إضــــاءة انتشرت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة العلاج بالأعشاب والنباتات الطبية، ليس في مصر فقط بل وفى أمريكا وأوربا والصين واليابان وكثير من دول العالم. وقد برع القدماء المصريون في علاج العديد من الأمراض بخلطات وتركيبات من الأعشاب ونجحوا في هذا المجال نجاحاً كبيراً، حيث ورد في البرديات وصف الكثير من الأعشاب الطبية وخصائصها وجاء بعدهم العلماء العرب في عصر النهضة الإسلامية وتقدموا كثيراً في العلاج بالأعشاب وكان من أبرز هؤلاء العلماء (ابن سينا). وهناك الكثير من الكتب والمؤلفات عن العلاج بالأعشاب وعن التركيبات والوصفات العلاجية التي استخدمها العرب، ومن أمثلة المؤلفات " تذكرة داود " والتي ما زلنا نرجع إليها إلى الآن في استخدام الأعشاب الطبية، فكما ذكر داود الأنطاكي في تذكرته أنهم استعملوا بذور الكتان في علاج الالتهابات وبذور الخلة والكمون الملوكي والزعتر والنعناع في علاج انتفاخ البطن والغازات وحرقة فم المعدة واستعملوا مزيج النباتات في علاج عسر الهضم المزمن، وقشر الرمان في علاج الإسهال، والشيح والبابونج لعلاج المغص المعوي، كما اكتسبوا خبرة كبيرة في عمل الأدوية والدهانات المركبة من كثير من النباتات، وانتقلت هذه الخبرة إلى أوربا في العصور الوسطى. ويؤكد الدكتور رضا الوكيل - أستاذ الجهاز الهضمي والكبد بكلية الطب جامعة عين شمس - في التحقيق الذي نشر بجريدة الأهرام القاهرية في عددها رقم 39967 الصادر يوم الجمعة 10/5/ 1996 بعنوان: " الأعشاب الطبية خطر جديد يجب السيطرة عليه "... العلاج بالأعشاب اتجاه عالمي ولكن بمحاذير. إن الأبحاث العلمية أثبتت أن استعمال بعض هذه النباتات كان له أساس علمي فمثلا: " تم استخلاص المواد الفعالة في نبات الخلة وتستعمل الآن في علاج التقلصات ونوبات المغص الكلوى والمرارى. كما تستخدم المواد الفعالة في الكافور كمادة مهدئة.وتم استخلاص الزيوت الطيارة الموجودة في النعناع وتستخدم في علاج انتفاخ البطن الناتج عن كثرة الغازات وعسر الهضم المزمن، ويستعمل الثوم لخفض ضغط الدم المرتفع وعلاج نسبة الدهون بالدم. أما مادة(الديموكسين) المستخدمة في علاج هبوط عضلة القلب فهو مأخوذ من نبات بصل المفصل. كذلك أظهرت نتائج التجارب على نبات الحلبة إمكانية استخدام ثمار النبات المغلية لعلاج الالتهابات الجلدية. كما تبين أنه عنصر فعال مسكن للألم ومخفض للحرارة... والبصل قد أظهرت نتائج الأبحاث التي أجريت عليه علاقته الكبيرة في علاج حالات العقم في الرجال والناتج عن نقص الحيوانات المنوية، وقد ثبت أن تناول خلاصة البصل الطبيعية بصورة منتظمة. أدى إلى زيادة الحيوانات المنوية عند الذكور كما أن له تأثيراً مفيداً ومنشطاً. كل هذا بالإضافة إلى الأبحاث التي أجريت في استخدام الأعشاب في علاج مشكلات عديدة مثل سقوط الشعر وضعفه التي تصيب النساء والرجال. كذلك استخدام الخلاصات النباتية في علاج جفاف البشرة وتشقق الجلد والتجاعيد المبكرة والبقع السمراء التي تصيب وجه المرأة. وهناك العديد من هذه الخلاصات التي تستخدم الآن بطريقة علمية سليمة حيث تقنن مع حساب المادة الفعالة في كل مستحضر فيكون معلوما مدى تأثيرها على المريض ويتم اختيار فاعليتها ومن هنا تقل إلى حد كبير آثارها الجانبية. إلا أن العملية الهامة هنا هي تقنين استخدام تلك الأعشاب في علاج الأمراض فقد انتشر الاستعمال العشوائي لها لخلطاتها بصورة قد تكون خطيرة وضارة. فهناك الكثير من الباعة المتجولين غير المرخص لهم يفترشون الأرصفة بكميات من الأكياس التي بها الأعشاب المختلفة ومدون عليها استعمالاتها للعلاج في أمراض بعينها، وكذلك محلات العطارة تتاجر في الأعشاب... كل ذلك في غياب الطبيب المختص مما يُشكل خطراً على صحة المواطنين، لأنه من المعروف أن الأعشاب كما أن لها فوائد طبية قد يكون لها آثار ضارة مثلها مثل الأدوية والعقاقير الأخرى. لهذا السبب يجب تقنين استخدام