نهضة مصر: بعد 25 يناير 2011 -------- أ. د/ ممدوح عبد الغفور حسن

أكثر من نصف قرن مع المواد النووية والثروة المعدنية

 

011 الجهالة والأمية فى المسائل النووية

أ.د. ممدوح عبد الغفور حسن

رئيس هيئة المواد النووية الأسبق

 فى أوائل عام 1995 حفلت وسائل الإعلام بأخبار مؤتمر تمديد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وكثر الحديث عن الأمن النووى والأمان الإشعاعى، وطفت على السطح "الأمية النووية" المتفشية فينا، وأقصد بها الجهل بأبسط مبادئ التكنولوجيا النووية التى نعيش فى عصرها، وكان أكبر دليل على ذلك هو عدم الإلمام بما هى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لدرجة أننى  سُإلت مرارا "هل انضمت أمريكا إلى المعاهدة؟"، كذلك كان الكثيرين منا يتصور أن عدم توقيعنا على تمديد المعاهدة يعفينا من الالتزام بها؛ فى حين أن الحقيقة هى أننا وقعنا أم لم نوقع فإننا مكبلين بهذه الاتفاقية إذا ما وافقت الأغلبية عليها، وقد نشأ لدى الإحساس فى ذلك الوقت أن وسائل الإعلام تركت هذا التصور يسود حتى يظهر أننا نملك زمام أمورنا النووية. ولكن طالما أن ماما أمريكا أرادتها أبدية فقد صارت أبدية، والواقع أننى لا أذكر الآن هل وقعنا فى مايو 95 أم لم نوقع لأنها "متفرقشى". فى ذلك الوقت انتهزتُ فرصة "الهوجة النووية" الإعلامية لكى أساهم بقدر ضئيل على قدر استطاعتى فى التوعية النووية؛ فأصدرت كتابا بعنوان "الأسلحة النووية ومعاهدة عدم انتشارها". ولكن "الهوجة" انتهت بعد تمديد الاتفاقية تمديدا أبديا، وخبت كل الأصوات التى كانت تجأر بالمطالبة بحق الدول غير النووية فى الحماية ضد الأخطار النووية من الدول التى تملك الأسلحة النووية، وأصبح الوضع "وكأنك يا بوزيد لا رحت ولا جيت". بعدها أردت أن ألقى حجرا فى المياه الراكدة؛ فنشرت مقالا بالأهرام بعنوان "دعوة لمحو الأمية النووية" ولكنه كان "كما النفخ فى القربة إياها" أو "الأذان فى الجزيرة إياها". وعندما انتقلنا من القرن العشرين إلى القرن الحادى والعشرين وجدت أن أميتنا تحولت إلى جهالة، فهل من وسيلة إلى تخطى هذه الجهالة؟

ولكن لماذا الجهد؟ ألا يكفينا الجهد الذى نبذله لكى نحفظ أغانى الفيديو كليب، أو الجهد الذى نبذله لكى نستطيع فهم قوة الاقتصاد المصرى فى ظل انهيار الاقتصاد العالمى؟ أو الجهد الذى نبذله لنفهم كيفية تسرب أموالنا إلى الخارج دون رقيب أو حفيظ؟ الجواب هو أننا نعيش عصر الطاقة النووية أردنا أو لم نرد، ولا بد لكل الدول أن تتعامل معها حتى لو لم تكن تستخدم الطاقة النووية فعلا؛ فحادث تشيرنوبيل، وأنباء التسرب الإشعاعى التى تحدث من المنشآت النووية والتى تشغل الرأى العام من الحين إلى الحين، والخوف من التلوث الإشعاعى غير المقصود والمقصود، والعثور على أجسام مشعة ملقاة هنا وهناك بإهمال وجهل تبين أن العصر النووى له طبيعة فريدة تختلف عن طبيعة العصور السابقة عليه كلها، وفهم فلسفة هذا العصر وكيفية التعايش معه تستلزم هذا الجهد، ولعل الترسانة النووية القابعة فى قلب الوطن العربى تبين أن هذا الوطن المسكين معرض لأكبر خطر نووى على الإطلاق بين دول العالم كلها، وأكثر دولة موجه إليها هذا الخطر هى مصر.

