<!--
مائة جنيهٍ دفعتها ثمنًا لاقتناء عصفوري زينة وقفصهما، أحدهما أصفر اللون والآخر تغلب عليه زرقة رائعة، آثرت أن أضع القفص في حجرة مكتبي، حيث خلوتي عندما أقرأ أو أكتب.
جلست على مقعدي وبدأت القراءة، ما هو إلا قليل حتى سمعت طرقات هادئة، نظرت إلى القفص، كان العصفور الأصفر ينقر الباب لأعلى محاولًا فتحه ، بينما كان الآخر منشغلا بتناول الطعام، تجاهلت الأمر، لكن الطرقات ظلت مستمرة، ربما تهدأ أو تصمت قليلا، لكن سرعان ما تعود، ظللت أقرأ لمدة ساعتين والطرقات لا تكاد تنقطع .
في الغد دخلت حجرة المكتب، لاحظت أن العصفور الأصفر دائم الحركة يمينًا ويسارًا داخل القفص، حركته تشبه حركة الإنسان القلِق، بينما كان العصفور الأزرق واقفًا فوق الأرجوحة الصغيرة المدلاة في المنتصف يرقبه بكسل.
بدأت أكتب بعض كتاباتي الأدبية وأنا أمعن التفكير، تحتاج عملية الإبداع إلى تركيز شديد عند ولادتها، الطرقات الناتجة عن محاولات فتح باب القفص الصغير مازالت مستمرة، مللت صوتها فهي تقطع علىّ توارد أفكاري، تركت مقعدي وتوجهت إلى القفص، اقتربت منه أكثر حتى لكأن عيني في عين العصفور، أخذتني لمة تفكير عميق، قلت في نفسي وأنا انظر إليه :
- ألن تنتهي ؟
وجدت ردًا داخلي يقول :
- ما أفعله من أجل الحرية، أليس من حقي الحرية ؟
- بلى، من حقك، كل كائن حي من حقه أن يكون حرًا، فالحرية توأم الحياة، لكنك مستمر في المحاولة، ألا ينقطع أملك ؟!
- إن حرمت الحرية، فلا أحرم شرف المحاولة، فكفى عن المحاولة ليس سوى عبودية .
تبسمت، تمنيت لو أنى سليمان عليه السلام لأفهم لغة الطير، قلت بصوت مسموع :
- لن أكون أقل منك نبلا .
مددت يدي وفتحت الباب، كان العصفور الأصفر قريبًا من الباب فخرج منه مسرعًا، بينما كان العصفور الأزرق بعيدًا في ركن من أركان القفص، صار العصفور الأزرق يقترب في اتجاه باب القفص المفتوح ببطء شيئًا فشيئًا، لكنه لم يحاول أن يلج الباب كأنه يخشاني، بعد فترة قصيرة، أغلقت باب القفص، ومددت بصري، فوجدت العصفور الأصفر واقفًا على حامل ستارة النافذة، ولا يستطيع الإفلات إلى الخارج، فالنافذة الوحيدة مغلقة، وباب الحجرة مغلق أيضًا، أسرعت ففتحت النافذة فأسرع بالطيران إلى الخارج، تتبعته ببصري، كان ممعنًا في الطيران، وأظنه كان مستمتعًا بالطيران .
في الغد أحببت أن أشترى عصفورًا آخرًا حتى لا يصير العصفور الأزرق وحيدًا، ذهبت إلى محل لبيع العصافير، دارت عيناي بين الأقفاص الكثيرة المرتبة، ها قد وجدته، عصفور واحد من بين حوالي مائة عصفور تقريبًا يحاول فتح باب القفص، ظللت أتابعه فترة، مازال يحاول، اقتربت منى البائعة وكانت ترمقني منذ فترة، قالت:
- ماذا تريد ؟
- أريد شراء عصفورين، هذا العصفور الحر.
وأشرت إليه.
- وأريد شراء آخر من العبيد .
نظرت إلى بدهشة صابغة وكررت :
- عصفور حر وآخر من العبيد .
- نعم .
ثم أشرت إلى عصفور يبدو عليه أنه قد ألِف القفص وقلت :
- هذا بغيتي أيضًا .
ما إن ناولتني العصفورين داخل قفص حتى أطلقت العصفور الحر فورًا، ولم أكن قد منحتها الثمن بعد، قالت :
- لماذا تطلق سراح عصفور وتدفع ثمنه.
- أهذا سؤال ؟!
- لماذا لم تطلق الآخر إذن .
أدركت أنها لم تفهم أهم في الحياة، فقلت :
- أهذا سؤال أيضًا ؟
ثم منحتها الثمن وغادرت المحل بينما هي لم تزل فاغرة فاها .

