علمتني الحيااااااة !!

I've learned from life

"" الحوار ""

edit

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، سيد الأولين والآخرين.. وبعد، 

فالحوار فن من فنون الكلام والمحادثة، وصيغة متقدمة من صيغ التواصل، والتفاهم، وأسلوب من أساليب العلم والمعرفة، ومنهج من مناهج الوعي والثقافة، ووسـيلة من وسـائل التبليغ والدعوة، استعمله البلغاء والفصحاء في صناعتهم، وعمدت إليه الشـعوب في تواصلها وتفاعلها مع غيرها ممن يحيط بهم، واختطه المفكرون والمربون أسـلوباً ومنهجاً في تعليمهم، واعتمده الأنبياء والرسل والمصلحون في دعوة الناس إلى الخير والفضيلة والرشاد
ومع إفرازات النظام العالمي الجديد، سـواء على صعيد الثقافة والقيم، أو على صعيد السياسة والاقتصاد، تزايد الاهتمام بالحوار، وتعمق الاقتناع به وبدوره في تحقيق وفاق ثابت بين أبناء الأمة الواحدة، وتفاهم مشترك بين الشعوب المختلفة على أساس قاعدة الكرامة والعدالة والمساواة، حتى شاع استخدام الحوار على مختلف الصعد، وفي شتى الميادين، الثقافية والفكرية والحضارية، فأصبح أحد الظواهر المهمة للعصر الحالي، الذي يتميز بثورة المعلوماتية والاتصال، التي هي إحدى ثمرات العلم المتفجرة عنه، وبهذا قوي التواصل بين بني البشر، واتسعت دائرة الحوار، وتنوعت موضوعاته بصورة لم تعرفها الإنسانية من قبل
ومن خلال هذه المعطيات يبرز دور الحوار وتظهر أهميته في تأسيس صيغة معرفية متجددة تعتمد تزاوج الأفكار، وتبادل الرؤى، وتداول الطروحات، من خلال سماع الرأي (الآخر) والإصغاء إليه والاهتمام به، تحقيقاً للتواصل العلمي والمعرفي، وابتعاداً عن العزلة والانكفاء الذي لم يبق لهما مكان في عالم اليوم
ولابد من الإشارة إلى تنوع أشكال الحوار وتعدد موضوعاته بتنوع مقاصده وأغراضه، ليواكب الحاجات الفطرية الإنسانية، فكان منه ما يُعنى بالمناهج الفكرية، ومنه ما يُعنى بالجوانب التربوية التعليمية، ومنه ما يُعنى بالجوانب الثقافية المعرفية، ومنه ما يُعنى بتحديد العلاقة بين الأمم والشعوب، الأمر الذي يتطلب البحث والدراسة لتحديد آثاره وثمراته في كل جانب من تلك الجوانب، وعلى هذا الأساس جاءت هذه الدراسة بعنوان: «الحوار الذات .. والآخر» لتعالج أبرز موضوعاته وأغراضه ومقاصده
ولما كان الهدف من هذه الدراسة هو إبراز أهمية الحوار، ومنهجيته ومقوماته، ومقاصده وأغراضه، من حيث الحوار مع الذات والحوار مع (الآخر)، فقد اقتضى ذلك أن توزع الدراسة إلى تمهيد وفصلين وخاتمة
حددت في التمهيد مفهوم الحـوار وبعض المصطلحات المماثلة المقاربة له في المعنى، كما تكلمت عن طبيعة الحوار في عصر النهضة والعصر الحديث، الذي ارتبط بظهور العديد من النظريات التربوية والأيديولوجيات الفكرية مما عمل على توسيع دائرة المعارف وانتشار الثقافة والفكر
أما الفصل الأول فقد كان عنوانه: «منهجية الحـوار» وقد تم توزيعه إلى ثلاثة مباحث، كان المبحث الأول فيه بعنوان: مقـومات الحوار، حيث أوضحت فيه أبرز تلك المقومات من الأركان والقواعد العامة التي يجب أن يشتمل عليها الحوار؛ وتطرقت في المبحث الثاني إلى شروط الحوار، وضوابطه، والآداب التي ينبغي أن تسود العملية الحوارية ويتمثل بها أطراف الحوار؛ وخصصت المبحث الثالث للتطرق إلى جملة من المعوقات الشخصية المرتبطة بالمتحاورين أو الموضوعية التي تؤثر سلباً على عملية الحوار
أما الفصل الثاني فقد جاء تحت عنوان: « أنواع الحوار وأساليبه» وتم تقسيمه إلى مبحثين أساسين، كان المبحث الأول متعلقاً بالحوار مع الذات، حيث تطرق إلى حـوار النفس الإنسانية مع ذاتها، وإلى حوار أبناء الأمة فيما بينهم، من خلال حوار أتباع المذاهب والفرق، والعلاقة بين الإسلام والعروبة، وحوار الشعوب مع الحكام؛ واختص المبحث الثاني بالحوار مع (الآخر) الذي يشمل حوار الحضارات والثقافات والأديان
ثـم أنهيت الدراسـة بخاتـمة ذكرت فـيها أهم وأبرز النتائج التي توصلت إليها
أما المصادر التي اعتمدتها، فقد كانت متعددة ومتنوعة تبعاً لتنوع الموضوعات التي يتطرق إليها الحوار، كان في المقدمة منها القرآن الكريم ومجموعة من تفاسيره، والسنة النبوية من خلال كتب الصحاح والسـنن والمسانيد، كذلك أفدت من عدد من المصادر التاريخية وكتب الحضارة الإسلامية، إضافة إلى العديد من الكتب الفكرية والثقافية العامة، وبعض مواقع الشبكة العالمية «الإنترنت» ودراسات أخرى لها علاقة بهذا الموضوع
ولا بد من الإشـارة هنا إلى أنني عنيت ببحث هذا الموضوع بروح الحيادية العلمية والإنصاف الفكري، معتمداً وضوح المنهج، ومرونة الطرح، وسلاسة العبارة، ودقة الإحالة، وسعة الأفق في المعالجة، بعيداً عن التعصب لطرف على حسـاب طرف آخر، قاصداً بذلك صياغة منهجية حوار إسلامي يتعامل مع عصر الثورة المعلوماتية بعقلية المسلم المثقف الغيور على دينه وعقيدته
ومهما يكن من أمر، فإنه لا يمكن أن أدعي الكمال لهذه الدراسة، فهي لا تعدو أن تكون محاولة مخلصة للكشف عن مقومات الحوار في الإسلام، ومنهجيته العلمية في الحوار مع الذات، والحوار مع (الآخر)، من خلال التفاعل الحضاري مع الشعوب والأمم الأخرى، فإن كان صواباً فهذا ما وفقني الله إليه، وإن كان غير ذلك فحسبي أنني لم أدخر جهداً في سبيل الوصول إلى الحقيقة وإبراز رأي من منظور إسلامي في هذه المسألة المهمة والملحة، والله من وراء القصد
الحوار وعلاقته بالمصطلحات المماثلة
إذا رجعنا إلى كتب اللغة ومعاجمها فإننا نجد فيها مصطلحات تتفق في جانب من مفاهيمها ومعانيها مع مصطلح الحوار، وإذا أردنا أن نقف على مفهوم الحوار فإن ذلك يتطلب الوقوف على مفاهيم تلك المصطلحات التي لها علاقة وثيقة به وهي الجدل، والمناظرة، لأن هناك تداخلاً كبيراً في مستوى الدلالة بين هذه المصطلحات الثلاثة (الجدل - المناظرة - الحوار) وسنحاول هنا الوقوف على مفهوم كل مصطلح على حدة لنرى أوجه الاتفاق والاختلاف بينها
مفهـوم الجـدل
جاء في كتب اللغة أن الجَـدْل : شِدَّة الفَتْل( )، والجَـدَل : اللَّدَدُ في الخُصومـة والقدرةُ عليها، والجَدَل: مقابلة الحجـة بالحجـة( ). وفي الحديث عن أنه قال: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاeرسـول الله أُوتُوا الْجَدَلَ»( ). 
ويتضح لنا أن كلمة الجدل تدور حول معنيين هما
