النظام السياسي في الإسلام: ـ

مفهوم النظام السياسي :     

*على العموم : هو عبارة عن رعاية شؤون الأمة داخليا وخارجيا ويندرج تحته جميع الدساتير وجميع الأمم .

*في الإسلام : هو عبارة عن القواعد المستمدة من الكتاب والسنة لضبط أعمال الناس وعلاقتهم المتنوعة . أي علاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول .

 

تقديم :

   مما هو معلوم أن النظام السياسي في الإسلام مستمر من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة وكل أمة من الأمم سواء قبل البعثة  أو بعدها كانت تربط نفسها  بقائد أو رئيس يتولى عملية توجيههم ورعايتهم . فالنظام السياسي موجود قبل الإسلام  ولكن   الإسلام نظمه ورتبه ووضع له قواعد  وأصول مستمدة من الكتاب والسنة، ففي الحقيقة  لابد من السلطة السياسية في أي بلد من أجل إشاعة الأمن والتربية والتعليم وتوزيع الأموال فيما بينهم وفض المنازعات والخصومات التي تحصل فيما بينهم وقد قام بذلك النظام الإسلامي خير قيام منذ أن تولى الرسول صلى الله عليه وسلم توجيه الناس وإرشادهم وإقامة الحدود وجباية المال ومن ثم توزيعه عليهم بالسوية’ وأعلن الجهاد المقدس على الذين يقفون أمام المد الإسلامي وأمام الدعوة ، و الحكم بما أنزل الله من ألفه إلى يائه هو النظام السياسي في الإسلام قال تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }<!--. ولما أحس أعداء الإسلام بقوة المسلمين وتماسكهم وترابطهم وانتظام هذا النظام عمدوا إلى أن يدخلوا على المسلمين مفهوم خبيث يسمى بالعلمانية( أي فصل الدين عن الدولة)

والعلمانية نشأت في (أوربا) لظروف سياسية وتاريخية ودينية واقتصادية واجتماعية وذلك لأن الكنيسة ثارت على من يسمون بالعلماء الأحرار وكانت تكثر فيهم الأحكام الجائرة وتأمر الناس بقتالهم<!-- فهب الناس مع العلماء الأحرار يدافعون عن التفكير والعلم البحثي فزويت الكنيسة في إطار معين ولم يعد لها أي كيان أو هيمنة على بقية شؤون الحياة في أوربا . فلذلك يمكن القول إنه لظروف مر بها العالم الغربي وجد ما يسمى بالعلمانية ويكون لهم بعض العذر في ذلك لعدم وجود كتاب مقدس خالي من التحريف والتغيير.

لكن هل النظام الإسلامي يحارب العلم التجريبي ؟  الجواب لا . لأن القرآن يحث عليه ويشجع ويدعوا إليه قال تعالى

{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت }<!-- . وقال تعالى

{أفلا يتدبرون }2. وقال تعالى {أفلا يعقلون }3. ولما باء أعداء الإسلام بالفشل في حياتهم السياسية،حرصوا على إزالة الخلافة من صفوف المسلمين وإحلال القوانين الأرضية في دساتيرهم بدل من الدستور الأعلى وهو القرآن وذلك من خلال جواسيسهم وعملائهم حتى سقطت الخلافة الإسلامية ثم جاء بعد ذلك الاستعمار واستولوا على بلاد المسلمين حتى تطهرت على أيدي العلماء الصالحين من أبناء الأمة الإسلامية ولكن إلى الآن لا تزال كثير من بلاد المسلمين تعاني من مبدأ العلمانية أي فصل الدين عن الدول حتى ولو كان الدين الرسمي هو الإسلام . فلا يمكن أن تقوم للإسلام قائمة حتى يعودوا إلى كتاب الله وسنة رسوله في كل أمر من حياتهم .

