه يدعو لربع محبوبته بالسقيا ، واصفا مغناها برمالـه المستوية وأحجاره الصلدة المتقطعة بمنعرج اللوى .
ولا يزال الشاعر يود السقيا للأطلال التى طال تعفيها ، فلا يكاد يعرفها ، حيث يقول : ([16])
|
وما أعرف الأطلال فى جنب "توضح" |
|
لطول تعفيها ولكن إخالـها |
ويود الشاعر أيضاً أن يسلم على الديار ، ولكنها تستعجم عن جوابه ، فيقول:([17])
|
عست دمن بـ " الأبرقين " خوال |
|
ترد سلامى أو تجيب سؤالى |
وفى المعنى نفسه يقول : ([18])
|
هذى المعاهد من " سعاد" فسلم |
|
واسأل وإن وجمت فلم تتكلم! |
ولـهذا لا يرى البحترى من وقوفه على الأطلال والدمن شفاء لشدة شوقه ؛ فيعبر عن ذلك فى قولـه : ([19])
|
كم من وقوف على الأطلال والدمن |
|
لم يشف من برحاء الشوق ذا شجن! |
ويقول فى هذا المعنى مشيراً إلى ذكرياته بين هذه الدمن حيث الـهوى واللـهو فى شبابه ، ويرى أن تذراف الدموع لا جدوى منه ([20])
|
ولقد وقفت على الرسوم فلم أجد |
|
عتباً على سنن الدموع الذرف |
ومن الواضح أن البحترى لم يعتن كثيراً بالوصف التفصيلى للمظاهر الطبيعية المتعلقة بالأطلال سوى الإشارة إلى ما تعرضت لـه هذه الأطلال من صروف الدهر والأيام ، ولكنه يشير إلى جزئية طللية طبيعية فى صورة تشبيهية متمثلة فى نؤى دارس ، وثلاث أثاف ، حيث يقول:([21])
|
عفا غير نؤى دارس فى فنائه |
|
ثلاث أثاف كالحمائم جنح |
إن الأثافى فى هيئتها ولونها كالحمائم المجنحة ، فالصورة التشبيهية فى البيت الشعرى تقوم على الـهيئة الشكلية دون مراعاة الجانب النفسى .
وإذا كان البحترى قد بكى الأطلال ، فإن ابن المعتز قد بكى أطلال حبه حيث قال : ([22])
|
يا دار يا دار أطرابى وأشجانى |
|
أبلى جديد مغانيك الجديدان |
إنها صورة فنية يعبر فيها الشاعر عن شدة أحزانه وأشجانه ، فيشخص دار حبه الدارسة أجمل تشخيص وأدق تصوير ، وقد أبلى الليل والنهار معالمها وبهاءها ، بعد ما خلت من لـهوه وأحبابه وصارت عامرة بهمومه وأحزانه ، لذا فالشاعر يدعو لـها بالسقيا فى الغدو والرواح ، فترى النور فيها وقد تفتحت أكمامه كأنه عيون محدقة.
ويصف ابن المعتز ما تبقى من آثار أحبابه ، من أوتاد خيامهم البالية فيشبهها الشاعر فى تأكلـها وتداخل ألوانها المختلفة بالحرباء ، حيث يقول : ([23])
|
ومشجج ذى لمة |
|
ثاو بربع قد عفا |
وفى صورة جزئية أخرى يشير ابن المعتز أيضاً إلى النؤى المتهدم ، وهذه الأوتاد البالية فيقول : ([24])
|
لم يبق فيها غير نؤى خامل |
|
ومسجح رث القلادة أشعثا |
كما يصف الشاعر الأثافى فى صورة فنية أخرى ، حيث يقول : ([25])
|
فيها ثلاث كالعوا |
|
ئد يكشفن المذنفا |
إن هذه الأثافى التى تركها الأحبة بعد رحيلـهم قد ظلت شاحبة اللون ، وكأنها فى سوادها وما تراكم حولـها من رماد نساء قد ارتدين ملابس سوداء ، تعود مريضاً وتحيط به ، والجو النفسى هنا متلائم بين طرفى التشبيه فى هذه الصورة المتثيلية ، حيث الحزن والأسى المنبعث منهما.
