هذا الموضوع عرض في أثناء مناقشات ومحاورات مع بعض الأخوة حول كثرة العناية بالمظاهر ، واهتمام الناس بها ، وتفكيرهم فيها ، وجعلها في كثير من الأحوال محور حياتهم ، وعمدة مقاييسهم وموازينهم ، ومرجع أحكامهم على الأمور والأشخاص . وكما نسمع في مجريات أحاديثنا أن هذه الدنيا - كما يقولون – مظاهر ، فإذا أراد الناس أن يقيسوا أو أن يحكموا أو أن يزنوا شخص ، نظروا إلى هيئته ، نظروا إلى مركبه ، نظروا إلى مسكنه ، نظروا إلى ما يبدعه من الألفاظ ، أو ما يسطرّه من الكلمات ، ولم ينظروا إلى ما وراء ذلك ، مما هو الأصل فيما ينبغي أن ينظر إليه في موازين الأشخاص والأحوال مما سيأتي ذكره . والحقيقة أن هذا الموضوع والظاهرة واسعة ، ولا يمكن أن نجعل الحديث فيها شاملاً ، فنحن على سبيل المثال نعرف أن المظاهر في حياة المرأة أكثر وأعظم ، وربما يكون في طبيعة المرأة ما يجعلها تجنح إلى مثل هذا ، كما هو ظاهر من دلالة قول الحق جلا وعلا : { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} ، فطبيعتها أنها تميل إلى الحلية والزينة ، وربما يكون باب التفاخر والتظاهر عندها أعظم. وليس حديثنا في هذا الجانب ؛ فإن لهذا الجانب - كما قلنا - بعض الأسباب إضافة إلى أنه باب واسع ، ومشكلاته كثيرة ، وليس أيضاً حديثنا حول المظاهر العامة في المجتمع ، وإنما أقصر الحديث على العناية بالمظاهر في صفوف الشباب على وجه الخصوص ، وربما أيضاً في صفوف الشباب الذين لهم توجه للخير ، والتزام بالإسلام ؛ فإننا إذا دققنا النظر في هذه الظاهرة وتسربها إلى هذه الفئة وتفشيها نوعاً ما في هذه النوعية ، أدركنا أن المسألة هنا أعظم أهمية ، وأكثر خطراً ، لأن الشباب هم عماد الأمة ، والشباب المقبلون على الخير ، الراغبون فيه هم أكثر من يعول عليه ، وينظر إليه ، ويؤمل فيه ، وينتظر منه العمل لمستقبل أمته ولدينه ؛ فإن شغل بهذه السفاسف ، وإن أغري بهذه المظاهر ؛ فإن هذا مكمن الخطر . وهذا هو الذي سيكون حديثنا عنه في هذا الموضوع - بمشيئة الله تعالى - وأبدأ مستعينا بالله - عز وجل - سائلاً التوفيق منه - جلا وعلا- بأول فقرات هذا الموضوع ، منبهاً إلى أهميته وإلى أن الكلام الذي سيرد ربما لا يعجب بعض أولئك ، وربما يثير حفيظة أو غضب بعض من تلامسه هذه الظاهرة ، ولكن الحق أحق أن يتبع ، ونريد أن نبين ما هو من شرع الله - عز وجل - وما هو مقبول سائر ، وما هو يخرج إلى دائرة المحرم ، وما هو أيضاً وإن كان في دائرة غير المحرم لكنه لا يليق بمن يطلبون معالي الأمور ، ومن ينتدبون للمهمات الصعبة. فنبدأ أولاً بمظاهر المظاهر ، أي ما هي المظاهر التي تدلنا على عناية المرء بالمظاهر ؟ وأين تتجلى صورة هذا الموضوع على وجه الخصوص ؟ الملامح العامة لأهل المظاهر أذكر بعض الملامح التي أحسب أننا عند ذكرها لا نختلف عليها ، ولا نحتاج فيها إلى تفصيل وشرح ، لأنها من الأمور الواضحة الظاهرة. أولاً : المبالغة في التأنق والتزين في اللباس ونحن نعلم - أيها الأحبة - أن الإسلام طلب التزين والتنظيف والتطيب ، لكننا هنا نقصد المبالغة التي صورتها ، فتجد بعض أولئك الشباب يريد أن يكون ثوبه أنصع بياضاً من بياض الثلج ، وألمع من بريق الفضة ، وأعطر من المرأة أو الفتاة في خدرها ، ويريد أن تكون غترته أو عمامته من الكي والجمال والهيئة في الغاية ، ويرغب أن يكون حذاؤه ناعماً صقيلاً ، وفي كل صورة من الصور تجد عنده هذه المبالغة والالتفات. وبذلك ترى أثر ذلك في تحركاته وتصرفاته ، فهو لا يستطيع أن يلتفت كما نلتفت ؛لأنه يخشى أن تنكسر - كما يقولون - كسرة غترته أو نحو ذلك ، يخشى أن يكون في ثوبه بعض ما لا يحبه لنفسه ، فإذا جلس في مكان نظر ثم نظف ثم تأفف ونحو ذلك ؛ لأنه يريد أن يكون على هذه الصورة الوضيئة المبالغ فيها. وكما نرى أن من يكون هذا حاله لا شك أن هذا الوضع منه غير مقبول ، وغير مستساغ عند أهل الرجولة والشهامة ، ولذلك ربما يصفوه بأنه متأنق كالمرأة ، أو متزين كالفتاة ونحو ذلك ، أو كما يسميه الناس في لهجاتهم العامية ، أو في أمثلتهم الدارجة يسمون أمثال هؤلاء فيطلقون عليه وصف " بنت الشيخ " أو يقولون : هؤلاء مثل البنات ونحو ذلك ، ونحن نعني مثل هذه الألفاظ ؛ لأنها هي التي توضح المقصود بما نصفه بمثل هذه الظاهرة. ثانياً : العناية بالأسماء والماركات فهو إذا لبس لا يلبس إلا من النوع الفلاني من الأقمشة ، وإذا خاط ثوبه لا يخيطه إلا عند فلان من الخياطين المشهورين ، الذي له علامة أو الذي له رمز معين ، وإذا لبس حذاءً لا يلبس إلا من طراز معين، فحذاؤه من إيطاليا ، وقماشه من أمريكا ، وغترته من سويسرا ونحو ذلك . وهو مهتم على إبرازه وإظهاره لأنه محور ما يحرص عليه ، ويحرص على اقتنائه ، وهذا أيضاً أمر ظاهر بين يجسد لنا هذه الظاهرة ، ويعطينا وضوحا فيما نقصده من هذه الأوصاف. ثالثاً : المبالغة في الكماليات: فإنك تجد الرجل العملي يكفيه الثوب والثوبان ، ويستغني عن كثير من أمور أمثال هؤلاء الذين يبالغون في الكماليات ، فلا بد أن يكون له عدة أحذية ، وكل حذاء له لون ، ولكل حذاء مناسبة ، وكذلك في الأثواب وخاصةً إذا كانت الأثواب من نوع غير الثياب هذه التي نلبسها ، مثل البنطلون أو القمصان أو غيرها . فتجد عنده اهتمام بالكمال والشكليات والزيادة على الحاجات ، وربما يكفيه بذلك أقل القليل ، ولكنه يحتاج إلى الأكثر والأظهر وهذا أيضاً أمر واضح. رابعاً : الاشتغال بالمظاهر ومتابعتها ليس مجرد حرص على الاقتناء وإنما عقله منشغل بها فتراه يعرف أحدث الموديلات ويقرأ عن ما سيصدر لاحقاً من الموضات ونحو ذلك وترى همه أن فلان لبس كذا