المعنى الأول: الغلبة والقوة والصلابة، وهو مأخوذ من الجَدْل الذي هو شدة فتل الحبل، وإذا نقلنا هذا المعنى اللغوي المحسوس إلى الجوانب الفكرية والعقلية فسنجد بينهما تطابقاً واتفاقاً؛ لأن كل واحد من المتجادلين يحاول بقوته وفكره أن يجادل (الآخر) ويفتله «يثنيه» عن رأيه، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بقوة الدليل وصلابة الفكرة
المعنى الثاني : اللَّدَد في الخصومة مع القدرة عليها، وهذا المعنى اللغوي يتفق مع نوع من أنواع الجدل الفكري وهو اللجاج الذهني، الذي لا يكون الغرض منه الوقوف على الحقيقة أو الوصول إلى الصواب وإنما مجرد الجدل لأجل الجدل وهو ما يطلق عليه العلماء الجدل المذموم ومنه قوله تعالى: ((وَقَالُواْ ءأَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)) (الزخرف:58). 
أما في الاصطلاح : فقد عرفه الجرجاني بأنه: القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات، يكون الغرض منه إلزام الخصم، وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان، ودفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة( ).. أما المعجم الوسيط فقد عرفه بأنه: طريقة في المناقشة والاستدلال صورها الفلاسفة بصور مختلفة، وهو عند مناطقة المسلمين قياس مؤلف من مشهورات أو مسلمات( ). 
وقد قسم علماء المسلمـين الجدل إلى جدل محمود وجـدل مذموم.. أما المحمود فهو: ما كان من أجل تقرير الحق، وهو مهنة الأنبياء في الدفاع عن العقيدة، ومنه قوله تعالى: ((وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ )) (النحل:125)، ذلك أن المجادلة بالتي هي أحسن هو الحوار، لأن الهدف منه هو الإقناع والتربية والتوجيه( ).. وأما الجدل المذموم فهو: الذي يتعلق في تقرير الباطل( ) ويراد به الجَدَلُ على الباطل وطَلَبُ المغالبة فيه. وقد أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ((مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ)) (غافر:4) وقولـه تعالى: ((وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ)) (غافر:5). 
مفهوم المناظرة
المناظرة لغة من النظير، أو من النظر بالبصـيرة، فهي من النظر تفيد الانتظار والتفكير في الشيء تقيسه وتقدره، ومن التناظر تفيد التقابل( )، ومن النظير تفيد التماثل( ). 
أما في الاصطلاح فهي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشـيئين إظهاراً للصواب( )، وهي بـهذا المعنى تفيد المحاورة بين شخصين أو فريقين حول موضوع معين، لكلٍ منهما وجهة نظر تخالف وجهة نظر الفريق الآخر، بحيث يريد إثبات وجهة نظره وإبطال وجهة نظر خصمه، مع توفر الرغبة الصادقة بظهور الحق والاعتراف به عند ظهوره
مفهوم الحوار
الحوار في اللغة
ذكر علماء اللغة ل ( حَـوَرَ ) معاني متعددة تبعاً لتفعيلاتها الصرفية، فقد جاء أن الحَوْرُ: الرجوع عن الشيء وإِلى الشيء، يقال حارَ إِلى الشيء وعنه حَوْراً و مَحاراً و مَحارَةً رجع عنه وإِليه( ). 
وكل شيء تغير من حال إِلى حال، فقد حارَ يْحُور حَوْراً، قال لبيد
وما المَرْءُ إِلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَماداً بعد إِذْ هو ساطِعُ. ( ) 
والمحَاوَرَةُ: المجاوبة. و التَّحاوُرُ: التجاوب، تقول أحرت له جواباً وما أَحارَ بكلمة( ). والحَوْر: الجَواب، يقال كلّمته فما رَدَّ إلىَّ حَوْراً أو حَوِيراً. ( ) 
واستحاره أَي استنطقه. يقال: كلَّمته فما رَدَّ إِليَّ حَوْراً أَي جواباً، وهم يَتَحاوَرُون أَي يتراجعون الكلام، و المُحَاوَرَةُ: مراجعة المنطق في المخاطبة. ( ) 
والحواريون في اللغة الذين أُخْلِصُوا ونُقُّوا من كل عيب؛ وكل شيء خَلَصَ لَوْنُه، فهو حَوَارِي. ( ) 
ويتضح لنا من خلال ما تقدم أن كلمة الحوار تدور حول المعاني التالية
1- الرجوع إلى الشيء وعن الشيء، والمتحاورون قد يرجع أحدهم إلى رأي الآخر أو قولـه أو فكره رغبة في الوصول إلى الصواب والحقيقة، ومنه قوله تعالى: ((إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ)) (الانشقاق:14) أي لن يرجع مبعوثاً يوم القيامة
2- التحول من حال إلى حال، فالمحاور يتنقل في حواره من حالة إلى أخرى، فمرة يكون مستفسراً، وأخرى يكون مبرهناً، وثالثة يكون مفنداً، وهكذا
3- الإجابة والرد، وهو قريب من المعنى الاصطلاحي للحوار؛ لأن كلاً من طرفي التحاور يهتم بالإجابة عن أسئلة صاحبه، ويقدم مجموعة من الردود على أدلته وبراهينه
4- الاستنطاق ومراجعة الحديث، فكل واحد من المتحاورين يستنطق صاحبه ويراجع الحديث معه لغرض الوصول إلى هدفه وقصده
5- النقاء والتخلص من العيوب، والواقع أن طبيعة الحوار والمناقشة تؤدي بالنتيجة إلى التخلص من العيوب الفكرية، من خلال طرح الأفكار المتعددة واختيار الراجح منها
الحوار في الاصطلاح
وبعد هذا العرض للمدلول اللغوي يمكن لنا أن نحـدد المعنى الاصطلاحي للحوار بأنه: أسلوب يجري بين طرفين، يسوق كلٌ منهما من الحديث ما يراه ويقتنع به، ويراجع الطرف الآخر في منطقه وفكره قاصداً بيان الحقائق وتقريرها من وجهة نظره
ومما لا شك فيه فإن كل واحد من المشتركين في الحوار لا يقتصر على عرض الأفكار القديمة التي يؤمن بها وإنما يقوم بتوليد الأفكار في ذهنه، ويعمد إلى توضيح المعاني المتولدة من خلال عرض الفكرة وتأطيرها وتقديمها بأسلوب علمي مقـنع للطرف الآخر، بحيث يظل العقل واعياً طوال فترة المحاورة ليستطيع إصدار الحكم عليها، سلباً أو إيجاباً. ( ) 
وبعد هذا العرض الذي قدمناه لمدلولات المصطلحات المتداخلة (الجدل- والمناظرة - والحوار ) يتضح لنا أن الحوار وإن كان مناوبة الحديث بين طرفين إلا أنه لا يشتمل على الخصومة والمنازعة والمراء كما هو الجدل، وإنما هو أداة أسلوبية تستخدم لمعالجة موضوع من الموضوعات المتخصصة في حقل من حقول العلم والمعرفة أو جانب من جوانب الفكر والعقيدة، للوصول إلى حقيقة معينة بهذا الشكل من أشكال الأسلوب والمحادثة، وهو عملية تتضمن (طرحاً) من طرف، يتمثله الطرف (الآخر) ويجيب عليه فيحدث (تجاوب) يولّد عند كل منهما (مراجعة) لما طرحه الطرف (الآخر)، وهذه العملية هي التي يطلق عليها الحوار أوالمحاورة
