جاء تدخل الرئيس "مبارك" شخصياً لحل أزمة رغيف العيش الذي لا يجده المواطن المصري ليفتح الباب واسعاً أمام العديد من التساؤلات حول عملية صنع القرار في المؤسسات المصرية وكيفية وقوفها ضد الأزمات التي تعصف بالجميع، حتى أنها لم تستطع توفير حد الكفاف للشعب الذي تحكمه مما استدعى تدخل رئيس الجمهورية شخصياً والذي أمر القوات المسلحة بزيادة إنتاج رغيف الخبز وتوزيعه لمواجهة النقص الحاد فيه، علاوة على إعطائه أوامر للحكومة باستخدام بعض أرصدتها الخارجية، البالغة 32 مليار دولار أمريكي؛ من أجل شراء كميات إضافية من القمح من الأسواق الدولية، وبالفعل فتح الجيش 10 مخابز كبيرة في العاصمة القاهرة لإنتاج الخبز، وأقام أيضا 500 منفذ (أكشاك) للبيع.

تدخل الرئيس ليس الأول من نوعه فقد تدخل في العديد من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية بشكل مباشر مثل موقفه من كسر الفلسطينيين لمعبر رفح حيث أمر وقتها بعدم التعدي عليهم وتركهم لشراء حاجاتهم الأساسية لمواقعهم طالما لا يحملون سلاحاً، واستضافت مصر بعد ذلك بعض المصابين الفلسطينيين، وعلى المستوى الداخلي تدخل في قضية الطفلة "آلاء" -التي انتقدت الرئيس "بوش" في موضوع تعبير- وكان التدخل لصالحها، بالإضافة لحسمه لأزمة علاج القاضي "محمد حامد المنزلاوي" الذي كان يعاني من مرض خطير في المخ ورفض المستشار "ممدوح مرعي" وزير العدل سفره للعلاج تنفيذاً للحكم الصادر لصالحه على نفقة الوزارة، فأصدر "مبارك" قراراً جمهورياً بعلاج القاضي المريض على نفقة الدولة وتحمل كافة نفقات العلاج والعملية الجراحية التي أجريت في ألمانيا، وليس هذا فحسب بل إن الرئيس تدخل في أزمة حارس مرمى النادي الأهلي "عصام الحضري" وطالب النادي بعدم عقابه بعد هروبه إلى نادي سيون "السويسري".

هذا عن الوجه المشرق لتدخل الرئيس، أما الجانب الآخر فهو يعكس أزمة مستحكمة في مصر وهي غياب إدارة حقيقية للأزمات بعيداً عن المكتبات الملحقة بالوزارات التي يعمل فيها موظفين لا يعرفون شيئاً كما يقول الدكتور "صفوت العالم" أستاذ العلاقات العامة وإدارة الأزمات بكلية الإعلام جامعة القاهرة، والذي أكد –في تصريح لـ"بص وطل"- أن مصر كدولة تحتاج "صامولة" تشد وثاقها وأعني بذلك الإدراة الحقيقية للأزمات؛ لأن كل مشكلة يتم حلها –أو الإيحاء بذلك– بقرار "فوقي" دون دراسة متأنية لأسباب الحادث؛ لأننا نفتقد في مصر استشعار المشكلات الصغيرة فلا نراها إلا عندما تتضخم، وهناك أزمات كبيرة كانت صغيرة لكننا لم نرها إلا بعد أن استفحل أمرها، فأزمة الرغيف موجودة منذ سنوات عديدة ولكن القرارات غير الرشيدة من وزير التضامن أدت لتضخم الأزمة حتى تدخل فيها الرئيس بنفسه، وكذلك سوء أحوال القطارات التي أدت لوقوع عشرات الحوادث في الفترة الأخيرة، فنحن نحتاج لتطبيق آليات إدراة الأزمة في كل مؤسسات الدولة تحت إشراف متخصصين؛ فحتى الوزارات التي قامت بإنشاء إدارات للأزمة يعمل فيها موظفون لا يعرفون معنى الأزمة من الأساس حتى يستطيعون إداراتها.

