بعد ارتفاع معدلات العنوسة في المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة فإن إحصائية حديثة للمركز القومي المصري للتعبئة والإحصاء أشارت إلى أن المجتمع المصري به 9 مليون شاب وشابة تعدو سن 35 بدون زواج!
وبلغ عدد الذكور من هذا العدد 5 مليون شاباً، منهم 1.5 مليون قادرون مادياً على الزواج، ولكنهم ممتنعون برغبتهم عن الزواج!
وهو الأمر الذي أصبح ظاهرة مقلقة جعلتنا في "لها أون لاين" نثير هذه القضية المُحيرة والخطيرة لندق ناقوس الخطر، ولنعرف أسباب هذه الظاهرة...
في البداية استطلعنا آراء الشباب لنعرف أسباب امتناعهم عن الزواج...
عدم الثقة
يقول محمد سامي 32 سنة صحفي وصاحب دار نشر:أنا لا أبحث عن الزواج بنفسي، ولا أفكر فيه، وأترك هذا الأمر للظروف، واهتمامي حالياً منصب على عملي بالدرجة الأولى، فالزواج ليس داخلاً في دائرة اهتمامي الآن!
وبشكل عام ومن خلال اختلاطه بالوسط الشبابي يطرح محمد وجهة نظر عدد كبير منهم فيقول: الشباب الذي أتحدث وأتناقش معهم يرون موضوع الزواج من زاوية غريبة، فالشاب لا يثق في الفتاة، حتى زميلته في الجامعة، وقد يصل لدرجة مراقبتها حتى يتأكد أنها لا تعرف شباباً وتصادقهم! فالثقة أصبحت منعدمة، ولهذا يتردد الشباب كثيراً قبل الإقدام على خطوة الزواج. كما أن جيل الشباب الحالي ليس لديه القدرة على تحمل المسئولية بل لا يرغب في تحملها من الأصل، فلأنه يحصل على كل شيء بسهولة والحياة أصبحت أكثر رفاهية من الأجيال السابقة، فهو لا يريد أن يتعب ويتحمل المسئولية.
طموح مادي
هاني مختار 29 سنة مهندس شبكات في شركة اتصالات يقول لنا عن عدم زواجه على الرغم من قدرته المادية:
يتطلب الزواج الآن مبلغاً كبيراً من المال في بداية الزواج لتغطية تكلفة تأسيس المنزل، وليس لدي مشكلة في هذا، ولكن المشكلة أنني بحاجة لمبلغ ثابت شهرياً يكفي مصاريف الحياة الكثيرة، خاصة وأني أريد أن أعيش في مستوى فوق المتوسط، فدخلي الآن يعيشني في المستوى المتوسط فقط، وأنا لدي طموح مادي كبير أريد الحصول عليه، ولذلك لن أقدم على الزواج إلا إذا توافر لي دخل ثابت كبير كما أسعى إلى إنشاء مشروع خاص بي للحياة في مستوى يرضيني ويكون مريحاً.
لا يوجد حافز
أما عاطف حسن 38 سنة صاحب شركة : أنا أبحث عن الاستقرار بكل صوره وليس فقط الزواج الذي يحقق الاستقرار، وحتى الآن لم أجد الفتاة التي أشعر معها بالاستقرار، علاوة على أني أسعى لتحسين دخلي وتحقيق مستوى أفضل في عملي فهذا أيضاً يحقق لي الاستقرار.بعبارة أخرى لا يوجد لدي حافز للزواج الآن.
3 أسباب
كما استوضحنا آراء بعض الشباب الأصغر سناً لمعرفة وجهة نظرهم في القضية:
يقول لنا عبد الله مفتاح 24 سنة محاسب بتركيز شديد :هناك 3 أسباب في وجهة نظري لعدم إقبال الشباب على الزواج :
1. النظر إلى الزواج على أنه مشروع لن يزيد سوى المزيد من المسؤولية والمتاعب بالنسبة للشاب،وغالبا ما يكون هذا الشخص متواكلا وسلبيا.ولا يريد أن يتحمل المسئولية.
2. الخوف من سوء الاختيار وبالتالي الفشل ويكون هذا الشخص ذا علاقات متعددة قبل الزواج، وأغلبها فاشلة.
3. عدم الميل إلى الجنس الآخر نتيجة للتشبع النفسي منه ويكون هذا الشخص منحرفاً.
الخوف
ويرى أحمد الوفائي 23 سنة أن الشباب لا يقبل على الزواج بسبب الخوف! ويضيف: الشباب الآن لا يثق في البنات لأن في الغالب كان له علاقات كثيرة مع فتيات قبل الزواج فلا يثق في من يختارها للزواج أيضاً، أو يكون خائفاً من المسئولية وتبعات الزواج الكثيرة من إنفاق على بيت وأسرة في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة.
الزواج يعوق الطموح
محمود 26 لا يعمل لعدم وجود فرصة تناسب طموحاته, يعمل حرا بالديكور, وينتظر فرصة مناسبة في نفس المجال, هذه هي فلسفته من وجهة نظره, أما عن رأيه في قضية الزواج فهو يراها تقف في طريق أحلامه وطموحاته! لأنه يرى الزواج من القيود التي تعوق طموحاته! وهو يريد التفرغ تماما للعمل في الوقت الحالي, ويضيف من وجهة نظره أنه عندما تأتي اللحظة المناسبة ويشعر بالرضا عن عمله, فلن يتردد في اتخاذ خطوة الزواج.