 

ـ مصادر النظام السياسي في الإسلام :  

 

المصدر الأساسى هما الكتاب والسنة قال صلى الله عليه وسلم {تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بها كتاب الله وسنة نبيه}. 1

*القرآن:

الحاكم في الإسلام عليه أن يستمد حكمه من كتاب الله من نحو إرساء العدل والحرية والعدالة والمساواة بين الناس بقيودها . فكتاب الله هو حبل الله المتين من ابتغى العزة من غيره أذله الله أو أضله .

  فمن المعلوم أن الأمة الإسلامية لم تنتصر إلا بعد أن عادوا إلى كتاب الله عودة صادقة ولم تنهزم وتفترق إلا لما تركوا كتاب الله أي تطبيقه.

قال تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{والظالمون} { والفاسقون } وقال تعالى {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا الله } قال جل جلاله{ وأن احكم بينهم بما أنزل الله }1 قال الله تعالى

 { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله }2. ولهذا فالحاكم في الإسلام مقيد بما جاء في النصوص في القران والسنة من قول أو فعل أو تقرير .

*السنة :

أي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية .فلقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم السياسة بنفسه فكان الرئيس والقائد مع النبوة والرسالة وكان يجمع شؤون الدنيا إضافة إلى نشر العقيدة ونشر القران العظيم وشرحه للناس ومع ذلك يقيم فيهم الأحكام الدنيوية ويقيم فيهم أحكام الله من نحو الحدود ويشرح لهم المعاملات كالبيع والشراء والأحوال الشخصية كالطلاق والزواج ويعلن الجهاد ضد أعداء الله ويقوم بتعليم الناس وتربيتهم وتوجيههم ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم >> {إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق} << 2.إذن القدوة والحجة في النظام السياسي الإسلامي هو الرسول صلى الله عليه وسلم 

 

-غاية السياسة في الإسلام :

هي إصلاح الدين أولاً فهو الذي به عصمة أمرنا وبه عزنا وبه نصرنا ونجاتنا من النار ودخولنا برحمة الله الجنة .ثم إصلاح شؤون الحياة العامة من معيشة واقتصاد وتربية واجتماع وصناعة وزراعة وتجارة وعلم، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور لأن الأمة الإسلامية لها وضعية مختلفة قال تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر }1. فالحاكم في الإسلام عليه ثقل كبير لان مهمته سياسة الدين والدنيا وعليه نشر الدين في صفوف كل الناس قال تعالى { وما أرسلناك إلا كافة للناس  بشيرا ونذيرا}2. وقال صلى الله عليه وسلم  >{.كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت للناس كافة}<< 3.

أسس ومكونات النظام السياسي في الإسلام :

1-قيام النظام السياسي على التوحيد :

أي توحيد الله تعالى بربو بيته وألوهيته وأسمائه وصفاته فهو المستحق للعبادة دون من سواه فيجب على الحاكم نشر التوحيد وجعل الناس يصرفون جميع أنواع العبادة لله وحده دون من سواه فليس هناك وثن يعبد ولاصنم ولاطاغوت  ولازعيم يعبد من دون الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين }4. وقال تعالى:

{ وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون }5. هذه أدلة تبين أن السياسة يجب أن تكون خادمة للتوحيد بنشره وإرسائه في أرجاء المعمورة وبذل أقصى جهد في ذلك لأن التوحيد من أسباب دخول الجنة وبما أن السياسة قائمة على التوحيد فلأن الحاكمية إذن هي لله والحاكمية الكبرى والأصلية إنما هي لله تبارك وتعالى حيث قال جل جلاله{ وأن احكم بينهم بما أنزل الله }1. فالتشريع الحقيقي بيد الله تبارك وتعالى قال الله تعالى

 { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله }2. ولهذا فالحاكم في الإسلام مقيد بما جاء في النصوص في القران والسنة من قول أو فعل أو تقرير .