وكذا ، وأنه رأى فلان عنده سيارة كذا وكذا ، وأن فلان استعمل ساعة كذا وكذا تماماً كما نسمع عن أوضاع ومجالس النساء فلانة لبست، فلانة عندها فلانة فعلت فلانة تركت ، وتجد هذا - وللأسف أيضاً - موجود في هذه النوعية التي أشرت إليها من شباب في سن ريعان الشباب ، وربما كما قلت ممن له بعض اهتمام بأمور الخير أو إقبال عليه أو التزام به ، لكن هذا الباب إذا فتح عليهم فتح عليهم أبوابا من الخطر والضرر. مخاطر المظاهر: ما أتحدث عنه في النقطة الثانية وهي مخاطر المظاهر المخاطر المترتبة على هذا التأنق وتلك العناية بالأسماء ، وتلك المبالغة في الكماليات وذلك الانشغال بتوافه الأمور وسفاسفها. أولاً : التعرض للكبر فلا شك أن الذي يلبس ذلك اللباس ويتأنق ذلك التأنق أنه في الغالب يخالط نفسه عجباً يدل به على غيره ويرى أنه أرفع من غيره ؛ لأن عنده تلك الماركة ؛ ولأن عنده ذلك النوع ؛ ولأن عنده هذا اللباس الغالي ونحو ذلك . وإذا دخل الكبر لا شك أنه من أعظم المخاطر التي توعد الله عز وجل الداخل فيها والمتلبس بها والمتصف بها أعظم العذاب وأشده ، ولا شك أنه ينظر إلى الناس بنظرة احتقار وازدراء فيدخل في معنى الكبر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم : ( الكبر بطل الحق وغمط الناس ). ثانياً : الوقوع في الكذب وهذا دأب من يغتر ويعتني بالمظاهر لأن المظاهر غالبا ما تدعو إلى المفاخرة والمكابرة ، فإذا لم يكن عنده على الحقيقة ما يفخر به فربما جره ذلك إلى الكذب مجاراة للآخرين ؛ لأن بيئته التي تحيط به و الجو الذي ينصبغ به هو الجو الذي يعنى بمثل هذه الأمور .. فمثلاً قد يقول قائل : ذهبت أو سافرت إلى أمريكا ورأيت كذا وكذا ، فيقول هو : أما أنا فلم تعجبني أمريكا لكن عندما ذهبت إلى سويسرا وجدتها أفضل ! وهو لم يذهب إلى هنا ولا إلى هناك ولكن يريد أن يكون مثل الناس وأن يتباهى بمثل هذه الأمور . وإذا قيل إن فلان اشترى كذا أو عند فلان كذا يقول : نعم أخذت هذا ولكنه لم يعجبني ، فغيرته وبدلته .. فهذا الباب وهذه الأجواء تجر صاحبها ولو بالتدرج ولو بالقليل أحياناً إلى الكذب والكذب صغيره وكبيره خطر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سألته أسماء بنت يزيد فقالت له يا رسول الله: إحدانا تقول للشيء لا أشتهيه وهي تشتهيه قال عليه الصلاة والسلام:( إن الكذب يكتب كذباً حتى تكتب الكذيبة كذيبة ) . وأصحاب المظاهر دائماً عندهم مجاملات ومبالغات ونوع من المنافسات تجر أصحابها - وإن كانوا من أهل الخير - أحياناً إلى الكذب .. قد يبدأون أيضاً بالتورية التي هي نوع من المعاريض التي ليس فيها كذب صريح ، ثم يلجأون بعد ذلك إلى الكذب الصريح في صغير من الأمور ، ثم يقودهم بعد ذلك إلى ما هو أكبر من ذلك ؛ لأنه يريد أن يتطاول ويريد أن ينافس وأن يفاخر فيدفعه ذلك إلى مثل هذا. ثالثاً : القرب من المخالفات الشرعية فإن مثل هذا الجو الذي فيه هذا التنافس المحموم الذي لا يقيم في الأساس وزناً عظيماً للدين والتدين ، ولا للإقبال على الله عز وجل والإقبال على الآخرة يهون في نفس الإنسان بعض المخالفات الشرعية لأجل هذه المظاهر ؛ فإن كان من المظاهر وتمامها وجمال الأناقة ولزومها أن يرخي ثوبه ؛ فإنه يرخيه في أول الأمر إلى حدود الكعبين ، ثم يزيد بعد ذلك قليلاً ويقول لا بأس هذا لم يتجاوز الكعبين ويزيد بعد ذلك ويزيد وربما يتجاوز بعض الناس هذا إلى أن يلبسوا ما فيه شبهة أو حرمة كأن يلبس الأثواب الرقيقة الناعمة لا يسأل عنها وإذا هي إما من الحرير أو مخلوطة من الحرير . وقد يتأنق بعضهم كما نرى في أحوال الناس فيتختم أولئك بالذهب ، وبما حرم الله عز وجل من الملابس ، وهذه أمور كثيرة يلج منها أرباب هذه المظاهر إلى الوقوع في المخالفات الشرعية الصريحة الواضحة سواءً في هيئاتهم ولباسهم أو في مجاملاتهم .. يذهب إلى أهل المظاهر فيقدمون له الطعام في أواني الذهب والفضة فيرى أن من التخلف أو من عدم التمدن أن يقول إن هذه حرام ! وقلّ أن تجد من الخائضين في بحر المظاهر من يقف وقفة واضحة صارمة عندما يكون هناك داع أو ظرف يقتضي فعل المحرم أو ممارسته قليلون أولئك ؛ لأن هذا التيار يغمر ويبهر ويؤثر على القلب ويضعف العزيمة في الحق ، فتجد صاحبه يراعي المظاهر أكثر مما يرعى الأوامر والنواهي الشرعية ويكون عنده خوف غضب الناس وذمهم له أعظم عنده في واقع الأمر من نظره إلى غضب الله عز وجل أو وقوعه في دائرة الذم الشرعي وهذا لا شك أنه من أعظم مخاطر هذه المظاهر. رابعاً : التكلف المرهق فإن هذه المظاهر ما تزال تستنزف من المرء ماله وجهده ووقته في مظاهر لا تنتهي والمثل الذي نعرفه يقولون فيه : " مد رجلك على قدر لحافك " . لكن من دخل في المظاهر يمد رجله على قدر كلامه ، وعلى قدر غطرسته ، وعلى قدر مظاهره فإذا كان - وهذا الغالب- يخالط أهل المظاهر الذين عندهم الإمكانيات ؛ فإنهم إذا دعوه دعوة إلى الغداء أو إلى العشاء إنما يدعونه إلى فنادق فخمة أو إلى بيوت هي من القصور الفارهة ، فإذا أراد أن يدعوهم دعاهم بمثل دعوتهم فيجلب على نفسه الويل والثبور وعظائم الأمور وهذا كثيراً ما يقع فيه الناس . وبعض أولئك الذين يخوضون في هذا البحر المتلاطم فإذا به يكلفهم ويرهقهم مالياً وحتى معنوياًً لماذا ؟ لأنه يسعى إلى أن يكون دائماً في كل محفل ومناسبة وكل محفل ومناسبة يحتاج منه إلى تأنق وتألق وتجمل ويحتاج منه إلى أمور هي أيضاً من الأمور المرهقة مالياً ومعنوياً و أولئك القوم من أهل المظاهر ومن أهل الجاه ومن أهل المال ربما يطلبونه لأمر من الأمور ، و إذا أراد أن يكون من أهل المظاهر لابد أن يلبي دعوتهم ، ولا بد أن يسارع إليهم ، وأن يقدم لهم ما يطلبونه من طلب حتى يكون من المقربين .. وهذا ديدن من يكون كذلك . وهذا لا شك أنه أيضاً يجعله دائماً مرهقاً متعباً ، لاهث الأنفاس ، مستنزف الأموال .. ومع ذلك يكون في نفسه دناءة وذلة من أثر هذا الأمر الذي يفخر به على غيره ، لكنه أيضاً يسعى به ويسعى بنفسه إلى أن ينال الحظوة عند من هو أعظم منه أو أكثر أبهة أو فخامة كما يقال . خامساً : تعطيل وتأجيل الأعمال أصحاب المظاهر كثيراً ما يكونون بعيدين عن الجد مثلاً إذا كان عنده موعد أو عمل ولكن ليس عنده غترة مكوية لا يستطيع أن يخرج من بيته يبقى في بيته لا يستطيع أن يتحرك لماذا؟ لأنه كيف يظهر للناس وعنده هذه المشكلة العظمى والعائق الكبير ؟ وإذا وجد في ثوبه قطرة من حبر أو شيء لا يستطيع أن يخرج لا يستطيع أن يؤدي عمل إذا جاء في أمر واحتاج منه إلى عمل حتى يأخذ أو يرفع أو يخفض أو يحمل ؛ فإنه لا يستطيع دائماً متأنق كيف يمكن أن يحمل شيئا أو أن يحمل كيساً أو أن يرفع صندوقاً أو نحو ذلك . فتجده دائماً أسيراً لهذه المظاهر ليس عنده جدية في العمل كما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وإما أن يبقى أسيراً لهذه المظاهر الفارغة ، فهذا ضرب من ضروب التأنث من جهة وضرب من ضروب الكسل وعدم العمل ، ونوع من التراخي والركون إلى الأرض وعدم الجدية المطلوبة في حياة الإنسان المسلم. سادساً : الطمع وعدم القناعة هذه المظاهر كالأضواء الخاطفة تخطف الأبصار كلما رأى شيء تعلق قلبه به ، وكلما اقتنى شيئا تأملت نفسه في غيره وما يزال دائماً ينظر إلى الأعلى ، وكما نقول نحن دائماً في الأمثلة يقولون : " الذي يطالع فوق رقبته تنكسر " . وهؤلاء كذلك دائماً ينظر إلى الأعلى ينظر إلى هذا وينظر إلى ذاك ويريد أن يكون عنده مثل هذا ومثل ذاك يريد أن يقتني مثل هذه الأمور يريد أن يكون على مثل تلك الأحوال وما يزال دائماً في سباق محموم مع هذه المظاهر التي لا تنتهي ولن تنتهي ويضحك أعداءنا علينا كل يوم يخرجون لنا نفس البضاعة لكن باسم جديد أو بشكل جديد يستنزفون بها أموالنا ويسخفون عقولنا ، وما يزال بعض أولئك القوم في طمع، وفي هلع دائم لا يمكن في غالب الأحوال أن يصلوا إلى قناعة ؛ لأن الجو يضغط عليه لو أراد أن يصل إلى هذا الحد ويقول : أكتفي سيجد في الأضواء المحيطة به من يقول له مالك هذه السيارة لها ستة أشهر لم تغيرها أو سنة وهو في جو بعض الناس يغير سيارته كل شهرين أو ثلاثة أو قل أقل من ذلك أو أكثر ! إن الجو المحيط به يجعله يندفع شاء أم أبى . سابعاً : الأنانية وتقديم المصلحة الشخصية فإن من يعتني بهذه المظاهر لا يهتم إلا بنفسه في الغالب لا ينشغل بأحوال الآخرين ولا ينشغل بأحوال الأمة كيف ينشغل بأحوال الأمة وهو يترقب الموديلات وعناوين المجلات وأسماء العطور وأنواع الأحذية ، وما فعل فلان والمناسبة الفلانية والدعوة الفلانية ! هو مشغول بهذا فهو لا يفكر إلا في ذاته ولا ينحصر إلا في شخصيته ، ولا يطلب إلا المزيد من هذه المظاهر التي يحرص عليها ، ويتعب لأجل تحصيلها .. فلذلك أمثال هؤلاء في غالب الأحوال تطرأ عليهم المظاهر حتى تنسيهم حتى أقرب المقربين إليهم ، ربما يكونون ذوي قرابتهم في حاجة إلى بعض المال وهو يصرفه على بعض البذخ أو على هذا التأنق ، أو على هذه المظاهر الفارغة .. ربما تكون أمته ربما يكون بنو جلدته ، ربما يكون المسلمون في شرق أو غرب يسامون سوء العذاب يحتاجون منه إلى تأثر قلبي على الأقل ، يحزن لحزنهم ، ويفرح لفرحهم ، فهو لا يحزن إذا حزن إلا على فوات المصلحة ، أو أنه لم يدع في تلك المناسبة ، أو أنه لم يحظ بجلسة مع فلان ، أو يكون معه في حديث خاص أو لقاء منفرد أو نحو ذلك مما ينظر إليه هؤلاء ؛ فإنه حينئذ لا تكون عندهم إلا هذه الأمور وإذا جاء من يطلبه مصلحة أو من يحتاجه في أمر نظر هل هذا الشخص إذا قضى له المصلحة ستكون له عنده حظوة أو منه فائدة أو يرجى أن يذكره في مجلس من المجالس أو في مظهر من المظاهر إن كان كذلك فهو إليها مسارع وإليها مبادر وإلا في الغالب إن قال أو وافق ؛ فإنما يوافق على مضض أو للمجاملة ثم يهمل وينسى ولا يهتم ، ثم إذا طلب منه أحد من علية القوم أو من أولئك الوجهاء أصحاب المظاهر ؛ فإنه لا يبيت ليلته حتى يفعل الأمر المطلوب أو المصلحة المرجوة ، ثم يتصل ويقول : فعلت كذا وكذا لعله إن شاء الله ينال رضاكم واستحسانك ويضخم ويبجل ويعظم ، وكما يقولون يضرب الفرش أما في أصحاب الخير أو في قضاء مصلحة محتاج فكثير ما ينشغل أولئك عن هذه الأمور ، ويضربون عنها صفحاً ولا ينشغلون بغير ما يعود عليهم بنفع مباشر . ثامناً : التعلق بالدنيا وأهلها وهو قريب من الذي سبق تعلق بالدنيا ، فلا ترد الآخرة على قلبه ولا على خاطره ، شيئاً فشيئاً تعمي الدنيا قلبه وتخطف بصره وتشغل فكره فإذا فكر في أمراً فإنما يفكر فيه بمقياس الربح والخسارة الدنيوية ، ولا يخطر بباله الربح والخسارة في الآخرة يبقى دائماً ينظر إلى كل شيء من خلال الدنيا وإذا أحب فإنه لا يحب إلا لأهل الدنيا ترى بعض أولئك إذا جاء الرجل من أهل المظاهر هش له وبش ، وقام ورحب وبجل كما ذكرت وإذا قدم الرجل عليه ربما يكون عند الله من أقرب المقربين ومن عباد الله الصالحين لكنه لا يلتفت إليه ، وإذا صافحه صافحه بأطراف أصابعه ، وإذا نظر إليه نظر إليه نظراً عابراً عارضاً لا يكترث له ولا يحتفل به ، ولا يرى أنه رآه وهذا كما أشرت هو صورة من صورة الكبر في غمط الناس واحتقارهم ؛ وبالتالي تجد بعض أولئك القوم يترفع عن غير أهل المظاهر إذا جلس إلى جنب إنسان يقبض عنه ثوبه ، كأنما