تطوّر الجدل من نقاش فقهي إلى خلاف قضائي لا شك أن دعوة الوزير البريطاني جاك سترو المسلمات المنقبات في بريطانيا للتخلي عن ‏نقابهن لم تكن سوى فتيلا لجدل تبارت أقلام عدة في تصنيفه ضمن خانات ثقافية أو ‏حضارية أو اجتماعية أو دينية.‏ لا يزال النقاش مفتوحا، إلا أنه لا يكتنف كما يبدو للبعض مجرد صراع بين الغرب ‏والإسلام، بل هو في صلب الخلافات الفقهية بين المسلمين أنفسهم.‏ ‏ وإذا كان الغرب يلامس موضوع النقاب اليوم تحت شعار الانفتاح والاندماج، فإن ‏الخلافات الفقهية بين المسلمين بشأن هذا الموضوع قديمة جدا وقد تكون حدّتها شاهدا على مدى جدلية ‏هذا اللباس ومشروعيته ووظيفته الدينية.‏ قراءات متناقضة فالخلافات الفقهية الكبيرة حول النقاب غالبا ما تتحوّل إلى تناقض لا يترك مجالا للحيادية ‏ويكون أحيانا أقرب إلى التصادم.‏ في هذا الإطار، يعتبر عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر الداعية يوسف ‏البدري أن النقاب مشروع "والذين يطعنون فيه آثمون ومخطئون" مشيرا إلى أن "كشف ‏الوجه في الإسلام لا يجوز للمرأة إلا عند أمن الفتنة وفي حالات خمس هي الصلاة، ‏والحج، والعلاج، والشهادة أمام القضاء والتعليم".‏ في المقابل، يصف المفكّر الإسلامي جمال البنّا النقاب بأنه "وصمة عار، ويجب على ‏المرأة المسلمة أن تتخلّص منه، معتبرا أنه تقليد سخيف ذكوري مخالف لأصول الإسلام". ‏ وما يزيد من احتدام الخلاف هو تسلّح كل رأي بنصوص وتفسيرات يعتبرها أساسا لصحة ‏موقفه.‏ كشف ‏الوجه في الإسلام لا يجوز للمرأة إلا عند أمن الفتنة وفي حالات خمس هي الصلاة، ‏والحج، والعلاج، والشهادة أمام القضاء والتعليم الداعية يوسف البدري ويقرّ البدري أن النقاب جاء في النصوص الدينية "بأسلوب فيه مجال كبير للكلام"، إلا أنه ‏يشدّد على أن "السنّة العملية، الفعلية أكدت هذه الأشياء من النص"، مستشهدا بالآية التي وردت فيها إشارة : "يدنين عليهن من جلابيبهن".‏ ويضيف البدري: "الإدناء لغة وهو التنقيب من الرأس إلى القدم"، مشيرا إلى أن ذلك ليس ‏خاصا بنساء النبي فقط.‏ غير أنه ومقابل قطعية موقف البدري، يبرز تشكيك من قبَل البنّا الذي ينفي وجود نص ‏صريح يقتضي التنقيب. وهو بالتالي يرى أنه من غير الممكن ربط مصير المرأة بنص ‏يقول إنه "مشكوك فيه من ابن عبّاس الذي فسّر "تدنين عليهن من جلاليبهن" بمعنى أن ‏المرأة تغطي وجهها ولا تُبدي إلا عينا واحدة".‏ وهو يدفع بحجة أخرى معتبرا أن كافة النصوص الواردة في القرآن والتي تتحدّث عن ‏‏"غض النظر" إنما تفترض أن الوجوه كانت مكشوفة، "وإلا فما كان هناك حكمة في غض ‏النظر عن الأشباح السوداء"، على حدّ قول البنّا.‏ ظاهرة جيّدة وبالرغم من الحيرة التي قد يولّدها هذا الانقسام لدى المراقبين، فهو يُعتبر من وجهة نظر ‏علم الاجتماع "أمرا حسنا"، بحسب ما تقول عالمة الاجتماع منى فياض.‏ وتقول فياض في هذا الإطار: "تصوّري أن يكون هناك خط واحد يحدّد الصح والخطأ، أي ‏استبداد قد نعيش به حينذاك".‏ وقد يُعتبر النقاب ظاهرة تعبّر برأي فياض عن إفراز إجتماعي لأزمة أو ‏حقبة معيّنة، كما أنه قد يشكّل أيضا خيارا شخصيا تتحمل مسؤوليته من تختار ارتداءه ‏شرط أن تكون قد قامت بخيارها بشكل واع وبكامل إرادتها.‏ في هذا السياق تقول أمل وهي منقّبة منذ سن صغيرة إنها ارتدت النقاب بداية لتاثرها ‏بشقيقتها ولأنها كانت تعيش في دولة محافظة، إلا أنها بعد أن سافرت إلى لندن وتعمّقت ‏في قراءاتها الدينية "زادت اقتناعا بالنقاب ليس من منطلق أن كشف الوجه حرام ولكن من ‏باب أنه سنّة وأفضلية".‏ أما براءة التي تعيش في اليمن، فهي ترتدي النقاب لتجنّب المضايقات في السوق والشارع ‏و"لأنها تعيش في مجتمع ذكوري وارتداء النقاب يسهّل حياتها العملية واليومية بشكل ‏كبير".‏ غير أن أمل كما براءة ترفضان الحكم على غير المنقبات باعتبارهن خاطئات.‏ وتشدد براءة أن "النقاب لا يزيد أو ينقّص من قيمة المرأة. فالأخلاق والقيم والعلم ‏والأسلوب في الحياة هي الامور التي تعطي المراة قيمة".‏ النصوص الواردة في القرآن والتي تتحدّث عن ‏‏"غض النظر" إنما تفترض أن الوجوه كانت مكشوفة، وإلا فما كان هناك حكمة في غض ‏النظر عن الأشباح السوداء جمال البنّا يخطو الجدل خطوة جديدة بعد ان تحوّل إلى معركة قضائية وليس فقط فقهية تُطالب فيها ‏المحاكم بالفصل بين أستاذة الفقه، العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات ‏في جامعة الأزهر سعاد صالح والداعية يوسف البدري الذي يتهمها بإهانة واحتقار 14 ‏قرنا من الزمن الهجري عبر أن قالت إنها "تشعر بالاشمئزاز من النساء المنقّبات".‏ يدلّ هذا التطوّر على أن دائرة النقاش تتسّع بينما يتمسّك ويدافع كل عن رأيه عن موقفه ‏ناقدا ومنتقدا الرأي الآخر، مما يطرح سؤالا هو ايضا قديم-جديد: هل يُحسم الجدل ‏وكيف؟ بالنسبة لجمال البنّا، "التطوّر هو الذي يحسم الجدل"، أما البدري فلا يرى حسما "حتى يوم ‏القيامة".‏
  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 638 مشاهدة
نشرت فى 19 يوليو 2007 بواسطة madaa

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

370,532