2_الرسالة:

وهي الصلة بين الخالق والبشر وبها تصل التشريعات الإلهية إليهم وحملة هذه الرسائل هم الرسل الكرام وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس }3. وهذه الرسالة مبنية على كتاب الله وسنة رسوله فالقرآن لم يترك شاردة ولا وارده إلا وضحها قال تعالى { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين }4. وكذلك السنة هي الموضحة للقرآن فلولا الله ثم السنة لما فهمنا القرآن. فالقرآن وضع أصولاً وقواعد عامة ثم جاءت السنة فأوضحت وبينت القرآن . فالقرآن ذكر في السياسة الشؤون والقواعد العامة فأتت السنة موضحة وشارحة له

فالحكم فى الإسلام يجب أن يقوم على احترام السنة واستلهام المبادئ

السياسية منها والدفاع عنها حيث هى الشارحة للقرآن والمفصلة له .

 

3_الخلافة ( أو ما يقوم مقامها ) : 

 ومعناها لغة : النيابة .

وفي الاصطلاح : هي النيابة عن صاحب الشرع وهو محمد صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين والدنيا .

وقد اختلف في سبب تسمية الخليفة بهذا الإسم فقيل لأنه خليفة عن الله سبحانه وتعالى في الكرة الأرضية لقوله تعالى { إني جاعل في الأرض خليفة }1. وقيل لأنه يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم والراجح أنه الثاني لأن المقصود والله أعلم في الآية أن الناس تخلف بعضهم بعض فالأمم المتأخرة تخلف الأمم المتقدمة، ومما ذكر عن أبى بكر لما قيل له يا خليفة الله قال : لست خليفة الله ولكن خليفة رسول الله لأن الاستخلاف في حق الغائب وأما الحاضر فلا، والله حاضر غير غائب.

وواجب الخليفة أو الحاكم هي حراسة الدين ونشر تعاليم الدين الحنيف وتنفيذها في جميع شؤون الدولة بدقة وفق منهاج الإسلام وأحكامه المستنبطة من الكتاب والسنة والاجتهاد .   

 

الأمة :

وهذا المفهوم في الإسلام هو مجتمع إنساني يقوم على الأساس العقائدي المشترك فالإسلام بما يتضمنه من تصور لحقائق الوجود من الكون وما وراء الكون ومن قواعد سلوكية وقيم أخلاقية وأمور تشريعية هو العامل المشترك لأفراد هذه الأمة

ولذلك نجد أن الإسلام يتجه إلى عموم البشرية في كل زمان ومكان ليكونوا أمة واحدة لقوله تعالى { وأن هذه أمتكم أمة واحدة }2. وقوله تعالى { إنما المؤمنون إخوة }3. فالإسلام يدعو إلى تكوين مفهوم الأمة التي يتضمنها نظام سياسي موحد قائم على الكتاب والسنة .فالله تعالى أراد أن تنصهر كل الأمم في أمة واحدة إسلامية قال تعالى { إن الدين عند الله الإسلام }4.ولقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الجن والإنس لتكوين الأمة العالمية المثالية التي تعبد الله حق عبادته وتوحده بالعبادة دون من سواه فلذلك نهى وحرم الإسلام التفرقة العنصرية وحرم القومية وغيرها مما يدعو إلى العنصرية . ولهذا حذر الرسول المصطفى من العنصرية حيث قال { ليس منا من دعا إلى عصبية }  .1

ولهذا قرب الرسول صلى الله عليه وسلم أناساً ليسوا من بيئته مثل بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وأبعد أناساً لم يشملهم مفهوم الأمة مثل أبو لهب وأبو جهل وغيرهم من صناديد الكفر.

 

*الحكومة :  

  هي الهيئة التنفيذية التي تستمد سلطتها من الكتاب والسنة ومهمة الحكومة مع أجزاء الدولة وتفاصيلها هي تسيير شؤون الناس الدينية والدنيوية ولهذا نجد أن لها عدة سلطات تتعاون معها .

 -السلطة التنفيذية : وهي السلطة الحاكمة .

-السلطة التشريعية : وهي التي تفسر الأحكام وتوضحها وتسهلها أمام السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية مقيدة بالكتاب والسنة ولا تتجاوزهما إلا في الأمور الاجتهادية التي لم يرد نص صريح فيها .