يخشى من وباء خطير أن يعديه ، وتجد بعض أولئك القوم يترفع كما في قصة جبلة بن الأيهم لما كان يجر إزاره وهو يطوف فوطئه أحد الأعراب عن غير قصد ، فرأى أن ذلك نال من كبريائه وعظمته فالتفت ولطم الأعرابي فشكا الأعرابي إلى عمر رضي الله عنه ، فعلم جبلة أن عمر سينتصف للمظلوم من الظالم ويقتص له فرأى جبلة أن كبرياءه وعظمته أعلى من أن يقتص لأعرابي منه ، فمضى وتنصر وهرب إلى بلاد الشام فانظر إلى ما قد تقود إليه مثل هذه المظاهر الفارغة والعجب بالنفس والتيه الذي هو من شر صفات الإنسان عموماً ، ويكون أقبح وأرذل من المسلم وكذلك من الشاب المسلم الذي فيه خير وله عناية بالخير. تاسعاً : اختلال الموازين من كان كذلك كما أشرت لا يقيس الناس إلا بتلك المظاهر فقيمتك عنده بقدر ما عندك من مال أو جاه أو مظهر يجمعها ويعطيك الدرجة من مائة ! أما صلاتك أما زهدك أما عبادتك أما دعائك أما من هذه الأمور فليست عنده لها قيمة ولا وزن وهذا قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم ورأى وبين لأصحابه تأثرهم بالمظهر في صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس : ما رأيك في هذا ؟ فقال رجل من أشراف الناس : هذا والله حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مر رجل آخر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا ؟ فقال يا رسول الله :هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع أن لا يشفع ، وإن قال أن لا يسمع لقوله ! فقال عليه الصلاة والسلام : ( هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا ) . هذا الفقير خير من ملء الأرض من مثل ذاك إذا كان من الصالحين من العابدين من المتقربين إلى الله سبحانه وتعالى ؛ فإن المقياس والميزان إنما هو الميزان عند الله سبحانه وتعالى كما سيأتي في تفصيل القول لاحقاً ، فينبغي لنا أن ننظر إلى مثل هذا قد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام عن علامات آخر الزمان فذكر منها هذه السمة سمة اختلال الميزان وأن يكون قدر الإنسان وشرفه وعظمته عند الناس على غير ميزان الشرف هذا الحديث الطويل عند البخاري من حديث حذيفة الذي جاء فيه ؛ حتى يقال أن في بني فلان رجلاً أميناً ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان .. هذا الذي يقال ما أعقله ما أجلده ما أظرفه ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ، ومع ذلك انتكست موازيين الناس واغتروا بالمظاهر وفتنوا بها حتى قالوا فيه ما أعقله ! ما أظرفه ! ما أجلده ! على صيغ المبالغة وهو كالطبل الأجوف في الحقيقة الإيمانية وفي الميزان الرباني كالهباءة التي لا قيمة لها .. ومع ذلك نرى بعض الناس من أهل الخير إذا دخلوا في متاهة هذه المظاهر وقعوا في مثل هذا الأمر الخطير وهو من مخاطر المظاهر . عاشراً : موات القلب وانطماس البصيرة وضعف في الإيمان لأن هذه فتن والفتن تعرض على القلوب كالحصير عوداً عودا فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء ؛ فإن تاب واستغفر صقل منها وإلا أصبح قلبه - والعياذ بالله - أسود مرباداً كالكوز مجخياً ، لا يعرف معروفاً ، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه .. وهذا هو أعظم هذه المخاطر كما ذكر ابن القيم أخطر شيء هو موت القلب فلا يعلم أنه على خطأ ولا يشعر أنه وقع في معصية ولا يستعظم أنه خالف أمر الله أو خالف أمر رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا لا شك أنه من أخطر المخاطر . تذكير وتنبيه لأهل المظاهر ثم ننتقل إلى الشق الثالث وهو : بداية التنبيه والتذكير ووضع الأمور في نصابها ووضع النقاط على الحروف - كما يقال - حتى نرجع إلى صوابنا ، ونذكر إخواننا ، ونعرف ما ينبغي أن نكون عليه ونحن أهل إسلام وأهل إيمان وأهل التزام وأهل دعوة فيما ندعي ، وأهل نصرة للإسلام والمسلمين فيما نقول بألسنتنا ينبغي أن ننتبه .. فأذكر في ذلك : أولاً : مصائر المظاهر هذه المظاهر إلى أين ستصل ؟ فكر أخي يا صاحب المظهر يا صاحب تلك الملابس الأنيقة وتلك الأشياء الثمينة فكر لا أقول في كل شيء ولكن في أمرين وموقفين اثنين فحسب هذه المظاهر إما إلى القبر وإما إلى الحشر فانظر في القبر إي ثوب ستلبس وأي ماركة من الماركات ستصحب وأي حذاء ستنتعل وأي شيء ستغطي به رأسك وأي عطر ستطيب به نفسك هل فكرت أن هذه المظاهر لا أقول ستلغى بل لن يكون لأي مظهر من المظاهر وجود سيلف كل إنسان في خرقة كفن يدرج فيه لا أكمام له لا زينة فيه لا مجال لتأنق ولا لتألق ولا لشيء فإذا كان هذا هو مصير هذه المظاهر فلماذا نعظمها ونقدسها وننشغل بها ونلتفت إليها ونسعى ونجد ونكد لأجل أن نحظى بها ثم انظر إلى موقف الحشر هذا حديث عائشة رضي الله عنها: يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غُرلا ، قالت عائشة: يارسول اللـه الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ! قال: ياعائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك .. فأي شيء ستقف فيه بين يدي الله عز وجل .. تلمح الرسوم ، وتغيب المراتب ، ولا يكون للمرء شيء في ذلك الموقف إلا الموازين التي أهملها أولئك الذين شغلوا بالمظاهر ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ليس بينه وبينهم ترجمان ، فينظر أيمن منه فما يرى إلا ما قدم ، وينظر أسفل منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر خلفه فما يرى إلا ما قدم .. فينظر أمامه فيرى النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة ) ، أين أنت أخي المسلم ؟ أين أنت يا صاحب المظاهر ؟ أين غاب عقلك ؟ أين ذهب إيمانك ؟ أين تبددت حقائق القرآن والسنة ؟ أين ذهبت كل هذه الأركان من أركان الإيمان التي نعتقدها ونجزم بها ونعرفها ونقرأها آيات تتلى ، ونعرفها أحاديث تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مع ذلك ننشغل بمثل هذه الأمور والتوافه التي في الأصل أن يحتقرها الإنسان المسلم ولا يأخذ منها إلا بما هو في حد الاعتدال المشروع الذي سأذكره . تنبيهات وتحذيرات : ننبه بها أنفسنا ونخص بالتنبيه أولئك من أصحاب المظاهر : أولاً : الحرمان الأكبر إن كنت تبغي بهذه المظاهر شيئاً من الوجاهة وبعض من الثناء وحظاً من الرفعة ؛ فإنك ربما حصلت على هذا ولكنك حرمت الحرمان الأكبر الذي ذكر في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الشيخين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لاينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء ) حسبك هذا الحرمان أن تحرم من نظر الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم العصيب ، وأن تحرم هذا الخير العظيم ؛ فإنه قد ورد الحديث أيضاً عند الشيخين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً ) ، وفي حديث حارثة بن وهب عند أبي داود في السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يدخل الجنة جواض ولا جعظري ) ، والجواض غليظ القلب الذي يكون فيه قسوة ، وهذه القسوة بعض آثار تلك المظاهر عند أصحابها وأربابها .. واستمع إلى الرواية التي يرويها أبي هريرة ويعطينا فيها درساً في ما ينبغي أن نحرص عليه إذا وجدت عندنا بعض أسباب العظمة وأحاطت بنا بعض مظاهر الفخامة والأبهة هذا أبو هريرة يروي الحديث في رواية محمد بن زياد قال : سمعت أبو هريرة يقول - وقد رأى رجلاً يجر إزاره وجعل يضرب الأرض برجله - وأبو هريرة أمير البحرين أي في موضع الفخامة والمظاهر والأبهة - فقال أبو هريرة للرجل : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا ينظر يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً ) ، قال محمد بن زياد : وكان أبو هريرة يستخلف على المدينة فيأتي بحزمة الحطب على ظهره ، فيشق السوق وهو يقول جاء الأمير جاء الأمير حتى ينظروا إلى أميرهم وهو يحمل الحطب فوق ظهره لا يتعالى عليهم ، ولا ينشغل بالمظهر عن حقيقة ما هو منتدب له ، وعن حقيقة مهمته . من هذا الذي من أهل المظاهر سينكب اليوم ليحمل حطب على ظهره فيتسخ بذلك ثوبه، ويحتقر عند الناس مظهره إلى آخر ذلك . ثانياً : الخزي الأعظم وهو أمر من الأمور التي ينبغي أن يتنبه لها ويحذر منها كل من اغتر بالمظاهر تلك التي يريد أن يسمو بها ويرتفع ويتضخم وينتفخ - كما قلنا - كالبالون أو كالطبل الأجوف ؛ لينظر ما سيكون عليه من الخزي من كان كذلك وليس له عند الله حظ ولا نصيب ، ولا في الإيمان والطاعة قدر يشفع له عند الله عز وجل .. هذا الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان فيساقون إلى سجن في جهنم يقال له بُوْلس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال ) أخرجه الترمذي وحسنه. واستمع أيضاً إلى حديث سلمة بن الأكوع عند الترمذي بسند حسن ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم ) . والنبي عليه الصلاة والسلام وهو ينبهنا على هذا يذكرنا بالميزان الحق الذي سنذكره بشيء من التوضيح كما مر بنا في اختلال الموازين .. هذا حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عند الترمذي أيضاً بسند حسن قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة فقال : ( يا أيها الناس: إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها - هذه المفاخر التي كانت عندهم - الناس رجلان بر تقي كريم على الله عز وجل ، وفاجر شقي هين على الله عز وجل الناس كلهم بنو آدم وخلق الله آدم من تراب ) . كما نقول نحن لكل من يتكبر أو يتباهى كلنا أولاد تسعة كل الناس خلقتهم واحدة كلهم من طينة واحدة كلهم مهما علا وتكبر لا يستطيع أحدهم أن يعدو قدره ولا أن يتجاوز مقداره في ميزان الله عز وجل وتجري عليه أقدار الله عز وجل ، وفي حديث أبي هريرة وهو شاهد للحديث الذي قبله قال عليه الصلاة والسلام ( لا ينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم ) ،كانوا يفتخرون بالآباء من أهل الكفر واليوم ربما يفتخر بعض الناس بمن ليس له كما قلنا مثقال حبة خردل من إيمان يتباهون بأنه يعرف فلان وفلان ويتباهى بأنه قابل فلان أو فلان دعاه أو أن فلان أجاب دعوته في منزله وهذا ليس من أهل الإيمان. ثالثاً : المحتقرون العظماء الذين هم عند الله - عز وجل - عظماء لكنهم عند أهل المظاهر حقراء ينظرون إليهم شزرا ، ولا يرون أن لهم موقع من الإعراب كما يقال أولئك الذين في مقياس أهل المظاهر لا قيمة لهم عند الله عز وجل في مراتب العظمة والشرف والمجد يدلنا على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة شهيد وعفيف متعفف وعبد أحسن عبادة الله ونصح لمواليه ) ،وفي حديث حارثة بن وهب عند الشيخين ما هو أظهر في هذا المعنى : ( ألا أخبركم بأهل الجنة قالوا : بلى قال : كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ) ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ) رب أشعث أغبر ذي طمرين ملابس رثة ليس فيها أثر النعمة مدفوع بالأبواب أي يطرد من الأبواب لا يستقبل ولا يكرم ، لو أقسم على الله أن يفعل شيئاً أو أن يجيب دعاء لأبره الله عز وجل لعظيم منزلته وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام ذلك في حق البراء بن مالك فلما كان يوماً في معركة جاء الصحابة