و تتجلى أهمية حضور الهوية الإسلامية في الإبداع الأدبي في ضرورة مجابهة التيار اللاأخلاقي المسيطر على التوجه الأدبي المعاصر و الذي يعكس بدوره انهزام المجتمع و تفككه.
و برغم الرفض العام الذي يكنه الواقع الثقافي للكتابات التي توصف بأنها "رسالية" أي ذات رسالة مباشرة -و من ضمنها الأدب الإسلامي – فإن أحداً لم يجد غضاضة في قبول بعض الأعمال التي يمكن أن تندرج تحت وصف "أدب مسيحي" مثل الكثير من أعمال إدوار الخراط على سبيل المثالً ... و بالطبع لا يملك أحد الإعتراض أمام القدرة الفنية الهائلة التي يمتلكها الخراط موظفاً إياها بشكل فني في أعماله ... مقابل كم مهول من التسطيح و المباشرة و الركاكة الفنية في أغلب الأعمال التي توصف بأنها "أدب إسلامي" لصالح الجانب الخطابي الأخلاقي و الدعوي.
برأيي الإشكالية الأساسية التي تواجه المفهوم الحالي للأدب الإسلامي هي محاولة قسر مفهوم الأدب الإسلامي كنموذج أوحد معترف به و تجاهلها التام للقيمة الجمالية للنص الأدبي و التي يحكمها عنصر اللغة بالأساس، حيث تتباين المفاهيم الجمالية من لغة لأخرى بداهةً ، و بالتالي لا يمكن أن تكون المظلة الإسلامية هي الغطاء الأشمل للإبداع المقبول مالم تكن متوائمة مع التصنيف اللغوي للإبداع، و من ثم يمكن أن نقول بأن هناك أدباً إسلامياً عربياً و أدباً إسلامياً هندياً ... و ما إلى ذلك.
و على صعيد الجماليات اللغوية فما زال أنصار الأدب الإسلامي يتشنجون بشكل مبالغ فيه للتعاريف البلاغية القديمة، مما يعني بالضرورة إنكار و رفض كل المفاهيم الجمالية الحديثة لمجرد الإشتباه "بغربية" المصدر، و هو تصور قاصر في الحقيقة .. فعلى مدار القرون الماضية لم يكن الأدب العربي مستقلاً و قائماً بذاته كلية و إنما استفاد بشكل كبير من الآداب الأخرى و طوع ما يلائمه منها ليصب في روحه العربية أنفاساً جديدة. و برأيي أن الإصرار على الإنغلاق على ما هو قديم هو من قبيل المكابرة و عدم الإعتراف بالتخلف الذي اعترى إبداعنا العربي الذي يعتبر من أقدم الآداب في العالم ، و مع ذلك فهو الأدب الوحيد في العالم الذي احتاج أكثر من أربعة عشر قرناً ليتخلص من القدسية غير المبررة للبنية الإيقاعية للشعر.
أما على صعيد الأدب الإسلامي فما زال شعر التفعيلة الذي تحرر جزئياً من ربقة القيد الضيقة يلقى قبولاً حذراً و محدوداً جداً ، بينما ما زالت قصيدة النثر تعد من المنكرات و الكبائر.
كل هذه الإشكالات أدت إلى إنعزال الأدب الإسلامي و اغتراب الأديب الإسلامي عن الواقع الثقافي ، بالإضافة إلى غربة الأديب الذي يقدم إبداعاً راقياً و ملتزماً أخلاقياً ، فلا الليبراليون المسيطرون على الواقع الثقافي يقبلونه ، و ليس ثم مكان له تحت مظلة الأدب الإسلامي التي إن قبلته فإنها لن تدعمه في ظل حاجتها الخاصة إلى الدعم.
برأيي أن الأدب الإسلامي بحاجة إلى مراجعة كاملة لمفاهيمه ليكون قادراً على التواجد أولاً ثم البقاء، فعلى المستوى الفكري لم يعد الأسلوب الخطابي الوعظي المباشر مقبولاً أو مستحباً ، بل أنه يصير ثقيلاً على النفس في كثير من الأحيان لما فيه من روح الوصاية و الفوقية ، و إنما يجب تجاوز ذلك إلى أفق أنساني رحب يتكيء على آليات فنية راقية ليقوم بتمرير المفاهيم الإسلامية بشكل فني عميق ، و هنا تتجلى صعوبة الكتابة الإسلامية في الحقيقة إذ أنها تحتاج إلى مقدرة فنية عالية و خبرة جمالية كبيرة.
كما يجب أن يتسع نطاق التجربة الإسلامية لتتجاوز الحد الدعوي للكتابة الأدبية ، فمثلاً نجد أن الكتابات الغزلية (عفيفة كانت أم فاضحة) تلقى درجات متباينة من الإمتعاض الذي لا يبرره إلا التزمت الشخصي لأصحابه ، فتراثنا الأدبي يحفل بالكتابات الغزلية التي ليس فيها ما يخدش الحياء أو يخالف شرع الله ، و من منا لم يقرأ لامية كعب التي استغلها بالغزل في حضرة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و برغم ذلك لم يلق ذلك امتعاضاً من جانب النبي الكريم ، برغم أنه لم يكن يليق أبداً أن يستهل نص يمتدح خلق البرية بأبيات من الغزل.
و على المستوى الجمالي فأرى أنه يجب أن يكون حاوياً لكل الأشكال و الأجناس الأدبية دون تمييز أو تحيز مسبق ، حيث أنه لا يوجد شكل يفرض قيمه الأخلاقية كما يتصور البعض ، و إنما الكاتب هو من يفرض هذه القيم من خلال تطويعه للشكل الفني


ساحة النقاش