وعلى المستوى الدولى تلت الحرب العالمية الثانية مرحلة انتقالية من مراحل تطور النظام الدولى، صرفت انتباه الولايات المتحدة إلى المناطق المجاورة للاتحاد السوفيتى وأوروبا الشرقية والصين، فيما تركت المنطقة العربية، مؤقتاً، لتقع ضمن اهتمامات بريطانيا وفرنسا بخبرتيهما الطويلة فى الشئون العربية. وفيما يخص بريطانيا تحديداً فمن المهم فى تحليل موقفها من تأسيس الجامعة العربية توضيح حقيقتين بالغتى الأهمية.
الحقيقة الأولى، أنها لعبت بالفعل دوراً داعماً لتأسيس الجامعة العربية لأسباب مصلحية سيرد ذكرها.
والحقيقة الثانية، أن هذا الدور كان دوراً مكملاً أو مساعداً ولم يكن دوراً منشئا أو مبادرا، سواء لأنه لا توجد دولة ما كانت ومهما بلغت درجة هيمنتها السياسية فى حقبة تاريخية معينة قادرة على نفخ الروح فى فكرة من العدم، أو لأن السلوك السياسى البريطانى، وكلما اتضح لاحقاً كان سلوكاً معادياً لتطوير الآصرة العربية وساعياً إلى منافستها بأواصر مصطنعة أهمها الأواصر الشرق أوسطية. بقول آخر، لقد وجدت بريطانيا فى الأربعينيات من القرن العشرين أن وجود أحد الأشكال المؤسسية التى تنتظم فيها الدول العربية المستقلة فى حينه يخدم مصالحها من عدة وجوه أساسية. الأول التعاطى مع أمانى المنطقة تعاطياً جديداً تحسباً للمنافسات الدولية، والفرنسية منها بالأساس. والثانى التجاوب مع المد الاستقلالى والتحررى الذى بدا أنه سيكون أحد معالم العلاقات الدولية بعد انتهاء الحرب. والثالث، وهو مرتبط بسابقه، الاعتبار بالانتفاضات التى حصلت ضدها، ومنها ثورة العراق أيام رشيد على الكيلانى، وحركات التمرد ضدها فى مصر.والرابع حل قضية اليهود فى فلسطين، توهما منها أن تأسيس دولة يهودية لا يمكن أن يتم إلا من خلال إطار عربى عام قادر على إعطاء التنازلات للصهاينة وموحد لكلمة العرب ومنسقها فى هذا الشأن. والخامس الاستفادة من خبرة الحرب العالمية الثانية التى أكدت الطبيعة الواحدة اقتصاديا واستراتيجيا للمنطقة العربية كمنطقة تزخر باحتياطى نفطى ضخم يجاور ثلثى الاحتياطى العالمى المعروف آنذاك وكمعبر لأحد أهم المجارى المائية الدولية: قناة السويس، وكحلقة وصل بين الشرق والغرب، وبالتالى الشعور بالحاجة للتعامل مع هذه الحقيقة بما يلائمها.
وفى هذا السياق جاء إلقاء انتونى إيدن وزير خارجية بريطانيا خطابا فى 29/5/1941 ذكر فيه "إن العالم العربى قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية التى تمت عقب الحرب العالمية الماضية، ويرجو كثير من مفكرى العرب للشعوب العربية درجة من درجات الوحدة أكبر مما تتمتع به الآن. وإن العرب يتطلعون لنيل تأييدنا فى مساعيهم نحو هذا الهدف ولا ينبغى أن نغفل الرد على هذا الطلب من جانب أصدقائنا ويبدو أنه من الطبيعى ومن الحق وجود تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية وكذلك الروابط السياسية أيضاً... وحكومة جلالته سوف تبذل تأييدها التام لأى خطة تلقى موافقة عامة". وبعد أقل من عامين من هذا التاريخ وتحديداً فى 24/2/1943 عاد إيدن يصرح فى مجلس العموم البريطانى بأن الحكومة البريطانية "تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب ترمى إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية."
ب- الخطوات التنفيذية:
استثماراً للعوامل الذاتية المبررة للوحدة وللظروف الإقليمية والدولية المواتية، بدأت الخطوات التنفيذية لوضع هدف الوحدة موضع التنفيذ . فلقد أخذ رئيس الوزراء المصرى مصطفى النحاس بزمام المبادرة بعد عام تقريباً من خطاب أنتونى إيدن. ودعا كلا من رئيس الوزراء السورى (جميل مردم) ورئيس الكتلة الوطنية اللبنانية (بشارة الخورى) للتباحث معهما فى القاهرة حول فكرة "إقامة جامعة عربية لتوثيق العرى بين البلدان العربية المنضمة لها". وكانت هذه أول مرة تثار فيها فكرة الجامعة العربية بمثل هذا الوضوح ثم عاد بعد نحو شهر من تصريح إيدن أمام مجلس العموم، ليؤكد استعداد الحكومة المصرية لاستطلاع آراء الحكومات العربية فى موضوع الوحدة وعقد مؤتمر لمناقشته وهى الفكرة التى أثنى عليها حاكم الأردن فى حينه الأمير عبد الله. وعلى أثر ذلك بدأت سلسلة من المشاورات الثنائية بين مصر من جانب وممثلى كل من العراق وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية والأردن واليمن من جانب آخر وهى المشاورات التى أسفرت عن تبلور اتجاهين رئيسيين بخصوص موضوع الوحدة الاتجاه الأول يدعو إلى ما يمكن وصفه بالوحدة الإقليمية الفرعية أو الجهوية وقوامها سوريا الكبرى أو الهلال الخصيب. والاتجاه الثانى يدعو إلى نوع أعم وأشمل من الوحدة يظلل عموم الدول العربية المستقلة وإن تضمن هذا الاتجاه بدوره رأيين فرعيين أحدهما يدعو لوحدة فيدرالية أو كونفدرالية بين الدول المعنية والآخر يطالب بصيغة وسط تحقق التعاون والتنسيق فى سائر المجالات وتحافظ فى الوقت نفسه على استقلال الدول وسيادتها.


ساحة النقاش