 -السلطة القضائية: مهمتها تكوين هيئة مكونة من نخبة من

أبناء المسلمين يتعلمون الكتاب والسنة وخاصة مسائل القضاء ومسائل الاجتهاد وقضايا الناس ومشاكلهم لينصبوا ويقضوا بين الناس ويفضوا المنازعات على ضوء كتاب الله وسنة رسوله فكان الناس إذا وقعت بينهم مشاكل يهرعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي بينهم .

 -السلطة المالية : ومهمتها جباية الأموال من الفيء والصدقات

والزراعة والصناعة والتجارة ونحو ذلك من موارد الدولة الإسلامية ومن ثم تصديرها إلى متطلباتها سواء ما يتعلق بشؤون الأمة فرديا وجماعيا.

 -سلطة المراقبة والتقويم : وهي سلطة الأمة جميعها لمراقبة

الحكام ومراقبة الوزراء ومراقبة كل السلطات حتى لا تنحرف عن خطها ولا تنحرف عن طريقها المستقيم الذي رسم لها على ضوء الكتاب والسنة .

 

   *خصائص النظام السياسي في الإسلام :

للنظام السياسي في الإسلام خصائص مميزة عن غيره من الأنظمة الأخرى وإذا قارنا هذه الخصائص بالدساتير الوضعية نجد الفرق عظيم وشاسع حيث أن السلطة في الإسلام قائمة على الكتاب والسنة بخلاف الدساتير الوضعية التي تقوم على إرادة الشعوب وعادة القوم وتقاليدهم ونحو ذلك .

 *أهم الخصائص في النظام السياسي في الإسلام :   

الحاكمية لله سبحانه وتعالى وحده:   

أي أن الحاكم في الإسلام مقيد ومكتف فلا يحق له أن يتصرف بالنصوص القطعية الواضحة في الكتاب والسنة في أي حال من الأحوال والحاكمية الكبرى والأصلية هي لله سبحانه وتعالى ولهذا يقول تعالى {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه}1. ولهذا طالب الله الحكام بأن يحكموا بكتابه وسنة رسوله ،

قال تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }2.

(فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(<!-- وأي فتنة أعظم من مخالفة كتاب الله وعدم تطبيقه على المسلمين إذن فأهم خاصية يتميز بها النظام السياسي في الإسلام هي أن الحاكم هو رب العالمين بخلاف الأنظمة

الوضعية فإن الحاكم عندهم هو الشعب وقد يكون الحاكم عندهم من أسوء الناس فقد يكون منحرفا، حيث يختارون مطرب أو غيره نظرا لسمعته وشهرته كما هو موجود في العالم الغربي .

-العدل :

النظام السياسي في الإسلام قائم على العدل قال تعالى { إن الله يأمر بالعدل والإحسان }1. والعدل قامت عليه السماوات والأرض فلا يمكن لحاكم في الإسلام إلا أن يكون ذا عدل بينهم وأما إذا لم يكن كذلك فبشره بالفتن والاضطرابات والمصائب والزلازل والبراكين وبشره بتسلط أعداء الله سبحانه وتعالى عليه في كل مكان. فالظالم عاقبته وخيمة وخاصة من الحاكم في الإسلام ومصير صاحبه الهوان والدمار ومما لاشك فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم بين الناس بالعدل وكان يقول>> لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها<< 2.وهذا من شدة إقامة العدل بين الناس ولهذا مفهوم العدل في الإسلام الابتعاد عن الهوى لأن الهوى والنزوات أعدا عدو لإقامة العدل ولهذا يقول الله تعالى {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا}3. ولهذا الذي يريد أن يتبع هوى الناس  قد يورده إلى جهنم ولهذا يقول تعالى {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله }4. 