هكذا تبدو صورة الأثافى فى رؤية الشاعر ، إذ يقول فى المعنى نفسه فى موضع آخر من شعره : ([26])
|
عفا غير سفع ماثلات كأنها |
|
خدود عذارى مسهن شحوب |
إنها صور تقليدية استلـهمها الشاعر من الموروث العربى القديم الذى ظهر بصورة واضحة فى قولـه : ([27])
|
أى رسم لآل هند ودار |
|
درسا غير ملعب وأوار |
فالشاعر فى الأبيات يتعجب من دار آل هند الدارسة ، وما تبقى منها من ملعب وأوار وأثاف ، وساحات تركتها الرياح فى هيئتها كالأسطر ، ومغان سحقتها الرياح ومحتها الأمطار ، ولذلك يقف على أطلال هذه الديار باكياً ، متمنيا لو عادت إليها نضارتها ومعالمها القديمة ، ولذا يستسقى لـها السحاب حتى تعود إليها نباتاتها وظلالـها ، فتدب فيها الحياة من جديد ، يقول ابن المعتز:([28])
|
لا مثل منزلة الدويرة منزل |
|
يا دار جادك وابل وسقاك |
ثم ترى الشاعر بعد ذلك يتعجب من جمال معاهدها ، فيندب كل معهد فيها، وما كان يفوح من طيبه وقت البكود والآصال ، وينتشر منه على الغصون ذات الظلال والثمار ، فتكتسب الأرض من هذا الطيب ، فيفوح أريحها وكأنها مجامر من عنبر أو فأرة مسك . وحتى حصاها كأنه جواهر متساقطة من أهل تلك المعاهد ، وقطرات ندى الماء المتساقطة كأنها ماء ورد عاطر ، كما ينشر الربيع بها وشياً بديع الألوان ، ويعبر ابن المعتز عن هذه المظاهر الطبيعية ، المتمثلة فى وصفه لداره : ([29])
|
أى المعاهد منك أندب طيبه |
|
.ممساك ذا الأصال أم مغذاك |
2 – وصف الرحلة
إن الرحلة وحب الانتقال شئ فطرى فى حياة الإنسان منذ القدم ، وقد سكن الفيافى والقفار ، وما كانت رحلاته إلا لأغراض ومقاصد متعددة ، منها طلب رزق ، أو متعة نفس ، أو حب صيد ، أو مجلس شرب ، أو لقاء حب ، أو غير ذلك .
ومن ثم فإن الرحلة كانت فى نظر الشعراء الأقدمين غرضاً من أغراضهم الشعرية ، وقد اتخذوا الإبل وسيلة انتقالـهم فى البوادى والصحارى ، ولذا وصفوا هذه الإبل فى حديثهم عن الرحلة فأحسنوا الوصف ، وقد سار على نهجهم شعراء العصر العباسى الثانى ؛ فاعتبروا الرحلة من المظاهر الطبيعية فى حياة الإنسان، وجعلوا لـها نصيباً وافراً فى قصائدهم إلا أنهم توسعوا فى أغراضها عن سابقيهم، فعرضوا مشاهد رحلاتهم إلى ممد وحيهم ، من الخلفاء والوزراء والأمراء والكتاب وغيرهم ؛ طلباً للرفد أو طلباً للعطاء ، أو من أجل الحصول على جوائزهم السنية إثر مدحهم .
ولقد أضاف شعراء العصر العباسى وسيلة جديدة من وسائل رحلاتهم وهى السفينة التى كثر استخدامها فى رحلاتهم البحرية ، فخصوها بالوصف فى بعض أشعارهم .
ولم ينس شعراء هذا العصر أيضاً أن يحددوا أوقات رحلاتهم ، وكذلك الأماكن التى تجتازها ، كما أنهم وصفوا أحوالـهم فى أثناء الرحلة ، وأحوال رفاقهم ، وما يقاسونه من إرهاق ومعاناة وهم يجتازون تلك الصحارى القاسية بمظاهرها الطبيعية القاسية من دروب شائكة ، ومسالك صعبة ، وحيوانات متوحشة ، وطيور معيئة ، وحشرات متنوعة ، وجبال ووديان وكثبان وغيرها . كما حدد الشعراء أيضاً أوقات رحلاتهم فاتخذوا من الليل بظلامه الدامس ومن الظهيرة بشدة حرها وقيظها موعداً لرحلاتهم إلى ممدوحيهم أو لأى غرض آخر من أغراضهم ، ولقد كان الليل أكثر أوقاتهم وأفضل موعداً لرحلاتهم على الرغم مما يعانون فيه من المخاوف والأهوال والعناء ، فالبحترى يصف رحلته إلى ممدوحه فى دجى الليل فيقول : ([30])
|
والعيس تنصل من دجاه كما انجلى |
|
صبغ الشباب عن القذال الأشيب |
تأمل صورة الإبل البيض الشقراء وقد انسلت من ظلمة الليل كما يبدو شيب القذال من بين اشعر الأسود ، إنها إبل راحلة طوال ليلـها حتى يبدو الصبح وقد تبلج ضياؤه ، فصار كالماء اللامع من وراء الطحلب الذى يطفو فوق سطحه.