من الطبيعي جداً في حياة البشر أن يختلفوا في وجهات النظر، ويتباينوا في الآراء والأفكار، فهذا ليس عيباً علمياً ولا خطأ منهجياً، بل هو في الحقيقة خطوة جادة في طريق تصحيح المفاهيم والوصول إلى الحقيقة، فليس من الشر أن يختلف الناس في مفاهيمهم، ولكن الشر في الإصرار على الخطأ والاستمرار فيه
إن ظروف الحياة وما يحيط بها من تقلبات وتغيرات عامل أساس من العوامل التي تدعو إلى الاختلاف في الرأي والتباين في التفكير، وإن الطريق الصحيح لمعالجة تلك الاختلافات هو الاحتكام إلى الحق، وهو طريق سـهل ويسـير إذا صدقت النفوس في التوجه إليه، وقد ثبت جلياً أن أقـرب طريق للوصول إلى الحق هو الحوار العقلي المجرد عن اتباع الهوى، ولا بد لهذا الحوار من منهجية علمية تعتمد أسـس وقواعد البحث العلمي في الوصول إلى الحقيقة، ومعالجة أسباب الخلاف وتسويته
ولأن الحوار مساجلة كلامية تجري بين طرفين أو أكثر في موضوع عقائدي أو علمي أو أدبي، ويتم إجراؤه في مـنتدى أو مؤسـسة ثقافـية أو جمعية علمية، أو عن طريق وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وهو في صورة أخرى كلام مطبوع في صحيفة أو مجلة أو كتاب ليكون على شكل عرض وجهات نظر أو تعقيبات أو مداخلات، فإن كل هذا يستوجب توفر مجموعة من القواعد والشروط لغرض تحقيق الأهداف التي تم إجراء الحوار من أجلها
ويكتسب الحوار أهميته من ماهية أو طبيعة الموضوعات التي يتم تناولها، وخطورة القضايا المثارة، أو بسـبب الثقافة العميقة للمتحاورين، أو من خلال المركز العلمي والفكري التي يتمـتع بـها كل طرف من أطراف ذلك الحوار
ومن هنا فإن البحث في منهجية الحـوار يتطلب منا الوقوف على جملة من المحاور الأساس التي تتضمنها تلك المساجلة الكلامية، ابتداءً من أركان الحوار مروراً بأسـسه وعناصره التي يقوم عليها، والشروط التي يجب أن تتوفر فيه، وانتهاءً بالآداب التي ينبغي أن يتمـتع بـها كل طـرف، ومن ثم البحث في المعوقـات التي تقف حـائلاً دون إتمام المحاورة.. وتأسيساً على ذلك، فسوف نتناول في هذا الفصل هذه المعطيات جميعاً وفقاً للمباحث الآتية
المبحث الأول: مقومات الحوار (أركانه وقواعده). 
المبحث الثاني: شروط الحوار وآدابه (آداب الحوار ومعوقاته). 
المبحث الثالث: معوقات الحـوار (بين الحوار والمواجهة).
أركان الحوار
للحوار ركنان أساسيان، هما
1 - وجود طرفين متحاورين
2 - وجود قضية يجري الحوار بشأنها
الركن الأول: وجود طرفين متحاورين
لا بد للحوار من وجود أكثر من طرف في عملية المحاورة، لأن الحوار لا يتحقق إلا عندما يتم طرح أكثر من رأي وأكثر من فكرة في موضوع محدد، أما الحوار مع النفس فهو حوار ذاتي يحاول فيه المحاور أن يصنع لنفـسه طرفاً من داخله يتفـاعل معه، ولـكنه مع ذلك يبقى حواراً روحياً داخـلياً، أو سـراً شخصياً لا يمكن الإطـلاع عليه إلا إذا أفصح عنه المحاور
ولكي يتمكن كل طرف من طرفي الحـوار إجراء المحاورة في مناخ طبيعي يتحقق من خلاله الوصول إلى صيغة علمية في الأداء والطرح والتفكير، فإن ذلك يتطلب جملة من الشروط، نذكر أبرزها
1- توفر الحرية الفكرية
إذا أردنا للحوار أن ينتهي إلى نتيجة منطقـية يسلّم بـها الطرفان، فلا بد أن يملك كل منهما حرية الحركة الفكرية التي تحقق له الثقة بشخصيته المستقلة، بحيث لا يكون واقعاً تحت هيمنة الإرهاب الفكري والنفسـي الذي يشعر معه بالانسحاق أمام شخصية الطرف الآخر، لما يحس به في أعماقه من العظمة المطلقة التي يملكها الطرف الآخر. ( ) 
إن عدم توفر الحرية الفكرية تجعل ثقة المحاور بنفسه تتضاءل شيئاً فشيئاً حتى يفقد بعد ذلك ثقته بفكره وقابليته لأن يكون طرفاً في الحوار والمناقشة، كما أن ذلك يعمل على إرباك المحاور وتشتيت أفكاره، فبدلاً من أن يستحضر حججه وبراهينه لمعالجة القضية التي يحاور من أجلها، يجد نفـسه مضطراً للدفاع عن شخصيته الفكرية وفك قيدها من أسـر وهيمنة الإرهاب الفكري المصاحب لذلك الحوار
والمتتبع للحوارات التي أجراها يجد أنه حاول في أكثر من مناسبة توفير المناخ الطبيعي للأطراف الذين أدارeالنبي عملية الحوار معهم من خلال تأكيده على جانب البشرية فيه، فهو بشـر مثلهم لا يملك أية قوة غير عادية في تكوينه الذاتي، فلا يستطيع تنفيذ المعجزات التي يقترحونها عليه، ولا يعلم الغيب، وإنما هو إنسان يتلقى الوحي من ربه باعتباره رسول رب العالمين، ومهمته في ذلك هي تبليغ الرسالة بالوسائل المقنعة والصيغ العلمية إلى الناس، عن طريق الحوار والمناظرة دون أن يشعرهم بتميّزه عنهم، أو إملاء أفكار يفرضها عليهم، فلا مكان عندئذ للإرهاب أو الضغط على الحرية الفكرية، وهو لا يملك طاقة سحرية تدفعهم إلى الإيمان بما يدعوهم إليه، وإنما لهم الحرية الكاملة في ذلك كله، فإن استجابوا له واقتنعوا بدعوته فـذلك هـدف الرسالة وغايتها، وإن لم يستجيبوا فحسبه أنه أدى الرسالة وبلّغ الأمانة وقام بواجب تجاه الوحي المنـزل إليه، وفي هذا يقول الله تعالى: ((قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوء إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (الأعراف:188)، ويقول أيضاً: ((قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)) (يونس:108). 
2- الاستعداد النفسي للاقتناع بالنتائج
لا بد لمن يدخل في عملية الحوار أن يعد نفسـه إعداداً تاماً لتقبل النتائج التي يؤول إليها الحوار ويهيئ عقله للاقتناع بها، لأن رفض النتائج وعدم تقبلها يقلب الحوار إلى جدل عقيم لا يراد منه سوى المماحكة وعرض القدرات الكلامية وتقديم المزايدات الجدلية المقيتة التي تعود بالحوار إلى ما يناقض هدفه وغايته
إن عدم استعداد طرفي الحوار لقبول النتائج يعني أن فكرة كل واحد منهما كانت معدة سلفاً ولا مجال عنده للتراجع عنها مهما ظهر له من الأدلة والبراهين، فهو في هذه الحالة يكون تابعاً لدوافعه الذاتية والاجتماعية التي لا علاقة لها بالقناعة الفكرية والعلمية المرتكزة على البرهان والدليل
ولكنهمeلقد عاب القرآن الكريم على أولئك الذين يحاورون رسـول الله ليسوا مستعدين لتقبل نتيجة المحاورة، فقال تعالى: ((وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَاءوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلاْوَّلِينَ)) (الأنعام:25) فهؤلاء يستمعون إلى الدعوة ولكن قلوبهم مغلقة وآذانهم مسدودة عن الإصغاء إليها ولذلك فهم معرضون عن الإيمان بها لعدم استعدادهم لقبول نتائج الحـوار، إنكـاراً وكفراً وعـناداً، وليس لديهم ما يواجهون به الدعوة إلا كلمة لا تعبّرعن أية مسؤولية فكرية وهي قولهم: ((إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلاْوَّلِينَ)) دونما حجة أو برهان على ذلك