إزاء هذا الوضع الخطير؛ وفى إطار المواجهة بين أطفال الحجارة الإرهابيين وعمالقة الدبابات والمدافع والطائرات المسالمين، قد تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، ونجد أنفسنا فى مواجهة الترسانة النووية القابعة على أبوابنا الشرقية؛ فلا أقل من الخروج من الجهالة النووية ومحو الأمية النووية حتى نستطيع أن نفكر فى كيفية الإعداد لمواجهة هذا المأزق عندما يفرض علينا، وعلينا أن نعتمد على أنفسنا بعد انهيار "الحيطة السوفييتية المايلة" التى كنا نستند عليها. إذن على كل مواطن أن يعرف شيئا عن دورة الوقود النووى من بدايتها فى استكشاف الخامات النووية إلى نهايتها فى التخلص من المخلفات المشعة. كما يجب أن يعرف الكثير أيضا عن الأسلحة النووية وعن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التى تركت ظهرنا مكشوفا للسلاح النووى المتراكم غير بعيد عنا، وعن كيفية الاستفادة من هذه الاتفاقية سواء بالطرق الدبلوماسية أو غيرها. فالخروج من الجهالة النووية يستلزم أن يلم المواطن غير المتخصص بالحد المناسب من المعلومات عن المفاعلات النووية والمخلفات المشعة وطرق التخلص منها، كما يجب أن يعرف الكثير عن الإشعاع وتأثيراته الحميدة والضارة وكيفية التعامل معه بالوسائل الآمنة. ومن الواجب على وسائل الإعلام أن تتبنى حملة إعلامية دائمة تشرح فيها للجمهور الجوانب الأساسية للطاقة النووية وخاصة دورة الوقود النووى وما يتصل بالأمن القومى النووى؛ ومن أمثلة ما يجب تناوله فى هذه الحملة هو:

1- المفاعلات النووية وأنواعها، وخاصة مفاعلات توليد القوى، وتوزيعها فى العالم وتطورها على مر الزمن.

2- الخطر فى تشغيل المفاعلات قد ينشأ من مصدرين: أولهما المفاعل نفسه والأحداث التى تجرى بداخله، وثانيهما المخلفات الناتجة عن الوقود النووى المستنفد والتى يجب  التخلص منها بطريقة آمنة.

3- ما هو الإشعاع وأنواعه وما هى آثاره وكيفية قياسه وتسجيله والوحدات المستخدمة فى قياسه.

4- الفرق بين التعرض الخارجى للإشعاع والتلوث به سواء داخليا أو خارجيا.

وتحسبا للجهالة النووية فى القرن الحادى والعشرين، فقد أصدرت فى الفترة الانتقالية بين القرنين كتاب عنوانه "الثقافة النووية للقرن الحادى والعشرين"، يجمع بين دفتيه الحد الأدنى الذى يجب أن يعرفه المواطن غير المتخصص عن التكنولوجيا النووية، ومن يظن أننى أتخذ هذا المقال للإعلان عن كتابى فهو على حق، فأنا أعتقد أن هذا الكتاب يحتوى على الحد الأدنى الذى يجب أن يلم به كل من يؤرقه مستقبل أولاده وأحفاده النووى، وتأكيدا لذلك أقول أن ناشر الكتاب "دار الفكر العربى" وقد نفدت الطبعة الثانية، ولا أمانع فى نشره على حلقات فى أى صحيفة أو جريدة تقبل ذلك دون أى التزام مالى، يعنى ببساطة "ببلاش".

2/11/2012

تحديث:

1- لقد كتبت هذا المقال فى عام 2007، ولا أتذكر المناسبة التى أوحت لى كتابته، ولكنه لم ينشر. ولكن رأيت من الأحداث ما أوحى لى بنشره الآن ظهور الرغبة الشديدة بعد ثورة 25 يناير على الدخول فى برنامج نووى حقيقى، وبعد العدوان  السافر من اسرائيل على السودان.  

 

المصدر: من كتاباتى
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 162 مشاهدة
نشرت فى 2 نوفمبر 2012 بواسطة mamdouhgeo

ساحة النقاش

ممدوح عبد الغفور حسن

mamdouhgeo
تسجيل خبرتى على 56 عام مع الجيولوجيا والرواسب المعدنية والبحوث العلمية والتطبيقية والإ شراف على رسائل الماجستير و الدكتوراه والتدريس فى الجامعات العربية. »

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

64,221