المساواة:

هي العدل بتطبيق شريعة الله العليا وأعظم العدل  تطبيق أحكام الله الشرعية وأعظم ظلم هو أن تحكم بالقوانين الطاغوتية . أما مفهوم المساواة الذي يقوم عليه النظام السياسي في الإسلام فهو أن يكون الجميع متساوون أمام النظام والقضاء و كل شئ، فلا تفرقة بسبب اللون أو الجنس أو اللسان أو غير ذلك وإنما الذي يحكم الجميع ويضبطهم هو الله وقول رسوله، فالناس أمام القانون سواء كأسنان المشط يقول الرسول صلى الله عليه وسلم >> ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى << 1. وقال تعالى:

 {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة}2. فما دام الناس كلهم خلقوا من نفس واحدة وكلهم في دائرة الإسلام فيجب أن يعاملوا بالسوية ولا يفرق بينهم إلا على حسب التقوى قال تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم }3. فتبقى قضية الكرامة والتقدير والاحترام على مقدار التقى والزهد والخوف من الله تعالى والحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين أما ماسوى ذلك فلا ينظر إليه. 

السمع والطاعة :

أي طاعة أولي الأمر قال تعالى { يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }4. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم >> من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني << 5. ولكن يجب أن تكون هذه الطاعة في غير معصية الله لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث سرية وأمر عليهم رجلا من الأنصار أمرهم أن يطيعوه فغضب عليهم وقال : أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني ؟ قالوا : بلى ، قال : قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ، ثم دخلتم فيها فجمعوا حطبا فأوقدوا نارا فلما هموا بالدخول ، قاموا ينظر بعضهم إلى بعض ، فقال بعضهم : إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فراراً من النار، أفند خلها ؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال  لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا ، إنما الطاعة في المعروف )< 1. ويجب في الطاعة ألا يترتب عليها ضرر لقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار < 2. وكذلك يجب في الطاعة أن يراعى فيها الاستطاعة لقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم}3.

الشورى :

معناها : المشاورة  أي أن يشاور الحاكم الأمة ويأخذ رأيهم خاصة أولي العقل والعلماء والمفكرين وليس معنى ذلك أنه لو قدم رأي من إنسان عادي أنه لن يقبل منه إنما الكلام على الأغلب الأعم فللشورى أهمية كبرى في أي تنظيم وترتكز عليه كل دولة تنشد لرعاياها الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار، والشورى من أكبر الوسائل التي يكتشف فيها خبرات و قدرات الناس مما ينعكس فوائده على الإدارة في الدولة الإسلامية والحاكم يستطيع أن يتوصل إلى أحسن الحلول  وأنجحها عن طريق الشورى ولذا نجد أن القرآن قد طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الشورى قال تعالى

{ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر }<!--. فهذه أدلة صريحة في القرآن على ضرورة الشورى وعلـى البـحث عنـها مـع أن الرسـول صـلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه، ومع ذلك كان القرآن يطالبه بالشورى إذن من يأتي بعد الرسول الكريم أولى بالشورى وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول >> أشيروا على أيها الناس << 1 ولهذا فإن الرأي الواحد كالخيط الواحد والاثنين كالخيطين والثلاثة كالحبل المشدود فلا غنى للحاكم عن الشورى لأنها خلاصة وعصارة أفكار وتجارب تضاف إلى الفكر والعقل . فلذلك  أكد النظام السياسي الإسلامي على الشورى لأنه الطريق السليم الذي يوصل إلى أجود الآراء والحلول لتحقيق مصالح الأفراد والجماعات والدول.      

هل الشورى ملزمة :

حقيقة هناك خلاف بين علماء السياسة والشريعة في أمر قابل للاجتهاد أي أنه لا يوجد نص صريح في ذلك أما إذا وجد الأمر في القرآن أو السنة فالواجب فعل الأمر دون الاستشارة . أما ما سوى ذلك فهناك من قال لابد من تنفيذ الاستشارة واحتجوا بعموم الأدلة وقالوا ما فائدة الاستشارة إذا لم يلزم بفعلها .