إن المحاور الذي لا يكون مسـتعداً لتقبل النتائج التي يؤول إليها الحوار يدخل دائرة المكابرة والجهل، ويبتعد عن الموضوعية العلمية، وفي هذا يقول الله تعالى: ((وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)) (الأنعام:111) فهذا الصـنف من الناس يبـرر الامتناع عن الإيمان بالمطالبة بما يكون خارقاً للعادة رغم أن قضية الإيمان ليست مرتبطة بذلك، فالآيات الخارقة للعادة خاضعة للحكمة الإلهية، لا تتحقق إلا بمقدار الضرورة التي يدعو إليها ما يثبت النبوة والوحي في بعض حـالات التحدي التي تواجهها بقوة.. أما ما يطالبون به أثناء محاوراتهم ومناظراتهم فلا يخرج عن دائرة المكابرة والتبريرات الواهية التي لا تستند إلى أساس علمي، وهو ماأشارت إليه الآية الكريمة: ((وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ)) فليست القضية قضـية آيات تقـترح ليستجاب لها أو لا يستجاب، بل القضية هي فقدان الاستعداد النفسي لتقبل الإيمان مهما كانت الأدلة والبراهين، وهذا يثبت أنه متى ما فقد أي طرف من المتحاورين الاستعداد لقبول نتائج الحوار فإنه يكون قد فقد شرطاً أساسياً من شروط المنهج الذي يوفر المناخ الطبيعي للمحاورة
3 - عدم التعصب لفكرة مسبقة
ويعني هذا الشـرط أن يتخلى كل من الطرفين المشـاركين بالمحاورة حول موضوع معين، عن التعصب لوجهة نظر مسبقة وعن التمسك بفكرة يرفض نقضها أو مخالفتها، لأن التمسك بوجهة النظر السابقة يتباين مع منهجية الحوار في تبادل الأفكار وتداول الطروحات وسماع الرأي (الآخر). 
إن طبيعة الحوار تقتضي الإعلان من الطرفين عن الاستعداد التام للكشف عن الحقيقة والأخـذ بـها عند ظهورها، سـواء أكانت وجهة نظر سابقة، أو وجهة نظر الطرف (الآخر) الذي يحاوره، وقد أكد القرآن الكريم على هذا المفهوم بصراحة بأن يقول للمشركينeواضـحة، وأرشدنا إلى الأخذ بهذا المبدأ عندما وجـّه رسول الله في محاورته لهم: ((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ)) (سبأ:24) وفي هذا غاية الابتعاد عن التعصب لفكرة سابقة، وكمال الرغبة في البحـث عن الحقـيقة أنـى كانت ومن أين صدرت
ونظراً لأن موضوع المحاورة التي تتحدث عنه هذه الآية توحيد الله تعالى أو الإشراك به، وهما أمران على طرفي نقيض لا يلتقيان بأي حال من الأحوال، وهما يدوران حول أصل عظيم من أصول العقيدة الإسلامية، كان من البديهي أن الهداية في أحدهما إذ هو الحق، وأن الضلال في الآخر إذ هو الباطل، ومن أجل ذلك كان التخلي عن التعصب لفكرة سابقة يتضمن الاعتراف بهذه الحقيقة. ( ) 
وقد ذكر الإمام الغزالي أن على المحاور أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يديه أو على يد غيره، بحيث يكون المحاور رفيقاً ومعيناً له لا خصماً عليه. ( ) 
الركن الثاني: وجود قضية يجري الحوار بشأنها
ذلك أن الحوار لا يتحقق من فراغ، وإنما يدور حول فكرة أو موضوع يستحق البحث والمناقشة وتبادل الآراء مع (الغير)، لأن عدم وجود الفكرة أو القضية التي يجري الحوار بشأنـها يجعل عملية التحاور ليست ذي بال ولا طائل منها، بل إنها تتحول من محاورة علمية إلى سفسطة كلامية توصل أطرافها إلى اللجاج الذي يقتصر الأمر فيه على النقاش لذاته، ويكون همّ المتنافسين إحراز غلبة على الخصم ونيل الشهرة دون هدف علمي منشود
إن من حقوق البشر: حق الاتفاق، وحق الاختلاف، فإذا جاء من يلغي الحق الأخير فهذا هو الاسـتبداد المقيت؛ لأنه ينظر إلى بني الإنسان كما ينظر إلى مجتمع النحل، وفي هذا المفهوم يقول الدكتور يحيى الجمل: كوننا لا نعرف كيف نتفق أصبح أمراً شائعاً، ولكن المشـكلة الحقيقية أننا لا نعرف كيف نختلف.. فالاختلاف في الرأي ظاهرة صحيحة تعرفها كل المجتمعات المتحضرة، إلا أنها تنقلب إلى مأساة عندما يتحوّل الاختلاف إلى درجة العداء والتحزب الضيق والخروج على مصالح الأمة.. فالاختلاف من طبائع البشر، وهم يختلفون لأسباب أبرزها اختلاف المصالح واختلاف المكوّنات الحضارية والثقافية مما يؤدي إلى اختلاف النظرة العقلية للأمور، وهناك ثلاثة طرق للتصدي للخـلافات هي: الحوار، والتعايش، والحرب. فأما الحوار فهو الوسيلة الأولى والأكثر أهمية وتنوعاً. ( ) 
وبهذا يتضح أن من الطبيعي جداً في حياة الأفراد والمجتمعات أن تكون هناك قضايا يجري الحوار بشأنها، وأفكار ومفاهيم متباينة يتم تزاوجها وتبادل الآراء فيها للوصول إلى الحقيقة.. هذه القضايا وتلك المفاهيم هي الأرض الخصبة التي تمد المتحاورين بالقضايا العلمية، وبدونها لا يكون هناك حوار، ولا يتحقق التزاوج في الأفكار بين بني البشر
وأهم ما يتم التركيز عليه في هذا الجانب هو معرفة الطرفين المتحاورين للموضوع المطروح للتحـاور، والوقوف على الفـكرة التي يريدان إثباتها أو نفيها لأن الجهل بها وعدم الإطلاع على تفاصيلها يحـوّل الحوار إلى أسلوب من أساليب الشـتائم والمهاترات بدلاً من طرح الفكرة المعنية والدفاع عنها، ذلك أن المعرفة التامة بالقضية التي يجري الحوار بشأنها تجعل المحاور يعلم كيف يبدأ الحوار، وكيف يعالج مفرداته، وكيف ينتهي منه، في وضوح الرؤية وهدوء الفكر وقوة الحجة ووداعة الكلمة
وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض النماذج ودعوته من دون أن يكون لها علم بها أو إحاطةeالبشرية التي وقفت ضد رسول الله بعناصرها، إذ قال تعالى: ((هأَنتُمْ هَـٰؤُلاء حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) (آل عمران:66)، وقال تعالى: ((إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ)) (غافر:56) فهذه الآيات تثبت أن القرآن الكريم يأخذ على كل هؤلاء الذين يخاصمون الأنبياء، أنهم يدخلون معركة الحوار دون سلاح، لأنهم لا يملكون علماً أو حجة، وليس لديهم إحاطة بالموضوع الذي يتحاورون فيه، مما يجعل حوارهم ورفضهم لنتائجه قضية مزاج، وعقدة نفسية تتحكم بهم فتدفعهم إلى اللف والدوران وإلى التكذيب بلا مبرر، الأمر الذي لا يؤدي إلى أية نتيجة لحساب المعرفة أو لمصلحة الحق. ( ) 
