موعد

 

    جلست على المقعد المصنوع من الخيرزان، وضعت حقيبة يدها على الطاولة، أخرجت هاتفها

 المحمول، نظرت إلى الوقت ثم أجرت اتصالا، أصاخت السمع لثوان، أعادت المحاولة، زفرت وهي تعيد المحمول إلى الطاولة. طرحت رأسها للخلف، لمحت تمايس غصن الشجرة خلفها، عدلت من جلستها، أرسلت نظرة عابرة للجالسين ترصد الطريق، انزلقت قليلا على الكرسي، انطرح رأسها للخلف، تمايس لها الغصن بفرح أكثر، تماوج برقة، تماوجت معه مشاعرها لثوان وهي تتأمله من أسفل إلى أعلى، رأته وحده على خلفية الزرقة الرائقة،بينما تحط عصفورة على الغصن مرسلة نداءا مشحونا بعاطفة منكسرة مديرة رأسها في كل اتجاه. أرسلت نظرة إلى الطريق عابرة الجالس وحده على طاولة هناك، لم تلمح الابتسامة التي رفت ولا استدارة العينين المرشوقتين في استدارة وجهها. عبث الهواء بشعرها، أزاحته للخلف بخفة بإطاحة من رأسها في حركة رشيقة. تقافزت العصفورة على الغصن مرسلة زقزقات الترحاب المرحة، أعادة المحاولة على الهاتف، همت به ابتسامته التي اتسعت. ألقته بغضب في حقيبتها وهي تلقي على الطريق نظرتها العابرة، انكمشت ابتسامته. حط عصفور على الغصن، تراقص في قفزات حولها مصدرا زقزقات متفائلة، تقافزا معا على الغصن متبادلين في كل مرة مواقعهما، أصدرا رفيفا بأجنحتهما ثم طارا معا على خلفية الزرقة الرائقة.

 

                                                 ***

 

 

 

 

نورس على الرمل

 

 

يتهادى ظلي متموجا على الرمال الناعمة، اركبه زورقا متسللا بموسيقاه الحالمة، ينزلق على صفحة زرقاء نادية، يمرق ظل نورس على الرمل باحثا عن مياهه الغائرة، أتنبه للعطش في صحراء ذاتي الغائمة، وشمسها الحارقة تنذرها بالهطيل.  

 

 

 

 

          رحيق

 

سقطت ليمونة من فوق عربة يد، تدحرجت على الإسفلت، دهستها سيارة مسرعة، فانفثقت، لملمها في كفه رجل عابر، قربها من أنفه وملأ جوفه من روحها، ولكنها زادت فعبأت العالم برحيقها.                 

 

 

 

 

 

 

 

     ليلة بلا قمر                     محمد الزيات                

 

     نهض الحاج بدير الصاوي في ليلة من الليالي الربيعية الدافئة من نومه، يملأه شعور بأنه عاد كما كان من قبل، إحساسه نفس الإحساس، الدفء الربيعي أجرى الدماء في عروقه وفي ركن من ذاكرته، فأعاده إلي إحساس بسابق عهده، وإن لم يعد للفترة الأخيرة من حياته - حيث باع أولاده أرضه - من أثر. خياشيمه معبأة برائحة الأرض والنبات، النسيم الربيعي الليلي يكاد يطير بروحه. تلقى نداء رائحة الأرض، فأنسته الاستغاثة كل ما عاداها. نهض من فوره وبجلباب نومه فأخرج الحمار من الزريبة وفتح باب الدار علي مصراعيه، امتطاه، تاركا باب الدار مفتوحا، غز الحمار فمشى به وسنانا. كانت السماء بلا قمر، والبيوت والأشياء مرتدية ثوب  الظلمة، فلم يومئ له بيت ولا زقاق ولا شارع بهويته، عبر به الحمار جسر البحر عارفا سبيله.توغل به في الحقول بعيدا. لم يتنبه إلا لتوقفت الحمار فأخذ يجيل النظر فيما حوله، محاولا أن يتبين ملمحا ما ليعرف ما إن كان قد وصل أم لا، ولكن العتمة كانت قد شملت إدراكه فغلبته، نزل من علي ظهر الحمار فلامست الأرض باطن قدميه الحافيتين، شهق عميقا منتشيا بملمسها الرطب، فأخذته الأرض من نفسه وطوحت بما تبقى من ذاكرته، حلَّت الأرض محل كل شيء مكتفية بذاتها، لا تعترف بكل ما عليها من عرض زائل، لاشعور لديه بأي شيء سوى الأرض. انحنى يتلمس النبات فعرف أنه نبات الفول، تحسس بقدميه موضع موطئه، عثرت قدميه علي بتن، ارتقاه وسار عليه، دار معه إلي أن أسلمه إلي حافة أعلى قليلا، ارتقاها ومشى كأنه يبحث عن شيء ربما يوصله إلي ؟؟؟... لا يدري. شعر بالتعب يتسلل إلي جسده زاحفا من ساقيه، نبهه التعب إلي الرغبة في الراحة، ومع ذلك ظل ماشيا إلي أن قادته قدماه إلي تلة، دار معها وهي تدور به إلي أن شعر بخوار قواه، أخيرا صعد التلة، اصطدم بشيء صلب فانحنى يتحسسه، أوصله إلي ترس الساقية، مشى، لم يعر انتباها لملمس الريم الزلج تحت قدميه على حافة البئر، وإن كانت قدماه منتبهة لم تحد عن حده، فأبعدته عنه ليصطدم بجدار ملمسه جرشا، فانزلقت كفيه عليه هبوطا إلي الأرض فاستسلم لحضنها. 

    قبيل الفجر استيقظت شجرة الجميز الكبيرة، شمت رائحة لم تعهدها في مثل هذه الأوقات، عرفت علي الفور بأنه ليس أحد ساكنيها ممن لا رائحة لهم، كان نائما علي أقدامها، له نفس رائحتها، تمنت لو استطاعت أن تمزق حجب الليل لترى هذا الذي زارها في غير وقت، وما هي إلا لحظات حتى شفت عباءة الليل، استجاب الفجر لمناجاتها، فأتى طاويا المسافات محققا لها أمنيتها، وإذ بالشمس علي وشك أن تعطي كل شيء لونه، فبدت الخيوط الأولى منفلتة تنبثق من ثقوب الليل تطارد بقايا صبغته الهاربة، تلقت شجرة الجميز العجوز لونها من شعاعها الأول، وتنفست بعمق زافرة رائحتها التي عبقت الأجواء بأريج هو مزيج من تراب الأرض ومائها، معطرا برائحة نسغها. أخذ دفء الشمس يمتص بنهم ما خلفه الليل من برد، فسحب ما تبقى منه علي بدن الحاج وأبدله بغطاء دافئ، فاستسلم له كيانه المتعب، واستراحت له عظامه الواهنة.

***                                                                                                                          

 

 

المصدر: جهازي الشخصي- لابتوب
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 70 مشاهدة
نشرت فى 21 يونيو 2015 بواسطة mzizo4350

mohamed soliman elzayat

mzizo4350
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,941