أما الرأي الآخر فقالوا: ليست الاستشارة ملزمة لان الحاكم قد يرى رأيا غير هذا الرأي ،  ورأي الحاكم يرفع الخلاف ولأن الأكثرية لا يلزم أن تكون على حق. لذلك يقول أهل هذا الرأي أن الشورى ليست ملزمة إنما هي استئناس وجمع لأكبر كمية من الآراء ليمكن للحاكم اختيار الأفضل،

ويبدو أن الظروف الزمانية والمكانية لها دور فى الإلزام وعدمه حيث أنها قد تكون ملزمة أحيانا وقد تكون غير ملزمة أحياناً.

مسؤلية الحاكم والأمة وواجباتهم :

الحقيقة أن الحاكم في الإسلام عليه مسئولية كبيرة وعليه رسالة جسيمة والحاكم في الإسلام لاشك أنه المسئول أمام الله عن كل

فرد من أفراد الأمة الإسلامية ومسئول عن الجهاد في سبيل الله ونشر الدعوة الإسلامية وغير ذلك . ولهذا شدد العلماء والفقهاء في السياسة الإسلامية في قضية الحاكم المسلم فهو مطالب ببذل قصارى الجهد في سبيل رفعة الإسلام والمسلمين فمن أهم الواجبات التي يلتزم بها الحاكم المسلم هي :

1ـ حفظ الدين على أصوله المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وما أجمع عليه سلف الأمة فالدين هو الأساس لذا يجب على الحاكم أن يحمي وينشر العقيدة الإسلامية الصحيحة ويجب عليه محاربة جميع مظاهر الشرك والضلال والبدع والخرافات ويجب عليه أن يحمي التوحيد بروحه وبكل ما أوتي من قوة وسلطان وجند . وعليه أيضا إفساح المجال للدعاة الصالحين الذين يبينون للناس الحق

ويشرحون لهم الكتاب والسنة وعلى الحاكم بذل الأسباب لذلك حتى تستفيد الأمة  من طاقات الدعاة ومن خيرهم وعلى الحاكم أن يحاصر المرتدين والزنادقة وغيرهم من المنحرفين الذين يريدون أن يحدثوا في دين الله ما ليس فيه إما زيادة أو نقصانا قال الرسول صلى الله عليه وسلم( من بدل دينه فاقتلوه ) 1

2ـ وعليه أيضا تنفيذ الأحكام بين المتخاصمين وذلك على حسب ما جاء في الكتاب والسنة وذلك ليعم العدل و ينتفي الظلم ويصبح الناس يأمن بعضهم من بعض قال تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم }2. فعليه إذن أن ينصب القضاة في كل قطر وفي كل مكان وذلك لإقامة الحدود لتصان محارم الله بين الناس مثل إقامة حد الردة وحد الزنا وحد القتل وحد القذف .

3ـ وعليه أيضا تحصين الثغور الموجودة على حدود الدولة الإسلامية وذلك بالعدة المانعة والقوة الدافعة بإقامة الجند على هذه الحدود حماية للأمة الإسلامية من أعدائها و إقامة الجهاد من أجل إشاعة ونشر دين الله وإعلان الجهاد المقدس في بلاد المسلمين وخاصة عندما يتعرض المسلمون إلى القتل أو التشريد أو أي نوع من الأذى من أعداء الإسلام والمسلمين يقول تعالى {جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله}1.

4ـ كذلك يجب على الحاكم جباية الفئ والصدقات وتصريفها حسب ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله وتقدير العطايا ومن يستحق في بيت مال المسلمين سواء بالتوزيع على شكل رواتب أو مكافآت أو غير ذلك.