ومن هنا فإن الواجب على من يتصدى للحوار أن يكون على بينة من الموضوع الذي يحاور فيه، والقضية التي يجري النقاش فيها، حتى لا يكون بعيداً عن منطق المعرفة والموضوعية في عملية التحاور، كما أنه ينبغي عليه أن يتزود بالثقافة العامة التي تجعله قوياً في حجته أمام خصومه من خلال إحاطته بعناصر القضية التي يتحاور فيها، كما أن عليه أن يكون ملماً بالثقافة المضادة التي يملكها الطرف (الآخر) ليسهل عليه الوقوف على نقاط الضعف والقوة عند خصمه، وليستطيع الموازنة والمفاضلة بين الفكرتين بمنطق العقل والعلم والدليل
القواعد العامة للحوار
هناك قواعد عامة للحوار يجب الحفاظ عليها، وهي
القاعدة الأولى: اعتماد العقل والمنطق
ويعني ذلك أن يلتزم أطراف الحوار بالطرق المنطقية السليمة أثناء المحاورة، ويمكن أن نحدد معالم هذا الالتزام بما يلي: ( ) 
1- تقديم الأدلة المثبتة أو المرجّحة لكل فرضية أو دعوى يقدمها المحاور
2- صحة النقل للنصوص المنقولة والمروية
ومن هنا أخذ علماء آداب البحث والمناظرة قاعدتهم المشهورة التي يقولون فيها
إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدّعياً فالدليل. ( ) 
وقد وردت الإشارة إلى مضمون هذه القاعدة في كثير من الآيات القرآنية التي تطالب الطرف (الآخر) بتقديم البراهين والحجج المنطقية، منها قولـه تعالى: ((أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وٱلاْرْضِ أَءلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ)) (النمل:64)، وقوله تعالى: ((قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ)) (الأنبياء:24). 
بأن يطالب المشركين بتقديمeففي هذه النصوص يأمر اللهُ نبيهَ براهينهم وأدلتهم على ما يقدمون من دعاوى إن كانوا على يقين من الأمور التي يعتقدونها: ((وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ)) (البقرة:111). 
وهكذا نجد أن المحاورة في القرآن الكريـم تعتمد على العقل والمنطق، ولا تتأثر بأي عامل أو مؤثر خارجي كالنبوة والرسالة والوحي.. ولاشك أن الحوار الذي يعتمد على الحجة الواضحة والدليل المنطقي القوي سيؤدي في النهاية إلى الحرية في التفكير، والتخلص من التعصب والانحياز، فنحن نرى أن إبراهيم عليه السلام في حواره مع الله عز وجل يتقدم للمحاورة وكأنه متجردٌ من النبوة، بل من الإيمان: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى)) (البقرة:260) فإبراهيم في هذه المحاورة يريد التحاور ضمن قواعد العقل والمنطق، ويرفض وجود أي مؤثر في المحاورة غير العقل
ومن هنا فإنه لابد أن يتسم الحوار بطابع الاعتماد على العقل وتطبيق المقدمات المنطقية السليمة، سـواء ما يتعلق بتقديم الفكرة والتدليل عليها، أو ما يتعلق بقبول ما يطرحه الطرف الآخر مادام أنه قد وصل إليها بالمنطق السليم والحجة القوية
القاعدة الثانية: عدم التناقض
وتفيد هذه القاعـدة : أن لا يكون في الدعوى أو في الدليل الذي يقدمه المحاور تعارض واضـح، أو أن يكون بعض كلامه ينقض بعضه الآخر، فإذا كان كذلك كان كلامـه ساقطاً وفكرته لاغية، ذلك أن التناقض في الأفـكار يجعل المحاور صـيداً سهلاً لغريمه ومحاوره، بحيث يدينه من خلال طروحـاته المتناقضـة وأفـكاره المتباينة دونما حاجة إلى عناء ومشقة
ومن أمثلة التناقض في الدعوى ما حكاه القرآن الكريم على لسان الكافرين في قولهم عن الآيات بأنها سحر مستمر: ((ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ A وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ)) (القمر:1-2) ففي قولهم هذا تعارض وتناقض واضح لا يستحق رداً ولا يحتاج مناقشة، فهو ساقط علمياً، لأن من شأن الأمور المستمرة أن لا تكون سحراً، أما أن يكون الشيء سحراً ومستمراً معاً في وقت واحد فذلك جمع بين متضادين لا يجتمعان.. ومثل ذلك أيضاً قول فرعون عن موسى عليه السلام حينما جاء بالحجج الدامغة والآيات الباهرة بأنه: ((سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)) وذلك في قولـه تعالى: ((وَفِى مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍl فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)) (الذاريات:38-39) وهذان أمران متناقضان، إذ من غير المقبول منطقياً أن يكون الشخص الواحد متردداً بين كونه ساحراً وكونه مجنوناً، لأن من شأن الساحر أن يكون كثير الفطنة والذكاء والدهاء، وهو أمر يتنافى مع الجنون الذي من شأنه الغفلة وعدم الإدراك
إن التناقض في الفكرة، والتباين في طرحها، يجعل كلام المُحاور متهافتاً لا يُلتفت إليه، ولايستحق صاحبه إجابة؛ لأنه متهرب من منطق الحق بعيد عن الموضوعية العلمية
القاعدة الثالثة: إنصاف المحاور
ويقصد به: المحافظة على حق الطرف الآخر وإنصافه من كل وجه، بغض النظر عن صفة المحاور أو مركزه العلمي والاجتماعي، لأن الأمر المهم في الحوار هو إبراز حق الخصم وإنصافه حتى لا تنقلب المحاورة إلى مكابرة.. ويمكن تحديد النواحي التي يجب أن تراعى مع الطرف الآخر بما يلي
1- التجرد من المؤثرات الجانبية -عقائدية كانت أو ذاتية- مثال ذلك أن يحاور مؤمن كافراً في إثبات وجود الله، فلو قال المؤمن للكافر: أنا مؤمن بوجود الله ثم ذكر فكرة أخرى مبنية عليها، فهذه ليست محاورة، بل هي إلزام للخصم، أو هي محاورة فاشلة، لأنه ابتدأ الحوار معه بناء على مؤثرات عقائدية خاصة به ولم يتجرد عن ثوابته التي يؤمن بها، والأصل في المحاور أن يكون متجرداً عن المؤثرات لضمان إنصاف الطرف (الآخر)، ذلك أن المحاورة المنطقية السـليمة تقتضي أن يتجرد كل من الطرفين أثناء المحاورة، افتراضاً، من عقيدته ومن انتمائه وأي شيء يؤثر على حياده فيما يتعلق بموضوع المحاورة، وفي هذا يقول الشعراني: إن احتاج إنسان إلى رد خصم ينكر الشرائع وجب علينا تجـريد النظر في رد مذهبه، لكن بالأمور العقلية لا بالشـرع، فإن الشرع هو محل النـزاع بيننا وبينه. ( ) وهذا يعني أن الخصم في هذا الموقـف لا يؤيد مفهـوم: قال الله، وقال الرسـول، لأنه غير مقتنع بها، فيحـتاج إلى محاورة ومناظرة وإقناع بالعقل في المسائل المتنازع عليها
