من عرف نفسه ... فقد عرف ربه إن معرفة النفس هي أساس المعرفة بالله إبتداء وانتهاء , وكلما ازداد الإنسان معرفة بنفسه ازداد معرفة بربه . فالحق سبحانه وتعالى مبدأ الكل ومعاده ( واليه يرجع الأمر كله ) ( وإلى الله عاقبة الأمور ) , فلا بد أن يكون الكل فيه قبل كونه , ولا بد أن يكون في الكل هو . فعلمه بذاته مستلزم لعلمه بجميع الأشياء إذ جميع الأشياء فيها كانت مندرجة كاندراج الشجرة في النواة . وكما أن علم الحق بذاته مرآة لذاته ظاهرة فيه متعين به , كذلك فعلم الإنسان الكامل بنفسه مرآه لذاته , وذاته ظاهرة فيه متميزة به . إذن نفهم من هذا أن بين ذات الحق وذات الإنسان الكامل وعلم الحق وعلمه مضاهاة , وأن كل ما فيها مجمل فهو فيه مجمل , وكل ما فيها مفصل فهو فيه مفصل . وكذلك بين القلم وروح الإنسان الكامل , وبين اللوح المحفوظ وقلب الإنسان , وبين الكرسي ونفس الإنسان مضاهاة . وكل واحد منها مرآة لما يضاهيه . وكل ما في القلم مجمل فهو في روحه ( الإنسان ) مجمل . وكل ما في اللوح مفصل فهو في قلبه مفصل . وكل ما في العرش مجمل فهو في نفسه مفصل . وكما ذكرنا في بداية المقالة أن علم الحق بذاته مستلزم بعلمه لجميع الأشياء , وأنه يعلم جميع الأشياء من علمه بذاته , لآنه هو جميع الأشياء إجمالا وتفصيلا .. فمن عرف نفسه .. فقد عر ف ربه .. وعرف جميع الأشياء .. يقول سيدنا على بن ابي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه وأرضاه : داؤك فيك وما تشعر *** دواؤك فيك وما تبصر وانت الكتاب المبين *** الذي بأحرفه يظهر المضمر وتزعم أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر فلا حاجة لك من خارج يخبر عنك بما يسطر , أما تسمع كيف يقول الحق سبحانه وتعالى ( إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) , فمن قرأ هذا الكتاب فقد علم ما كان وما هو كائن وما سيكون , فإن لم تقرأ تمامه فاقرأ ما تيسر منه . ألا ترى كيف يقول سبحانه وتعالى ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ). وكيف يقول سبحانه وتعالى ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ). فارجع لذاتك واعتبر فإن لك فيها ما يغنيك , حتى إذا طهرت النفس من المساوئ واتصفت بالكمالات فلا ينبغي للعارف أن يكتفي بذلك بل لا يزال يبحث عن سر قوله ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) فإن هناك سرا خفيا , ولا يزال يبحث عن ذلك مستحضرا قرب الله عز وجل منه حتى يجده أقرب إليه من نفسه وأقرب إليه من حبل الوريد . يقول سيدي الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي في شرح المواد الغيثية : قال مـولانا العربي الدرقاوي لبعض تــلامذته كان يريد معــرفة الله : ( إطرح كتابك واحفر في أرض نفسك حتى يخرج لك الينبوع , وإلا فاذهب عني ). وليس الشأن أن تترك نفسك أيها المريد وتعاديها , إنما الشأن أن تصحبها وتسايسها لكي تخبرك عما احتوت عليه . اللهم انفعنا بما علمنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا من لدنك علما سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا .......انك انت العليم الحكيم وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله
نشرت فى 5 أغسطس 2006
بواسطة mohsaif
عدد زيارات الموقع
25,099


ساحة النقاش