وحول هذا المعنى يقول البحترى أيضاً محدداً مقصد رحلته ([31])
|
إلى ابن أمير المؤمنين تناهبت |
|
بنا العيس ديجوراً من الليل أسودا |
فالشاعر يصف الليل بظلمته معبراً عن ذلك بكلمة " ديجوراً " ومؤكداً لشدة هذه الظلمة فى قولـه " أسوداً " .
كما يصف الشاعر رحلته إلى ممدوحه ليلاً أملاً فى عطائه ، فيقول : ([32])
|
إلى " أبى جعفر " خاضت ركائبنا |
|
خطار ليل مهول الخرق مرهوب |
وإذا كان البحترى قد وصف معاناته فى رحلته إلى ممدوحه ؛ لما لقيه من أهوال الليل ومخاطره ، فإنه لم ينس فى رحلته معاناة الإبل وظمأها من أجل الوصول إلى ممدوحه ، حيث يقول : ([33])
<!--[if gte mso 9]><xml> <w:WordDocument> <w:View>Normal</w:View> <w:Zoom>0</w:Zoom> <w:PunctuationKerning/> <w:ValidateAgainstSchemas/> <w:SaveIfXMLInvalid>false</w:SaveIfXMLInvalid> <w:IgnoreMixedContent>false</w:IgnoreMixedContent> <w:AlwaysShowPlaceholderText>false</w:AlwaysShowPlaceholderText> <w:Compatibility> <w:BreakWrappedTables/> <w:SnapToGridInCell/> <w:WrapTextWithPunct/> <w:UseAsianBreakRules/> <w:DontGrowAutofit/> </w:Compatibility> <w:BrowserLevel>MicrosoftInternetExplorer4</w:BrowserLevel> </w:WordDocument> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" LatentStyleCount="156"> </w:LatentStyles> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
– الطبيعة فى المقدمات الطللية
تعد مظاهر الطبيعة فى المقدمات الطللية ظاهرة تقليدية فى معظم أغراض القصيدة العباسية كالمدح والغزل وغيرها ، ولقد أصل هذه الظاهرة شعراء العصر الجاهلى إذ " وقفوا على أطلالـهم فبكوا واستبكوا عليها ، ووصفوا أثارها الدارسة من نؤى متهدم ، وأثاف سفح ، وأوتاد بالية ، ودمن متحطمة ، كما ذكروا حيواناتها التى تجوس قيعانها ، وذكروا هذه الأطلال الدارسة وأحجارها الصماء التى طال عليها الأمد، وما تعاقب عليها من الرياح الشديدة ، وما مر عليها من الزمن ، وقد حرصوا على تسميتها وصوروها فى أشكال مختلفة ومتعددة تعكس فى أغلب الأحيان الحالات النفسية الصعبة التى كان يعانى منها الشاعر ، إذ يتذكر أيام فتوته وشبابه ، فيرى ملاعب صباه قد طمست أعلامها ، فيضيق بها ذرعا ، إذ يقف حائراً بين ماضيه العذب وحاضره الكدر ومستقبلـه المجهول ، إنه يعى الحياة ولكنه يشعر بضعفه أمام قوى الطبيعة .
صور القدماء هذه المشاهد جميعاً ، وفصلوها تفصيلاً ، فتركت فى نفوسهم أعمق الأثر ، لأنها تحمل تخيلات مؤلمة عن صور الحياة الدارسة"([1]).