2 - حماية الخصـم أثناء المحاورة: ذلك أن طرفـي المحاورة قد اتفقا، ولو ضمناً، على افتراض تجردهما من العقـيدة والانتمـاء، وهذا يقتضي أن لا يوصف أحدهما بأنه مخطئ أو مصيب إلا بانتهاء المحاورة، فالإساءة إلى أي طرف قبل انتهاء الحوار ظلم له وتجاوز على أفكاره وطروحاته، بحيث يكون أسلوب المحاورة قائماً على الإقناع ثم الإلزام دون إهانة للخصم. ( ) 
3 - المساواة بين الطرفين: وهي درجة أعلى من مجرد حماية أطراف الحوار؛ لأن إشعار المحاور بمساواته مع خصمه صفة تبعث في نفسه الطمأنينة وتدفعه لمزاولة الحوار بدرجة عالية من الثقة بالنفس.
إن المتتبع للحوارات القرآنية يتلمس فيها المساواة بين طرفي الحوار، على حق، وأن مناظريه على الباطل إلا أن الله تعالى يوجههeفعلى الرغم من أن النبي إلى افتراض أنه لا يعلم أيهما على الهدى، وأيهما في الضلال، أهو أم هم؟: ((قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ)) (القصص:85).. وفي موقف آخر يصرح القرآن الكريم بالمساواة لطرفي الحوار حتى ولو كان ذلك بين فريقين مختلفين في الفكر والعقيدة، فيقول الله تعالى: ((قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) (آل عمران:64) فهذه الآية تقدم دعوة لأن يكون طرفا الحوار على درجة واحدة من المساواة لا يتميز أحدهما عن الآخر ((تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)). 
القاعدة الرابعة: تحديد الغاية وتوضيحها
من قواعد الحـوار الأسـاسية إبراز الهدف الذي تدور حوله المحاورة، مع التركيزعلى أن تكون الغاية واضحة والهدف محدداً ومقبولاً من النفوس والمشاعر بعد اجتيازه مرحلة القبول العقلي، ومن أمثلة ذلك ما جرى في محاورة إبراهيم عليه السلام مع المشركين من عبدة الكواكب، وتدرجه العقلي والنفسي معهم حتى وصل إلى تقمصه عبادة الشمس معهم: ((فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبّى هَـٰذَا أَكْبَرُ)) ليصل بهم إلى النتيجة بعد أن انتزع اعترافهم بأن الإله لا يغيب ولا ينبغي أن يغيب، ومن هنا برزت النتيجة: ((فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ Z إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ)) (الأنعام:78-79).. وهكذا ركّـز إبراهيم على النتيجة من خلال هذه الكلمات الموجزة التي راعى فيها جملة من النواحي، أبرزها( ): 
1- المحافظة على صلته بالخصوم وتقريبهم إليه بقوله: ((يٰقَوْمِ)) أملاً في كسب إيمانهم
2- أعلن الحكم على عبادتهم للكواكب بأنها شرك، وأنه مستنكر له: ((إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ)). 
3- تقديم البديل الصحيح الذي يجب أن يتجهوا إليه وهو الإيمان بالله: ((إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ)). 
كل هذه المفاهيم التي أراد إبراهيم عليه السلام توضيحها كانت منصبّة على تحديد الغاية وإبراز الهدف من هذا الحوار، وهو إثبات وحدانية الله تعالى وإبطال ما عداه من الآلهة، وقد سلك في سبيل تحقيقها كل الوسـائل الممكنة لجعلها في غاية الوضوح عن طريق المحاورة التي لا تقصد هدفاً شخصياً ولا مصلحة ذاتية وإنما تهدف إلى إصلاح العقيدة وتثبيتها في النفوس
القاعدة الخامسة: خلق الأجواء الهادئة للتفكير السليم
إن من أشد الأمور ضرورة للوصول بالحوار إلى هدفه وتحقيقه لغاياته، توفر الأجواء الهادئة للتفكير الصحيح، الذي يمثل فيه الإنسان نفسه وفكره، والابتعاد عن الأجواء الانفعالية التي تبعد الإنسان عن الوقوف مع نفسه وقفة تأمل وتفكير، لأن الانخراط في محيط الأجواء الانفعالية يفقد المحاور اسـتقلاله الفـكري وشخصـيته المميزة، فيبتعد رويداً رويداً عن الحقيقة، أما الفكر الهادئ الواعي فإنه يضع القضية في موقعها الطبيعي لينتهي بالإقرار بنتيجة المحاورة، سلباً أو إيجاباً
لقد دعا القرآن الكريم إلى التجـرد عن الأجواء الانفعالية في حال أردنا أن نتبنى فكرة أو نرفضها، أو ننسجم مع موقف أو نبتعد عنه، حيث نقل القرآن أسلوب النبي في الحوار مع خصوم العقيدة -عندما واجهوه بتهمة الجنون- فقال تعالى: ((قُلْe إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوٰحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)) (سبأ:46). 
فقد اعتبر القرآن موضوع الاتهام بالجنون خاضعاً للجو الانفعالي الذي كان يسيطر على التجمع العدائي لخصومهeللنبي آنذاك، مما يجعلهم لا يملكون أفكارهم ولا يستطيعون أن يزنوا بها صحة القضايا وفسادها، ولذلك دعاهم إلى الانفصال عن هذا الجو المحموم بأن يتفرقوا مثنى وفرادى في موقف تفكير وتأمل ليصلوا إلى النتيجة الحاسمة، حيث إن التفكير الهادئ سوف يعيد الأمور إلى نصابها ويرفض تلك التهمة جملة وتفصيلاً، لينتهي بالإقرار بأنه رسول الله إلى الناس. ( ) 
والواقع أننا نجد هذه الأجواء الانفعالية في أكثر من مناسبة عندما يكون الأمر متعلقاً بالصراع الذي يخوضه الإسلام مع أعدائه، حيث يتم إطلاق الاتهامات بلا حساب ولا روية، ويرفض الطرف (الآخر) الجلوس للحوار، وأبرز دليل على ذلك ما يجـري هذه الأيام من اتـهام لبعـض الـدول أو الجماعات الإسلامية واعتبارها مسؤولة عن تنفيذ جملة من أعمال العنف من دون تقديم دليل مقنع على تلك الاتهامات
فنحن نرى أنه في ظل هذه الأجواء الانفعالية المشحونة ترفض الدول الغربية مجرد إبداء الرأي أو سماع الطرف (الآخر)، فضلاً عن الدخول معه في حوار هادئ للوقوف على حقيقة الأمور والبحث عن حلول أو معالجات منطقية لها
إن الأجواء الانفعالية والمشحونة تجاه الإسلام تأخذ اليوم أشكالاً متعددة وصيغا مختلفة لتأليب الناس على هذا الدين وأحكامه، ومن الأمثلة على ذلك ما يفعل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
انت انسان محتاج الى الحوار..لذا لابد من التواضع الذي يفتح الطريق للجميع..
يجب ان نتواضع فالتواضع أدب من آداب العلماء، وصفة من صفاتهم الكريمة، ولأن الحوار مهنة العلماء وصنعتهم فلا بد أن يتصف المتحاورون بالتواضع الذي يفتح الطريق أمام الطرف (الآخر) ويتيح له المجال لإبداء الرأي والفكرة 
فإنَّ من الأساليب التي استخَدمها القرآن الكريم؛ من أجْل إقامة الحُجَّة على العباد، والدَّلالة على وحدانيَّته تعالى، وعلى صِدْق ما جاؤوا به من رسالات، وبلَّغوا به دينَ الله في الأرض، هو الحوار، أو ما يُسمَّى بالحوار القرآني، الذي يتوصَّل به المرسلون إلى إيصال الحقِّ.