وعلى الرغم من أن "إدارة الأزمات" كعلم رسمي معترَف به في غالبية دول العالم المتحضِّر الذي تحترم السلطة الإدارية والسياسية فيه أولاً الأمانة التي وضعها الشعب والمحكومون بين أيديهم، وثانيًا آدمية المواطن وحقوقه أيًّا كان موقعه من الدولة والمجتمع ومهما صغر دوره أو كبُر، إلا أن عمل "إدارة للازمات" في مصر لم يظهر إلا في وزارة النقل فقط، وبعد كارثة العبَّارة الغارقة "السلام- 98" والتي راح ضحيتها ما يزيد على الألف من المواطنين المصريين.

ويضيف الدكتور "صفوت" في هذا الصدد أن إدارة الأزمات حاليًا واحدةً من أهم معايير الأمن القومي؛ لأنها ذاتُ صلةٍ بحالات الطوارئ أكاديميًّا وإداريًّا، ومبدئيًّا تُعرَّف إدارة الأزمات على أنها: "مجموعةٌ من الخطط والأساليب والاستراتيجيات والنشاطات الإدارية الملائمة لأوضاع استثنائية؛ بهدف السيطرة على المشكلات واحتوائها والحفاظ على توازن المنظمة أو المؤسسة أو الجهة التي تتعرض للأزمة".

ويحتاج هذا الأمر - بحسب د.صفوت- إلى تطبيق استراتيجية النظام المفتوح في التعامل مع الأحداث والظروف والاعتماد على المجموعات المدرَّبة والمتكافئة لعلاج هذه المشكلات، وكذلك التوعية الإعلامية الفعَّالة حول الأزمة الناتجة وتبنِّي سياسة مخصصة مؤقتة حول الأزمة وأخيراً تسخير كافة المتطلبات لحشد الطاقات والموارد لهذه الأزمة.

وبالنظر إلى ردود الأفعال على الكوارث التي لحقت بمصر سنجد أن المسئولين لم يفعلوا شيئاً مما سبق بل قاموا بتبنِّي مجموعةٍ من السياسات الإدارية ذات الطابع المظهري، التي يتم بعد ذلك امتصاصها، ففي حالة كارثة قطار الصعيد تمت إحالة 11 من مسئولي وقيادات هيئة السكك الحديدية المصرية إلى المحاكمة الفورية بعد الكارثة مباشرةً، وبعد أن هدأت الأمور وسكن الموضوع إعلاميًّا وتراجَع مستوى اهتمام الرأي العام به تمَّت تبرئتهم وتحديدًا في شهر سبتمبر من العام 2002م، وعلى مستوى آخر من التعامل فإن الدولة كثيرًا ما تسند المسئولية عن الكوارث المحققة إلى عناصر لا شأن لها بالأمر أو تكون مسئوليتها في أضيق الحدود للتخلص من عبء المسئولية عن كبار المسئولين، كما جرى في كارثة طائرة مصر للطيران في العام 1999م أو كارثة "سالم- اكسبريس" في العام 1991م والأخيرة "أُلصقت" للقبطان الراحل "حسن مورو" دونما أدلة محددة.

من جهته فسر المحلل السياسي د."نبيل عبد الفتاح" -وباعتباره الخبير بمركز الأهرام الاستراتيجي- انتهاء كل الأزمات الكبيرة التي تعصف بمصر دوماً بتوجيهات الرئيس المباشرة أو تدخله بشكل واضح بالقول إن الدستور المصري يتيح للرئيس أيا كان شخصه أن يلعب دوراً محورياً في عملية صنع القرار وذلك منذ الرئيس "محمد نجيب" حتى الرئيس "مبارك" فالرئيس يمتلك كل الصلاحيات الدستورية التي تجعل تدخله في أي أزمة مقروناً في أغلب الحالات بحلها

  • Currently 113/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
41 تصويتات / 536 مشاهدة
نشرت فى 27 مارس 2008 بواسطة moghazy

مغازى عبدالعال محمد الطوخى

moghazy
*رئيس اتحاد طلاب المعاهد العليا (وزارة التعليم العالي) الاسبق *رئيس اتحاد طلاب المعهد العالي للتعاون الزراعي الاسبق *أمين اللجنة الاجتماعية والرحلات بالمعهد العالي للتعاون الزراعي الاسبق *عضو جمعية الهلال الأحمر المصري *عضو جمعية بيوت الشباب المصرية *عضو جمعية الكشافة البحرية المصرية *صحفي بجريدة أخبار كفر الشيخ *عضو نقابة المهن الزراعية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

697,019