الأعشاب في العلاج بتدخل من الجهات العلمية المسئولة مثل مراكز البحث العلمي المتخصصة في إجراء البحوث المختلفة وعلى الأسس العلمية المضبوطة لترشيد استعمال الأعشاب الطبية. العلاج بالأعشاب في قفص الاتهام: تحت هذا العنوان أثارت المجلة العربية السعودية هذه القضية في عددها رقم (212) الصادر في رمضان 1415 هـ فبراير 1995 فكتبت تقول: بأن ناقوس الخطر بدأ يدق هذه الأيام بالنسبة لظاهرة التداوي بالأعشاب والتي انتشر في معظم البلاد العربية بعد أن أصاب الناس الملل من العلاج بالأدوية ومن هنا أصبح الأمر بحاجة إلى ضوابط لأن العشب كأي دواء عادى به قدر من السميات وقدر من المواد الفعالة التي يجب أن تؤخذ تحت إشراف طبي بعيداً عن أيدي غير المتخصصين. ويتحدث في هذا الموضوع الدكتور محمد سعيد الحفناوي - أستاذ العقاقير بكلية الصيدلة جامعة القاهرة - قائلا: " إن الأعشاب كأي دواء عادى يجب أن لا يؤخذ بدون إشراف طبي وقبل استشارة أخصائي لأن هناك العديد من الأعشاب السامة وغير الآمنة التي تضر بالإنسان بدلاً من علاجه، كما أن هناك الأعشاب سيئة التخزين والمجموعة في غير موعدها والتي انتهت فاعليتها. كما أضاف د. الحفناوي أن مريضا جاء إلى مستشفى القصر العيني وعنده مشاكل في القلب واضطراب وعند تحليل عينة من معدته وجد بها تركيبة من الأعشاب السامة التي كادت أن تقضى على حياته، ومن هنا يجب استشارة طبيب متخصص أو صيدلي لضمان الحد الأدنى من استعمال الدواء. ومن الأعشاب ما قتل: وأكد الدكتور الحفناوي على ضرورة تسجيل الأعشاب الموجودة عند العشابين والرقابة الدورية على الأعشاب حتى لا يباع السم للناس تحت مسمى علاجي فالأمر بحاجة إلى ضوابط وإشراف دقيق من وزارة الصحة. وأشار إلى أن هناك العديد من خلطات الفصيلة الباذنجانية معروض عند العشابين وتشكل تهديدا للصحة وتدمر الجهاز العصبي إذا تم أخذها بدون ضوابط أو عناية، فمن غير المعقول أن يباع العشب على الرصيف، فكل عشب له صلاحية وطريقة تخزين، ولا يجب شراء أي عشب إلا بعد التأكد التام من النقاوة واحتوائه على المادة الفعالة ومعرفة الكفاءة حتى لا يعالج الناس بالتراب، والمفروض أن يكتب على كل عشب المادة الفعالة وتاريخ انتهاء الصلاحية والمحاذير ودواعي الاستعمال والجرعة أسوة بالدواء العادي وأكثر. ويوضح الدكتور طه الألفي - أستاذ العقاقير بصيدلة القاهرة - أن تناول الأعشاب بدون داع أو بجرعات غير مضبوطة يضرر بالإنسان فهي كأي دواء يجب أن يشرف عليه متخصص وعارفون بالأصول العلمية لتناول العشب وكيفية تناوله والجرعة والمحاذير المختلفة لمن يعانون من أمراض مختلفة فمن يعانى من مرض السكر يجب أن يقوم بالتحليل لمعرفة نوع العشب الذي يمكن أن يساعد في العلاج بعد معرفة نوع السكر وملاءمة الخلطة المناسبة وضرورة التأكد التام من نقاء الخلطة وعدم تلونها بالمبيدات والفطريات والميكروبات نتيجة سوء التخزين. وأكد أن الخطورة أن يعمل في مجال الأعشاب من ليس لديه خلفية علمية وبناء على معلومات مضللة ولكن لابد أن يكون هناك أناس مدربون وفاهمون لأصول العلاج وطريقة تناوله سواء عن طريق الدهانات أو الفم. وأشار د. الألفي إلى أن تخزين الأعشاب بحاجة إلى إعادة نظر وذلك للحفاظ على المادة الفعالة والإنزيم الخاص بكل عشب الذي قد يتحلل نتيجة سوء التخزين. كذلك لابد من وجود متخصصين من الأطباء والصيادلة وخبراء الأعشاب حتى يؤتى ثماره بعيداً عن الإضرار بصحة الفرد. الأسس والخطوات الواجب مراعاتها لترشيد استعمال الأعشاب الطبية: يقول الدكتور (هاني الناظر - الأستاذ بالمركز القومي للبحوث والمشرف على أبحاث الأمراض الجلدية بالمركز) عن هذه الأسس والضوابط في التحقيق السابق الذكر: يجب أولا: التعرف على نوع العشب المراد استخدامه ووصف نباتي علمي له ثم معرفة المركبات الكيميائية المختلفة التي تحتويها أعضاء النبات المختلفة سواء كانت جذورا أو سيقانا أو ثمار العشب يلي ذلك إعطاء هذه الأعشاب