5ـ وعلى الحاكم أيضا أن يولي الأمناء والنصحاء وأهل الخير وأهل الصلاح ويجعلهم وزراء وقواد وجنود مما تحتاجهم الأمة الإسلامية قال تعالى (إن خير من استأجرت القوى الأمبن )

6ـ ويجب عليه أن ينشر العلم ،والمعرفة خاصة مراحل التعليم الأولى

7ـ ويجب أيضا توفير العمل لمن يطلبه فهذا رجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عاطل يطلب العمل فطلب له الرسول صلى الله عليه وسلم قدوما ثم وضع بها خشبة ثم قال اذهب إلى الجبل واحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما ثم عاد وكان ثريا)

فهذا يدل على أن الرجل لما أتى إلى الرسول لم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم بل أقره وأعطاه وسيلة تساعده على عمل مثمر ولأنه لو قدر أنه لو لم يوفر للناس أعمالا فسيحل بهم الفقر والفاقة ومن ثم قد يضطروا إلى السرقة و الزنا

و سائر  الانحراف ، وهذا لا يرضاه الإسلام بأي حال من الأحوال ولهذا فان التكافل الاجتماعي هو واجب من واجبات الحاكمتجاه الأمة .

 8 ـ كذلك عليه أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتفقد الأحوال لينهض بسياسة الأمة، وهكذا نجد أن الواجبات على الحاكم كثيرة فيجب عليه أن يتقي الله فيها ومتى ما قام بها خير قيام فإن له الأمن والأمان والاستقرار والرخاء والنعم والخيرات ورحمة من اللهفى الآخرة  .

*الواجبات التي تجب على الأمة تجاه الحاكم :          

إذا قام الحاكم بما يجب عليه من الحقوق فيجب على الأمة ما يلي :

السمع والطاعة للحاكم ما لم تؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة في معصية .

حق في بيت مال المسلمين ومعلوم قصة أبو بكر رضي الله عنه عندما تولى الخلافة اخذ الزنبيل وخرج ليبيع ويشتري لأولاده  فقال له عمر وعبد الرحمن بن عوف إلى أين أنت ذاهب فقال إلى السوق لأكفي أولادي فقالوا لا يصلح وأنت خليفة المسلمين لابد أن تتفرغ لهذا العمل فقال إذن افرضوا لي ففرضوا له كل يوم نصف شاه فيفهم من هذه الحادثة أن الحاكم مادام أنه متفرغ لهذا العمل فيصرف له من بيت مال المسلمين وتختلف من حيث الكمية بحسب الظروف الزمانية والمكانية .

 - النصرة : أي يجب على الأمة الإسلامية أن تنصر الحاكم المسلم و ألا تتخلى عنه في حالة العسرة فإذا داهم الكفار بلاد المسلمين وأرادوا اجتياح الحاكم المسلم والمسلمين فعليهم نصرة حاكمهم والوقوف معه والاستعانة بالله سبحانه وتعالى على ذلك

ويجب على الأمة نصرة حاكمهم ضد البغاة من أبناء الأمة الإسلامية الذين تمردوا على حكم الله ورسوله وقاموا بتأويل غير سائغ ضد ولي الأمر فيجب محاربة البغاة قال تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم  وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض }1. كذلك مما يجب على الأمة تجاه الحاكم أن توجهه بنصحه وإرشاده لأن في ذلك إقامة للعدل وفيه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر قال تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر }2. ولما قال صلى الله عليه وسلم >> الدين النصيحة<< . قالوا لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم <<

3ـ وعليهم أيضا الدعاء له بظهر الغيب لقوله تعالى { ادعوني استجب لكم }4. ولا يرد القضاء إلا الدعاء وكذلك يقول الإمام احمد لو كان لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان نظرا لما ينفع الل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 404 مشاهدة
نشرت فى 3 ديسمبر 2016 بواسطة mutazwafi

RS- Mutaz Wafi

mutazwafi
بسم الله الرحمن الرحيم قال تعلى: " وقل ربي زدني علماً" صدق الله العظيم من كتم علماً ألجمه الله به لجاماً من نار الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام, أما بعد,,, الاسم رباعي باللغة العربية: معتز محمد مصطفى وافي الاسم باللغة الانجيليزية: Mutaz M.M. Wafi »

ابحث

تسجيل الدخول