وقالوا له: يا براء إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال فيك كذا وكذا فادعو الله ، فقال : اللهم امنحنا أكتافهم وارزقني الشهادة فما انقضى اليوم إلا بنصر للمؤمنين وشهادة للبراء رضي الله عنه وأرضاه .. فأولئك هم المحتقرون العظماء يحتقرهم الناس بمقاييس المظاهر الفارغة . وقد كان أبي هريرة كما مر بنا يحمل فوق ظهره وحسبنا في ذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرد بعض ذلك أيضاً حديث أبي أمامة يدلنا أيضاً على هذا ، وهو حديث قال فيه عليه الصلاة والسلام ( إن أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذي ذو حظ من الصلاة أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضاً في الناس لا يشار إليه بالأصابع … ) رواه الترمذي وحسنه وله شاهد أيضاً قال : ( إن أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذي - يعني متخفف - ذو حظ من الصلاة أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضاً في الناس لا يشار إليه بالأصابع وكان رزقه كفافاً فصبر على ذلك ثم نقر بيده فقال عجلت منيته قل تراثه قلت بواكيه ) حتى عندما مات لم يكن عنده مال ولا ثروة عظيمة ولم يكن له بكائون يبكون،بعضهم بالأجور، ويبكون بالنفاق والمداهنة لأجل المظاهر الفارغة لم يكن له ذلك لكنه كان عند الله عز وجل من الأتقياء الأخفياء الذين يرفع قدرهم عند الله عز وجل .. فافرح بنفسك يا صاحب المظاهر ولكن الفرح الحقيقي لأولئك وبهذا الإسناد أيضاً روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت لا يا رب ولكن اشبع يوماً وأجوع يوماً فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك ) وهكذا ينبغي أن ننظر إلى هذا الأمر . رابعاً : العظماء التافهون الذين هم على عكس ذلك ذكرنا بعض صورهم عندما ذكرنا : ما أعقله ! ما أجلده ! ما ظرفه ! وليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان .. وهذا من علامات آخر الزمان كما ورد أيضاً في حديث حذيفة عند الترمذي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : ( لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس لكع ابن لكع ) .. تافه غر غبي أحمق مغرور ، مفتخر على الناس بخرق يلبسها ومال يبذله أو يفتخر به على الناس فيكون هو أسعد الناس حظاً وأعلاهم منزلة ، وهو في الحقيقة تافه لا قيمة له في ميزان الله سبحانه وتعالى . خامساً : العقاب الشديد ليس مجرد خزي ولا مجرد حرمان بل عقاب يوشك أن يقع على أولئك إذا خالفوا أمر الله عز وجل ، كما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيته إذ خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ) وفي رواية البخاري من حديث عبدالله بن عمر : ( بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ) ، وهكذا نذكر أنفسنا ونقول في آخر هذا التذكير ينبغي أن يكون لنا تصرف صائب وهو الميزان الصحيح الذي ينبغي أن نكون عليه وينبغي أن نأخذ به ونستمع فيه إلى توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما علمنا وبين لنا فقال في معنى حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام : ( إذا نظرتم فلا تنظروا إلى ما فوقكم ولكن انظروا إلى من دونكم فإنه أحرى ألا تزدروا نعمة الله عليكم ) . ماذا يريد أهل المظاهر ؟ الشرف والعظمة وعلو المنزلة: أشرف الشرفاء وأعظم العظماء وسيد السادات محمد صلّى الله عليه وسلم كان يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويكون في معونة أهله ، وكان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع ، وهو خير خلق الله أجمعين .. وهذا هو الشرف فإذا رأى أولئك أنهم يريدون تلك المراتب بمثل هذه المسالك ؛ فإنما هم على أحد حالين : إما أن يكونوا خالفوا هدي رسول الله علية الصلاة والسلام ، أو اعتقدوا لأنفسهم هديً وطريقاً أفضل من هديه وطريقه عليه الصلاة والسلام ، وكلاهما أمران أحلاهما مر - كما يقال - ألم يسمعوا حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم - وهو مروي من طريقين - يعضد أحدهما الأخر بما يحسن به الحديث إن شاء الله روي من حديث أنس وروي كذلك من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين -في رواية أنس : قالت عائشة :لم يا رسول الله - قال إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا ، يا عائشة لا تزدري المسكين ولو بشق تمرة ، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة ) رواه الترمذي . هذا حديث رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وذكرى يقول فيه كما في سنن ابن ماجه من حديث أبي أمامة الحارثي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( البذاذة من الإيمان ) البذاذة يعني التقشف وعدم العناية بالتأنق والمظهر .. كن صاحب ثوب نظيف ونعل نظيف لكن بالقدر المطلوب. واستمع إلى صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا كيف كان الصحابة وهم في الضراء وهم في السراء عندما كانوا لا يجدون ما يأكلون ، وعندما صاروا أمراء هذا عتبة بن غزوان كما في الصحيح مسلم يروي لنا وهو أمير مكة يروي خالدبن عمير العدوي يقول : " خطبنا عتبة ابن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرام ، وولت حذاء ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء - يعني قليل - يتصابها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً لا يدرك لها قعرا والله لتملأن جهنم " أفعجبتم وقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة ولا يأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام ، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول لله صلّى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها ، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار ، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا " انظروا إلى القول عرفوا الحقيقة الجوهرية وما غيرتهم المظاهر ولا غيرت حقيقة جواهرهم وقلوبهم : " وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملك فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا " ، هكذا قالها صحابي من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلم يبين منزلة الدنيا ويذكر بالآخرة نعيمها وجحيمها ، ثم يبين تبدل الأحوال وأن المرء ينبغي أن يكون على خير ما يكون. ثم انظر إلى العظماء من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم الذين قادوا الجيوش ، وفتحوا البلاد ، وملكوا الأمصار .. ومع ذلك ما نقص من قدرهم عدم رعايتهم لتلك المظاهر . استمع إلى بعض هذه النماذج - ولو فتحنا باب النماذج لنقضى ليلنا ونهارنا ولم نستطع أن نلم إلا بأقل القليل منها : هذا أبو هريرة يروي عن نفسه يقول : إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة - أي من ذكر الحديث - وإني كنت ألزم رسول الله صلّى الله عليه وسلم لشبع بطني حتى لا أكل الخمير ، ولا ألبس الحرير ، ولا يخدمني فلان وفلان وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع وإن كنت لا أستقرئ الرجل الآية وهي معي - يأتي إلى بعض الصحابة يقول له أقرئني آية كذا وهو عنده ويحفظها - كي ينقلب بي فيطعمني - ما يريد التعليم وإنما يريد الطعام - وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فيشقها فنلعق ما فيها . والحديث في رواية البخاري . وفي وصف حال أشرف الناس صحب رسول الله مصعب بن عمير ، الفتى الذي كان أعطر شباب مكة وأحسنهم لمة الذي كان في أرق صور النعمة والترف خرج من كل ذلك لله ولرسوله حتى لما أقبل مرة وهو في ثيابه الغلاظ بعد أن انحسرت عنه النعمة ، ومنعت عنه أمه أسباب الوجاهة والثراء بكى رسول الله وتأثر لحاله ثم قال : ( ولقد رأيته وما في مكة أعطر منه ولا أحسن لمة منه ما أخرجه من ذلك إلا حب الله وحب رسوله ) . قتل يوم أحد قالوا : " فلم نجد ما نكفنه به إلا بردة إذا غطينا رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجله خرج رأسه ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه ، وأن نجعل على رجليه شيئاً من الإدخر ". وفي البخاري أن عبد الرحمن بن عوف كان صائماً ، فأوتي له بطعام فيه صنفين من الطعام فبكى ، قالوا : وما يبكيك يا عبد الرحمن ؟! قال: " ذكرت مصعب بن عمير مات يوم مات - وذكر قصته - وأنا أفطر اليوم وعندي صنفين من الطعام أخشى أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا ". وأبو هريرة يخبرنا عن أصحاب الصفة فيقول : " رأيت سبعين من أصحاب الصفة ، ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء ، قد ربطوا في أعناقهم منها ما يبلغ الساقين ، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيديه كراهة أن ترى عورته " رواه البخاري . ونختم هذه النماذج بالرجل العظيم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه روى الإمام مالك في الموطأ عن أنس قال : " رأيت عمر - وهو يومئذ أمير المؤمنين - وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث لبد بعضها على بعض أي في ثوبه ثلاث رقع " وأذكر هذه النماذج ؛ لأننا نقول إن القوم كانوا على زهد وكانوا لا يكترثون للمظاهر في الحدود المشروعة . وهذا هو الذي سأختم به الحديث كما أشرت تحت عنوان : توضيح وتصحيح : حتى لا يعترض معترض فنحن وقد نقدنا هذه المظاهر بما قد يكون فيه بعض الشدة والهجوم فإني في آخر الأمر أبين ما هو معلوم من شرع الله عز وجل ولكن الذي ورد به الشرع حد ليس فيه مثل هذه المبالغات وليس فيه مثل هذا الاهتمام والانشغال الذي ذكرنا الانتقاد الذي فيه والتنبيه الذي عليه نعلم أن المسلم ينبغي أن يكون ذا مظهر وهيئة حسنة وثياب نظيفة ، وقد ورد في الحديث المشهور لما قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر ) ، فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسنا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ) فهذا أمر مشروع مطلوب. ونعلم أيضاً حديث أبي هريرة عند أبي داود عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه آتاه رجل ، وكان جميلاً ، فقال : يا رسول الله إني رجل حبب إلي الجمال ، وأعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد ، إما بشراك أو نعل أو شسع نعل أفمن الكبر ذلك ؟ قال: ( لا، ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس ) . والمقصود بهذا هو التوسط والاعتدال وعدم المبالغة وكثرة الانشغال وأن لا نقع في مثل المخاطر التي ذكرناها بأن تقيدنا هذه المظاهر ، وأن تكون هي شغلنا الشاغل ، وأن تأسرنا وتقعدنا عن الأعمال ، وإنما هي بحسب الحاجة وبمقدار معتدل معقول . نعلم أيضاً أن الإسلام حبب التطيب والتجمل في الجملة وورد في سنن الترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أنه قال: ( الحناء والتعطر والسواك والنكاح من سنن المرسلين ) وهذا أيضاً معلوم وقد ورد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجل شعثاً فقال ( أما يجد هذا ما يسكن به شعره ) ، ورأى رجل ثيابه وسخة فقال : ( أما يجد هذا ما يغسل به ثوبه ) ليست دعوتنا وليس حديثنا دعوة إلى