في قراءة لنص مثل نص ( موت آخر ) للقاصة لبنى ياسين تحلق الأجنحة و تطير في أجواز السماء و لكنها تعود أدراجها لتدخل مغاور النفس وتسبر الأنفاس و يبقى المكان يسجل الحضور بلغة شعرية في مونولوج داخلي و حركة دائرية تتسع للحدث عبر منهجية دراماتيكية ترصدها الكاتبة وتبحث فيها عن الذات التائهة في تضاريسها النفسية وفق معطيات تعكس بارتدادها منهجاًَ سيكولوجيا توظفه بنمط سلوكي يحمل هموم الوطن ويبحر في أشرعته ، فمرارة الأيام وقسوة العيش تحت وطأة المحتل تبرزها الكاتبة و تشكل لنا خطها البياني فالوجوم المطبق لشخصية الحوار يجعل أعباءه ثقيلة بظواهرها النفسية التي افتقدت شمسها وربيعها الداخلي لتغوص في مدارات اللانهاية ((انبثق أمامي فجأة بهامته الباسقة , لكن انحناءً ما أصاب شموخها , فأصابني بالذعر , وقفت في حضرة انكساره مندهشا حد الألم )) .. ذاكرة الحزن المؤلم المحفور على جدرانها ترانيم الطفولة و أراجيح الذات الملتهبة .. تحاول الكاتبة أن تزيل ستار الصمت عن جفون صديقها وزوج أختها لكن أروقة الصمت التي تزيح عن الجفون نعاسها و تعلل للذات ظواهر الحزن تعكس بمرآتها هما يعيشه الناس ((ــ لا حـال لديه تسأل عـنه .. لم يـأكل .. لم يتـكلم .. لم يصغ ِ .. و لو آ ل الأمر إليه لما تنفس , ارتـمى فـوق سريره بعـد أن أغـلق الباب وراءه في محاولة لإبلاغـنا بوجوب البقاء خارجا بطريقة مهذبة ,)) ينحدر بنا الخط البياني من صورة ألفتها النفس لصورة تعكس الوجه الآخر بمظاهره الحسية التي تعايش الحزن لتصنع منه أيقونة التفاعل لتعزف لحنها المنفرد على وتر الذات التي تبحث عن كينونة الوطن بين مسامات الأوردة و فضاءات الروح التي تأبى الذل و الانكسار لينطلق الصوت ببوح تغمره الدموع بقوسها القزحي لتشكل خارطة الوطن فوق وجنتيه ... ((قال لي بصوت متهدج يكاد يطغى عليه صوت أنفاسه المكلومة المتـقطعة : ــ تصور امرأة تـُخـلّـد انتصارها بصورة فوتوغرافية فوق عـري رجـولـتي , و تقـف بوضعـيـات فاحشة و بأخـرى مذلـّة فوق جسدي العاري , ضابط هـي في الجيش الأمريكي , لم أذق طعـما أمـّر من الذل .. و الله لم اعـرف طعـما أمــّر منه , وودتُ لو أشبعتها ضربا ... وددتُ لو قتلتها ألف مرة ... وددتُ لو متُ... لو تفجرتُ ... لو احترقتُ ... وأحرقتُ كل شئ معي , لكنني ما زلتُ حياً ((. نتوقف جليا بين الحروف نفتش عن شعاع يعيد للشمس حرارة النهار فالجسد العاري المكلوء بذل العيش يتوازى ببعده الأفقي مع الحزن وزفراته التي سمتها الكاتبة بالعورة الجسدية ( الدموع ) و أما العورة النفسية التي تسكن في حنايا الصدر فما زال بوحها خلف السكون و الكاتبة تبحث عن أشعة هناك بين الدموع في خزانات الحزن لتكشف لنا الغطاء عن لصوص الحضارة . ((سكتَ قليلا , كنتُ أعلم أن في جعبته الكثير من الألم المتحصن خلف قسماته الموجوعة , لكنه آثر أن يذيل حديثه بالصمت ...مواريا ً عوراته النفسية خلف سكونه , بعد أن كُـِشفتْ عوراته الجسدية أمام عيون لصوص الحضارة )) وبين الأزقة الضيقة وأنهار الحزن ومتاهات الضياع التي تتقاطع على تلافيف الذاكرة تخلع الكاتبة حواسها التي تشكل كينونتها النفسية و الاجتماعية و تبحث في معالمها عن إنسان آخر لربما يكون شعاع الشمس الذي يحمل تحت إساره الشجاعة تتقاذفني الأزقة الضيقة و متاهات الضياع في داخلي , وددت لو خلعت حواسي الخمس ووضعتها عند اقرب جمعـية خـيرية .. فـلربما احـتاجها غـيري ليعـزز صلاته بما حوله لكي يـرى و يسمع و يحس جيــــــدا بما يـحــــد ث..و ربما كان اكثر شجاعة مني فاستطاع أن يفعل شيئا ً . من لوحة العزف المنفرد إلى كينونة الذات الملتهبة التي تبحث بين أناتها عن زفير يتجاوز أطلال الخرائب و يسمو على وهم الذات ليخلصها من ذيول الانكسار و الخيبة .. ويبقى سراج الأمل يوقد فتيل الذاكرة بشلالات الحزن و أما الأشعة المنبثقة فيعلو صوتها على لسان الكاتبة : (( على أطـلال خرائـبي مشــيت .. على وهــم ٍ كان اسمه أنــا .. على ذيـول الخيـبة الحـمقاء أسرج فتيـل حـزني , فــــــلا أستطيـــــــع أن احـــــــزن اكـثــــــــــــر . يا له من مـــــوت مفجـع ٍ أنــاخ بلعـنـتــه على كل ما حــولي .. و تركني إمعانـاً منه في تعـذيـبي و إذلالـي .. أ للمـوت مفاضلات وتفضيــل كما للحـــــــــياة ؟؟ (( على إيقاع الزفرات المتصاعدة ينام الوطن ببرتقال( ديالى) ليلون المشهد بلونه التصاعدي ، فالزفرات الممتدة من خاصرة الوجع إلى جدران القلب تلامس تلافيف الذاكرة لتبدأ دورتها الديناميكية بربط الهاجس النفسي بفداء الوطن من خلال (مفاضلات ) أطلقتها الكاتبة بين الموت و الحياة . قصة تأخذنا بين بوحها و مفرداتها لتسجل حضورها بكل تميز على جدران الذاكرة و القاصة بانسجامية مفرداتها و أبعاد تراكيبها و إصابتها للهدف تبدو باحثة عن إعادة أجزاء الوطن إلى الأم ( العراق ) الذي تقطعت أشلاؤه و أصبح متناوشاً بين أنياب الذئاب الداخلية و الخارجية التي تريد أن تفوز بحصة من لحمه السمين و كأننا بالقاصة تريد أن تؤطر لوحدوية عربية لا يمكن فصل عرى جسدها فالعراق مذبوح و الوطن العربي مبعثر بين آلامه إنها تعيد للذاكرة صورة البطل العربي ( عنترة ) الذي حمى قومه حياً و ميتا ً (حلمت به .. كانت الذئـاب تطــارده مطاردة عـنيفة , ثُم أحاطت به و تكالبت عليه تنهش لحمه , رأيتهـا تهاجمه .. تعـض أطرافه فـتـتساقط أشلاؤه شـلــواً تلو الآخـر, و رأيته يعاود التـقاط أشلائـه و يضعها كيفما اتفـق لـتـلتـصق بجسـده , تـشــّوهَ شـكله .. صار أشبه بمسخ مرعب , لكنه لم يفـرط بقطعة من جسده ) وهذه هي الأشلاء تتساقط شلواً فشلواً ............... و الفاجعة بانتظار موعود آخر البناء الفني لنص ( موت أخر ) يبدو أن مجموعة القاصة لبنى ياسين المعنونة بـ ( طقوس متوحشة ) تحمل في ذاكرة النقد بعداً خيالياً من جهة و رؤيويا ً من جهة أخرى فالطقوس التي هي عبادة و استئناس تتوحش في ذاكرة الإنسان الذي أصبح قاتلاً و مقتولاً في آن واحد و هي في صفحة الخيال مخلوقات مفترسة تبحث عن دم لا تفتأ تستعذب طعم حرارته و ملوحته و الحديث عن نص ( موت آخر ) بكل أبعاده يحتاج إلى مسافة ماراثونية لذلك سنشير إلى البعد الخيالي الذي حملته القاصة و الذي طار بعباراتها عبر أدغال النفس الإنسانية فصور لنا هذه النفس و جموحاتها بأبعاد درامية مفجعة (كان في عينيه شئ ما .. شئ كسرته العتمة و محـا بريقه الألم ) ارتديت ثيابي كيفما اتفق ناسياً أن اغسل آثـار خرائب الليل و فيضاناته عن ملامح وجهي ) (بكى صديقي , وانفرطـت لؤلؤتـان غاليتـان من عـينيه نزلـتـا باستحياء وإبـاء ذكوري على خـديه , أوجعـتـه دمعـتــاه وهـما تنهمران قسرا على مرأى مني) (مواريا ً عوراته النفسية خلف سكونه , بعد أن كُـِشفتْ عوراته الجسدية أمام عيون لصوص الحضارة ) و هي بذلك تبدو على العكس من القاصات العربيات التي تحولت نصوصهن إلى مجرد خواطر و ذكريات تبني نصها بناءً فنياً على غرار البناء الفني الشعري و نحن جميعاً نعرف أن شاعرية الشاعر و إبداعية القاص لا تظهر إلا من خلال الأجنحة الخيالية التي يرسمها المبدع لنفسه و يطير بها في آفاق الفضاء .... صور لا تحتاج إلى من يفتق عناصرها و لكنها تستدعي ذاكرة القارئ ليتمتع بمعطياتها و أبعادها . إنها رؤيوية الكاتبة التي جعلت من ( ديالى ) هذه الواحة التي تسحب شعرها البرتقالي على أكتاف العراق الماجدة العربية التي تحمل السلاح في وجه أعدائها و لا يمكن لنص كهذا إلا أن يكون الطائر المحلق في ســـماء الإبداع العربي ( ذاكرة و إبداع و استطالة في القامة ) وذا ما يجعلنا نؤكد على الذراع الممتدة للكاتبة في الوصول إلى أهدافها من خلال نصوص هادفة و لكنها خلاقة .
  • Currently 65/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
21 تصويتات / 554 مشاهدة
نشرت فى 19 يوليو 2007 بواسطة madaa

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

370,534