وبهذا نرى أن القرآن استعمَله لإظهار الحق على الخَلْق، وهو من أحكم الأساليب التي تُقنع العقول بعد إقامة الحُجة عليها، فترضَخ القلوب. 
إن من الحكمة في الحوار أن يتجنب المحاور الحديث عن نفسه، أو عن أعماله وإنجازاته، أو عن الدعوات التي تلقاها ورفضها؛ لأن شر المتحدثين من آثر الحديث عن أحواله وأكثر الكلام عن نفسه، فإن فعل ذلك فإنه يفقد شرط الحوار الناجح. 
ومن ضوابط الحـوار الذي يقوم على المودة والاحترام أن يتجنب كل منهما السخرية والاستهزاء وكل ما يشعر باحتقار المحاور وازدرائه لصاحبه، أو وصمه بالجهل أو قلة الفهم. 
بعد هذا كله نقول: إن مراعاة هذه الآداب والأخلاق أثناء الحوار يضمن حواراً علمياً رزيناً بعـيداً عن المهاترات الكلامية، والألفاظ البذيئة، والأساليب القبيحة التي تؤدي بالنهاية إلى فشل الحوار وانعدام أهدافه...
ومن هذا نَستنتج أنَّ الحوار بهذا المعنى هو عبارة عن نِقاش؛ إمَّا بين طرفين، أو عدة أطراف، ويَهدف إلى الوصول إلى حقيقة، أو من أجْل إقامة الحُجَّة على أحد الطرفين، وقد يُستخدَم الحوار لدفْع شُبهة ما، أو تُهمة وغيره.
اولا الحوار في اللغة:
مأخوذ من الحَوْر؛ أي: الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، والمحاورة: هي المجاوبة، والتحاور: هو التجاوب..
ثانيا الحوار في الاصطلاح:
هو نوع من الحديث بين شخصين، يتمُّ فيه تداول الكلام بينهما بطريقة ما، فلا يتأثَّر به أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء والبُعد عن الخصومة والتعصُّب... 
ومن هذا نَستنتج أنَّ الحوار بهذا المعنى هو عبارة عن نِقاش؛ إمَّا بين طرفين، أو عدة أطراف، ويَهدف إلى الوصول إلى حقيقة، أو من أجْل إقامة الحُجَّة على أحد الطرفين، وقد يُستخدَم الحوار لدفْع شُبهة ما، أو تُهمة وغيره. 
ثالثا: الفرق بين الحوار والجدال:
من الأمور الواضحة عندنا أنه يوجد فرْقٌ بين الحوار والجدال؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما له مَدلولاته وأهدافه، والفرق بينهما في أنَّ الجدال في اللغة هو اللَّدَد في الخصومة، والقدرة عليها، وإقامة الحُجة بحجة أخرى
أما في الاصطلاح، فهو: المقاومة على سبيل المنازعة والمُغالبة، وقيل: الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبَه على الجَدَالة..
والحوار قد ينقل المحاور إلى الجَدَل المذموم إذا تخلَّلتْه العصبيَّة في الحوار والتمسُّك بالرأي بتعصُّب، ومن خلال هذا نستنتج أنه حوار بين طرفين على سبيل المنازعة والتعصُّب للرأي الشخصي.
رابعا: آداب الحوار:
- الابتعاد عن التعصُّب للفكرة أو للأمر الذي أدعو إليه؛ لأنَّ هذا المحاور إن كان معه الحقُّ، فلا بد أن يوصِّله إلى الآخرين بعيدًا عن الأهواء الشخصيَّة، وإنما هدفه يكون نشْر الحقِّ.
- استخدام الألفاظ الحَسَنة، مع البُعد عن جرْح الآخرين بمجرَّد طرْح فكرة تُعارض فكرته
- الحوار من خلال الاعتماد على حُجج صحيحة، ومن خلال الاعتماد على الدليل الصحيح.
- البُعد عن التناقُض في الردِّ على أقوال الآخر، والثبات على مَبْدأ ونقطة الحوار.
- أن يكون الهدف الوصول للحقِّ، وليس الانتصار للنفس
- التواضُع بالقول والفعل؛ قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم (الكبر بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس))، الإنكار - الاحتقار.
- الإصغاء وحُسن الاستماع.
خامسا: سمات لا بد أن تكون في المحاور الناجح:
إنَّ المحاور الناجح هو الذي يكون على قدْرٍ من العلم والاطِّلاع، فلا بدَّ من أن يكون على علمٍ؛ حتى يستطيع إقامة الحُجة الحقَّة على الآخر، معتمدًا على الأدلة الصحيحة، والبُعد عن الاعتماد على الأقوال التافهة البعيدة عن الصحة والحق، ولا بد أن يكون قد قام بالبحث وتوصَّل بعدها إلى القناعة المعتمدة على الدليل، بعد أن قامَ بالبحث والمقارنة والترجيح بين الأقوال الموجودة أمامنا.
ولا بد للمحاور من أن توجَد فيه سِمة فقه الحوار والكفاءة في الحوار وكذلك لا بد للمحاور من أن يكون على قدْرٍ من القدرة على إبطال الفكرة، باستخدام كلمات وعبارات جذابة وواضحة، لا لبْسَ فيها، بعيدة عن احتمال ورُود أكثر من معنًى فيها، وأن يكون قويَّ التعبير وفصيحَ اللسان، ويُحسن البَيان...
سادسا: مثال على الحوار في القرآن:
قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فالله تعالى بعَث نوحًا إلى قوْمه يدعوهم، طالبًا منهم عبادة الله وحْده، وقال تعالى:﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ 
سابعا: قواعد لا بد مِن مراعاتها في الحوار:
-الاحترام بين المتحاورين.
- البُعد عن الاستعجال في الردِّ على الخَصم.
- الهدوء في الحوار.
- التركيز على الفكرة والموضوعية في الحوار.
- أن يكون هدف الحوار الوصول إلى الحقِّ.
- تحديد موضوع الحوار والهدف منه.
ومن أهداف تحديد موضوع واحدٍ؛ حتى لا تَكثر النقاط المُتحاوَر عليها؛ لأنه تَصعب المحاورة في هذه الحالة، كان الشافعي إذا ناظَره إنسان في مسألة، فغدا إلى غيرها، يقول: نَفرغ من هذه المسألة، ثم نَصير إلى ما تريد.
- مناقشة الأصول قبل مناقَشة الفروع.
- الاتفاق على أصل يُرجَع إليه.
- اختيار المكان والزمان، والإنسان المناسب.
- الموضوعيَّة
فمن الموضوعية التالي:
- تحديد الموضوع، ويقتضي ألاَّ تخرج من نقطة حتى تنتهي منها.
- مناقشة الموضوع وليس الشخص وشخصيَّته.
- عدم إدخال موضوع في آخر.
- عدم استخدام الأيمان المغلَّظة.
- تجنُّب الكذب في النقاش.
- تجنُّب بَتْر النصوص.
- قولك: "لا أدري".
- التوثيق العلمي.
ثامنا: آفات الحوار:
- رفْع الصوت.
- تهويل مقالة الآخر.
- أخذ زمام الحديث بالقوة.
خلاصة ماذكربعاليه
- الحوار يغلب عليه الهدوء.
- الحوار نوع من الحديث، والنِّقاش يكون بين طرفين أو أكثر.
- الحوار أوسع من الجدال.
- القرآن الكريم اهتمَّ بالحوار وحرَص عليه.
- يهدف الحوار إلى تحقيق عدة أمور.
- من خلال الحوار نستطيع إيصال الفكرة إلى الآخرين.
- الحوار يعلِّمنا سَعة الصدر، وقَبول الآخرين.
- لا بدَّ أن يكون المحاور على درجة من الثقافة والعلم.
- الحوار يقوم على قواعد وضوابط وآليات.
- لا بد في المحاور من آداب تتخلَّله.
- إنَّ الحوار له أصل مِن القرآن والسُّنة.
- عدم إلغاء الطرف الآخر في الحوار.