القذارة ، أو إلى ترك العناية بالنظافة .. كلا ! ولكننا نعني تلك الظاهرة التي وصفناها وتلك المظاهر التي تدل على أن للمظاهر منزلة وعناية أكثر من الحد المشروع . وكثيراً ما يكون مدخل العناية بالمظاهر أحياناً مدخلاً حسناً خاصة عند الشباب الطيبين الذين فيهم خير فهم يحرصون على ذلك ليكونوا بين الناس مقبولين ، وهذا أمر حسن وقد يحرصون أحياناً وهذا من المداخل على مزيد من التأنق أو التجمل إذا كانوا في بيئة أو سيقدمون على بيئة أو يعاشرون بعض الناس الذين هم من أهل الثراء ، أو من أهل كذا فحتى يكون مثلهم ومن مثل جنسهم فيستطيع أن يؤثر فيهم ويدعوهم لا بأس في ذلك إن كانت في الحد المشروع ولم يدخل في تلك المخاطر . لكن ينبغي أيضاً أن يتنبه لأننا قلنا إن هذا قد يعرضه للكبر قد يوقعه في الكذب قد يقربه من المخالفة قد يدخله في بعض التعلق بالدنيا قد يجعل ميزانه مختلاً قد يورده تلك الموارد التي أشرنا إليها في المخاطر .. نعلم ونوضح ونصحح لمن قد يكون فهم خطأً أن هذه الأمور كلها من هدي رسول الله صلى اله عليه وسلم ومن سنته لكن الأمور بالاعتدال فقد كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الترجل (ترجيل الشعر) ، وفي شأن الإدهان أن يفعل ذلك غباً - أي يوماً بعد يوم - وليس المسلم ولا الشاب المسلم على وجه الخصوص متفرغ لأن يبحث عن أنواع معينة من الشامبو ! أو يفرغ نفسه لكي يختار أنواع معينة من الفرش أو الأمشاط التي يمشط بها شعره وكذا ! أعني هذه المظاهر أن تكون متخففا من هذه القيود - يا أخي - ولذلك أحذّر وأنبه وما أوردت مثل هذا الموضوع إلا لوجود بعض هذه العلل تسربت إلى شباب أخيار ، وإذا بهم ينقادون مع المظاهر شيئاً فشيئاً حتى يبتعدوا عن سمت البساطة ، والبعد عن التكلف ، والزهد في الدنيا والتعلق بالآخرة ومحبة أهل الخير والصلاح ومعاشرة الذين يذكرونك بالآخرة كثيراً ما تجرف المظاهر أربابها إلى ما أشرنا إليه ، والأمر - كما قلت - في هذا يطول والحقيقة أن مثل هذه المظاهر والعناية بها يوجد كثيراً من الخلل الذي ينبغي أن يتنزه وينتبه ويحذر منه الشباب عموماً ، والشباب الصالحون خصوصاً ، وللمنفلوطي مقالة في النظرات أختم بفقرة منها ، جعل عنوان مقالته [ خداع العناوين ] وتحدث عن ظاهرة الخداع والنفاق بهذه المظاهر ، تكلم فيها عن المجد وتكلم فيها عن التمدن ، وتكلم فيها عن التقوى ، وذكر الصور التي يحكم بها الناس على بعض الناس أنهم أتقياء ، أو أنهم أصحاب مجد ، أو أنهم أصحاب كذا لأمور من الظواهر والمظاهر والحقيقة على غير ذلك ، وأذكر شطراً من هذا ، ثم أذكر كلمته التي ختم بها تنبيهه لهذا الأمر فهو يقول مثلاً على سبيل التمدن حتى يكون الإنسان متمدنا : " ليس بينه وبين هذا التمدن أو لقب الشاب العصري كما يقولون إلا أن يصقل جبهته ويصفف طرته - يعني مقدمة شعره - ويفتح فمه للابتسام المتصنع ، ويقوس يده للسلام المتعمل ، ويكثر في حديثه من ذكر المدنية الغربية وشؤونها ، وسرد أسماء نسائها ورجالها وطرفها ونوادرها ، ويستحسن ما تستحسنه .. ثم يزعم أنه أرقى الناس أدباً ، وأحسنهم خلقاً ، وأدقهم نظراً … إلخ " . ونحن نرى من صور ذلك التحذلق بالكلمات الأجنبية ، وذكر الأسماء أو الأماكن - وكما قلنا - الماركات والشركات ونحو ذلك يقول المنفلوطي في آخر كلامه : " لو كان بي أن أكتب لمحو الفساد من المجتمع الإنساني والقضاء على شروره وآثامه لما حركت يداً ، ولا جردت قلماً ؛ لأن هذا مسألة صعبة لأني أعلم أن طلب المحال عثرة من عثرات النفوس وضلالة من ضلالات العقول ، ولكنني أطلب مطلباً واحداً لا أرى في عقول الناس وأفهامهم ما يحول بينهم وبين تصوره ، وإدراكه هو أن يهذبوا قليلاً من هذه المصطلحات التي أنسوا بها ، والعناوين التي جمدوا عليها ، فلا يسمون المنافق تقياً ولا المتمجد ماجداً ، ولا البخيل غنياً ، ولا الفقير مجرماً ، ولا المتوحش متمديناً حتى لا ينزع محسن عن إحسانه ، ولا يستمر مسيء في إساءته " . وهذه الجملة الأخيرة مهمة أصبح المقياس اليوم في المظاهر في المجتمع يفرض على المحسن أحياناً أن يترك إحسانه .. لماذا ؟ لأنه في مقياس الناس مسيء أو يدفع المسيء أن يستمر في إساءته ويدعوه إلى الإساءة ؛ لأن هذه الإساءة في نظر الناس جيدة إذا كان عند الناس أن يترك تحية الإسلام " السلام عليكم " ليستبدل بها غيرها من المسميات ؛ سواء كانت باللغة العربية ، أو باللغة الإنجليزية ، أو الفرنسية ! ويدل هذا على التقدم وعلى التمدن فسيكون إذا أخذ بالأول مسيئاً ، وإذا أخذ بالثاني محسناً أصبحت المظاهر إذا شاعت في المجتمع تقلب الخير شراً والشر خيراً ، فيقول : أريد من العقول فقط أن لا تغير الحقائق أن تبقي الحقائق على هيئتها ؛ حتى يحي من حيا على بينة ويهلك من هلك عن بينة .. فهذه دعوة كما أشرت في عنوان هذا الدرس قلت : مهلاً يا أهل المظاهر ! تمهلوا وتذكروا واعتبروا وتنبهوا واحذروا ، واستمعوا إلى تلك المخاطر وإلى تلك المبالغات، وإلى تلك السخافات التي تنشغلون بها والتي كثيراً ما تقودكم إلى الوقوع في كثير من هذه المخاطر . وأسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يهتمون بالمخبر أكثر من المظهر ، وأن يجعلنا نعنى بالحقائق دون الألفاظ وبالمسميات دون الأسماء ، وأن يشغلنا بطاعته ، وأن يشغلنا بحب التقرب إليه ، وأن يشغلنا بالخوف منه والرجاء فيه وأن لا يشغلنا بالمظاهر الفارغة ولا المراتب الدنيوية والسعي إلى الرفعة فيها .. إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه
نشرت فى 30 يوليو 2007
بواسطة madaa
عدد زيارات الموقع
370,474


ساحة النقاش