هذه رؤية الشاعر الجاهلى بالنسبة للطبيعة فى مقدماته الطللية رؤية واقعية ، بينما لا يستطيع الشاعر العباسى أن يصف هذه الطبيعة إلا بعد أن يقف على الأطلال سواء كان وقوفاً حقيقياً ، أو وقوفاً خيالياً معبراً من خلالـه عن مواقفه الوجدانية وانفعالاته النفسية ، ومن ثم تمثل مظاهر الطبيعة فى هذه المقدمات رمزاً فنياً للصراع القائم بين الحياة والموت أو البقاء ، فيحدو ذلك بالشاعر إلى تذبذبه النفسى وتردده الفعلى إثر هذا الصراع ، وعلى كل حال لم تكن تجربة الأطلال عند الشاعر العباسى تجربة واقعية بل تجربة خيالية إبداعية، انتهجها من تجارب الشعراء السابقين فحذا حذوهم وتأثر بهم ، فصار فى معظم وصفه لمظاهر الطبيعة الصامتة فى شعره مقلداً لا مجدداً إلا ما ندر فى بعض صوره الشعرية التى تتلاءم وحالته النفسية عن طريق الحذف والتحوير فى هذه الصور ، وإضافة مظاهر حضارية جديدة تتلاءم وبيئتهم المتحضرة وحياتهم المترفة .
والشاعر العباسى إذ يرد هذه المظاهر الطبيعية الحضارية فى مقدماته الطللية ، لا يفوته أن يسقط منها مسميات مواضعها ( كاللوى وحومل وتوضح والمقراة وبرقة والأثمد والأبرقين ) وغيرها من المواضع الأخرى ويستبدل بها أسماء مواضع جديدة من واقع حياته الحضارية (كالكرخ وقطربل والقفص والدسكره وعانات وبنى وكركرينا… ) ، وغيرها من مواضع لـهوه وقصفه ، أما إذا أورد الشاعر العباسى بعض المسميات القديمة فإنه يذكرها إما مدللا على موروثه الثقافى القديم ، وإما على سبيل السخرية والاستهزاء ، كأن يصرف رفاقه عن الوقوف بالأطلال أو بكائها ، لأن تجربته عن هذه المواضع الطللية غير واقعية إلى حد ما ؛ لأنه لم يعش فيها ، أو يرها ويأنس بها ، وأحياناً يأتى بذكرها مقلداً تقليداً زائفاً لا يدرى حقيقته أو دلالاته الإيحائية، لأن تجربته فى هذه الحالة غير صادقة .
ولذا فالشاعر من خلال وصفه لمظاهر الطبيعة فى مقدماته الطللية يعتمد على محورين : الأول منهما : مرحلة التقليد المحض ( الكمون الفنى ) ، والثانى: مرحلة الثورة على التقليد والدعوة إلى التجديد ، هذا المحور ستأتى دراسته فى ضوء التيار التجديدى فى وصف المظاهر الطبيعة الحضارية فى شعر العصر العباسى الثانى .
أما المرحلة الأولى–التقليد المحض–فالمقصود بها محاكاة السابقين فى أوصافهم وتشبيهاتهم لمظاهر الطبيعة لفظاً ومعنى والتأثر بهم دون معايشة واقعهم ومعاصرة تجاربهم الشعرية ؛ بسبب اختلاف بيئات كل منهم واتساع ثقافتهم التراثية عن هؤلاء السابقين .
ومن مظاهر هذا التقليد : وقوف الشعراء واستيقافهم على أطلال وربوع أحبابهم الراحلين ومحبوباتهم الظاعنات ، والبكاء عليها ، وسؤالـها ومحاولة استنطاقها ، ووصف ما بقى من آثار ها ودمنها ونؤيها وأثافيها ، وما فعلته الرياح الدوارس بها ، وما انتابها من صروف الأيام والسنين ، وغير ذلك من هذه المظاهر التقليدية .
والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة عند شعراء العصر العباسى الثانى فترى البحترى يقف على أطلال محبوبته باكياً داعياً أخلاءه إلى ذلك ، فيقول:([2])
|
يا وهب هب لأخيك وقفة مسعد |
|
يعطى الأسى من دمعه المبذول |
|
قف العيس قد أدنى خطاها كلالـها |
|
وسل دار سعدى إن شفاك سؤالـها |
[1] ) د. نورى القيسى : الطبيعة فى الشعر الجاهلى : النهضة العربية . القاهرة ، طـ 2– 1984 ، ص 257، 276.
[2] ) البحترى : ديوانه : تحقيق / حسن كامل الصيرفى . دار المعارف بمصر– طـ 2 1973 . جـ 3 ، ص 1662 .


ساحة النقاش