manokok

I've learned from life

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 103 مشاهدة
نشرت فى 12 فبراير 2012 بواسطة manokok

تعالو نتفاهم ونتحاور بأدب
فن الحوار وأدابه

كلمة الحوار كلمة جميلة رقيقة , تدل على التفاهم والتفاوض والتجانس , وقد ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم , قال تعالى(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُه) وقال(وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) ، يوم أن تحاور عليه الصلاة والسلام مع المرأة الضعيفة المسكينة التي تشكو من زوجها , فسمع الله هذا الحوار -وسمعه السموات والأرض جل في علاه- ..
ونحن بحاجة إلى الحوار ، ليفهم بعضنا بعضاً , نحاور بعضنا بعضاً , ونتحاور مع الآخرين ..
ما أحوجنا إلى (الحوار) ، لأنه طريق الفهم , وسبيل النجاح , وبوابة الاتفاق .والحوار له آداب مشروعة يقوم بها المتحاورون ، ليثمر حوارهم وليصلوا إلى الحقيقة من أقرب الطرق وأيسرها .

إن أهم أسباب مشاكلنا وضعفنا وتدهور أحوالنا , هو عدم تحاورنا واعتبار هذه المهارة الاجتماعية الإنسانية من المحرمات , ومن دواعي الضعف والخضوع والاستسلام. وهذا الموقف يعد اضطرابا فكريا وانحرافا سلوكيا عن جادة الصواب , ومبادئ الحياة وأصولها ومعاييرها وقيمها وقوانينها وأسباب قوتها. فتجدنا نتصارع ونغضب ونتهم وننفعل (ونزعل) ونتوجس من بعضنا وما إلى غير ذلك من تداعيات الموقف.
فالحوار نوع من المحادثة الحية الفعالة ما بين البشر للوصول إلى أفضل النتائج ذات الفوائد العميمة . وفيه يتحقق التفاعل الواعي المتيقظ لإطلاق أحسن الأفكار , ذات القدرة على الاندماج الخلاق مع الأفكار الأخرى المشاركة , للانتقال بالجمع المتحاور إلى إدراك أوسع وفهم أعمق مما يؤدي إلى تحقيق الغايات الجماعية. 
وللحوار خصوصيات وقواعد ومهارات من الضروري اكتسابها للارتقاء بالذات والموضوع.
و لأهمية الموضوع سنحاول أن نتحاور ونلقي نظرة على 
مفهوم الحوار وآدابه 
انواع وتصنيفات الحوار
وبعض أسباب عدم نزوعنا إلى الحوار 
أزمة الحوار وأسبابها
الاستماع ودوره في إنجاح التفاهم والحوار 
وما هي الخطوات لإتمام حوار ناجح. 
مواصفات الحوار الإيجابي
ومستويات الحوار
وغيرها من الموضوعات
كل ماأوده منكم التفاعل وابداء الآاراء وتفعيله!!؟
فبتجاوز الأسباب ووعيها ربما نتمكن من ممارسة مهارات الحوار المعاصرة اللازمة لبناء المجتمعات القوية. وقد تكون معرفة العوامل التالية ذات قيمة ودور في تهذيب سلوكنا واقترابنا من الحوار وثقافته الواسعة!!!!
تحية لكم وأمل ان اوفق في هذا الطرح!!




manokok

I've learned from life

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 70 مشاهدة
نشرت فى 12 فبراير 2012 بواسطة manokok

man.okok

manokok
تفائلو فرغم وجود الشر هناك الخير ،، »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

14,151

**اهلا وسهلا بك ضيفنا العزيز**

  *اهلا وسهلا بك ضيفنا العزيز ونتمنى أن تقضي معنا وقتا ممتعا *