أما علماء الاجتماع والنفس والدين فقد حللوا لنا الأسباب على النحو التالي:
وسائل الإعلام السبب
بداية يلقي الدكتور صلاح الفوال أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة بالتبعية على وسائل الإعلام فيقول: أصبحت وسائل الإعلام تنقل لنا وللشباب أيضاً نماذجَ جديدة للعلاقات بين الجنسين، فظهر مثلاً الزواج العرفي بتطبيقه الخاطئ بين الشباب، وظهرت الصداقة بين الشاب والفتاة، وكلها مستجدات على مجتمعنا المصري والعربي بشكل عام، وكلها بسبب الإعلام الفاسد، وتظل هذه النماذج في ذهن الشاب فينصرف عن الزواج على كتاب الله وسنة رسوله ويدخل في علاقات مثل التي يعرضها له الإعلام.
فكرة ثقيلة الظل
أما الدكتورة فيروز عمر طبيبة نفسية ورئيس مجلس إدارة جمعية قلب كبير ذات النشاط الاجتماعي فترى أن عدداً كبيراً من الشباب يمتنع عن الإقدام عن الزواج لأن الزواج نفسه أصبح فكرة ثقيلة الظل، لما يحمله الزواج من مسئولية وأعباء جديدة لا يمارسها الشاب قبل الزواج، في حين يرى هذا الشباب أن الزواج يحمل له مكاسب قليلة، وفي نفس الوقت نرى في المجتمع عدم الزواج أصبح يعني الحرية وعدم المسئولية، وأصبح الشاب يتجه لعلاقات أخرى موازية منها الصداقة بين الجنسين لأنها علاقات خالية من المسئولية. علاوة على أن صورة الزواج في المجتمع أصبحت مشوهة سواء بسبب وسائل الإعلام أو بسبب أسرته
- والكلام لدكتورة فيروز- فحالياً الكثير من الأسر تعاني من التفكك والطلاق ومشكلات اجتماعية أخرى مثل أن يقضي الأب غالب وقته في العمل، والأم مهمومة بشئون المنزل، علاوة على تشوه صورة الزواج بسبب وسائل الإعلام، فغالبية الأفلام مثلا تعرض الزواج يحمل المشاكل.
وتتفق الدكتورة فيروز مع الدكتور صلاح الفوال في إلقاء بعض المسئولية في امتناع الشباب عن الزواج على وسائل الإعلام فتوضح : كما أن وسائل الإعلام كرست صورة ذهنية واحدة لشريكة الحياة أنها فتاة مثالية جميلة ومثقفة ودمها خفيف ورشيقة ومؤدبة وهذا نموذج غير واقعي ولا نجده في الحياة. كما أن غلاء الأسعار والظروف الاقتصادية السيئة التي نعيشها يجعل الشاب في حاجة إلى بذل جهد ضخم من أجل توفير مستلزمات الزواج.
لماذا يتزوج؟
أما عن رأي الدين في هذه القضية فيقول الدكتور أحمد يوسف أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة: الشباب حين يكون قادراً على الزواج ويمتنع عنه فهو إما له وسائل غير مشروعة لإشباع غرائزه الجنسية أو أنه ليس له ميول للجنس الآخر من الأصل. وأعتقد أن الاحتمال الثاني أقرب للواقع بسبب العُري والإباحية في وسائل الإعلام، فما يُعرض ليل نهار في وسائل الإعلام أصاب الشباب بالسأم وأصبح يشبع حاجته للجنس الآخر، فطبيعة الإنسان أنه يبحث عن المجهول، والممنوع مرغوب فإذا كان كل شيء متاحاً لإشباع الغريزة، فلماذا يتزوج إذاً؟ وقد تعود على مشاهدة العُري في وسائل الإعلام، فهذا يُضعف رغبته في الزواج وفي الجنس الآخر عامة.
وحين طرحنا عليه وجهة نظر بعض الشباب الخاصة بأنه ينتظر المستوى المادي الأفضل رد بقوله: الزواج سبب من أسباب الغني، والذي يقول أنه يريد مستوى أعلى حتى يتزوج لا يعرف حقيقة الزواج، ويعتقد أن الزواج يرتبط فقط بالإنفاق في حين أن القرآن يخبرنا أنه سبب للرزق في قوله تعالى:"إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، والله واسع عليم.وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله." فلا يأتي أحد بعد هذا ويتحجج بالفقر لأنه تفكير خاطئ. فمما يُروى عن سيدنا أبو بكر الصديق أن الشباب حين كان يذهب إليه يشكو الفقر والعوز كان ينصحهم بالزواج لأنه يجلب الرزق.
كلمة أخيرة
ويتجه الدكتور أحمد يوسف في نهاية حديثه للشباب : أقول للشباب إذا لم يكن لديك القدرة على الزواج فلتستعفف وتجنب إثارة غرائزك وشهواتك حتى تستطيع الزواج، ولا تجعل العمر يمر منك دون أن تتزوج لأن الزواج نعمة وإلا ستجد نفسك كهلاً أو شيخاً دون صاحبة في الحياة ولا ذرية ولا أولاد ودون حتى استقرار وهذه نعم عظيمة منحنا الله إياها، فحتى لو كنت غنياً جداً وكبرت في السن دون زواج ما الفائدة وقتها؟
فإذا كنت قادراً على الزواج فلا تتردد في اتخاذ هذه الخطوة لأن الزواج عاصم لك يحفظك ويحقق لك الاستقرار.
ويؤكد الدكتور أحمد أن نظرة بعض الشباب هذه تقليد للنموذج الغربي المعتمد على النظرة المادية البحتة،ولذلك الزواج يقل في الغرب وهذا يؤدي لتفسخ الأسرة وإذا تفسخت الأسرة لا يكون هناك مجتمع.


ساحة النقاش