لحيوانات التجارب غير المريضة لمعرفة مدى وجود آثار جانبية على أعضاء الجسم المختلفة مثل الكبد والكلى والجهاز العصبي. ثم تأتى بعد ذلك الخطوة التالية في اختيار مدى فاعلية العشب في علاج المرض في حيوانات التجارب المصابة وتحديد الجرعة المعالجة والجرعة الضارة حتى يمكن التعرف على الكمية المناسبة من النبات التي يمكن إعطاؤها للمريض. في النهاية وبعد التأكد من الفاعلية الأكيدة للعشب وعدم وجود أي آثار جانبية ضارة له يمكن إعطاؤه بأمان للمريض وتحت إشراف طبي كامل للأطباء المتخصصين. وللحقيقة فإن هذه الخطوات كما يقول أ.د هاني الناظر تأخذ عدة شهور ويمكن أن تصل لسنوات طويلة حتى نصل للنتيجة المرجوة. كيف يتم تصنيع الدواء من الأعشاب في مصر؟؟ يؤكد علماء الأدوية أن النباتات الطبية خرجت إلى غير رجعة من أرفف محلات العطارين ودخلت معامل شركات الأدوية الموجودة بالأسواق حتى أصبح 25% من الأدوية الموجودة بالأسواق لها أصل نباتي، وهذه الظاهرة نقلت الأمر من مجرد وصفة بدائية بسيطة لبضعة أعشاب تتناقل الألسنة فوائدها العلاجية إلى جرعات دوائية محسوبة يتم تحضيرها وفق أسس علمية صارمة. ولاشك أن هذا الاتجاه يثير تساؤلات حول الكيفية التي يتحول بها النبات أو العشب الطبي إلى دواء كامل الأهلية يتمتع بالفاعلية والأمان في وقت واحد. في هذا الصدد يمكن القول أن هناك اختلافا جذريا بين تعامل كل من العطار وعلماء الأدوية مع الأعشاب الطبية والتداوي بها، فالعطار يستقى معلوماته من كتب قديمة وأقاويل شائعة وبعض التجارب البدائية المحدودة، لكن علوم الأدوية تجعل التداوي بالأعشاب يتم من خلال شكلين أساسيين الأول: يبدأ بالتحقق النظري من الفرضيات والآراء والمعلومات الواردة في كتب الطب الشعبي وعلى ألسنة العامة من أن نبات ما له أثر طبي فعال، وبعد التحقق النظري تبدأ عملية فحص كلى للنبات لتوصيف النباتات الموجودة كافة وتعريفها كيميائيا ثم عزلها ثم اختبار أثرها العلاجي أو الوقائي على حيوانات التجارب بحيث يتم الخروج بتصور محدد حول الأثر الطبي لهذا العشب ومعرفة المواد الفعالة الموجودة به والمسئولة عن هذا الأثر. يعقب ذلك سلسلة من الأبحاث لتحديد الشكل الصيدلي الأنسب للدواء المستخرج من النبات وهل سيكون حقنا أم أقراصا أم مراهم.. الخ. وعند التأكد من سلامة الدواء وعدم وجود آثار جانبية له تنقل التجارب بعد ذلك إلى الإنسان لتحديد الجرعة المثلى للدواء وعدم وجود آثار جانبية له. ومع فعاليته في العلاج يتم التوصية بإنتاجه ونزوله الأسواق. والشكل الثاني للتعامل مع ظاهرة التداوي بالأعشاب يتم من خلال البحث عن المواد الفعالة وقائيا أو علاجيا داخل النبات الذي ينتمي لعائلة نباتية ثبت أن أحد أفرادها له أثر طبي معين، فمثلا إذا وجد إحدى سلالات عائلة الخرشوف يمكن استخدامها كمصدر لأدوية الكبد فإن العلم يمكنه تناول جميع سلالات نبات الخرشوف بالدراسة إما بحثا عن نفس الدواء أو أدوية أخرى جديدة متبعا نفس الخطوات العلمية السابقة. لذلك فإن علوم الأدوية تحاول تفادى هذين الأمرين حينما تتدخل فهي من ناحية تقدم المادة الفعالة فقط وتستبعد المواد الضارة أو غير المفيدة، ومن ناحية أخرى تقدم الجرعة الدوائية في شكل ومقدار مناسبين لمرحلة تطور المرض وطبيعة المريض من حيث السن والحالة الصحية. والأمر الثاني والأخير أن التعامل العلمي مع التداوي بالأعشاب استلزم دخول علوم أخرى إلى الساحة غير علوم الأدوية مثل علوم الزراعة والري والهندسة الوراثية في تحسين نمو النبات وأقلمته للمناخ وإكثاره كي يزرع ويحصد بكميات كبيرة وأيضا تعديل صفاته بحيث يحتوى على نسب أكبر من المواد الطبية الفعالة. والهدف النهائي هو تقديم دواء بلا مخالب أو أنياب أي دواء يزيل الألم دون تدمير الجسد. الخاتمـــــة وتزدحم قائمة النباتات الطبية والأعشاب والحشائش الدوائية بعشرات الألوف من أصنافها... بل وتتزايد دائما وتباعا بما يكتشفه العلماء في الحقول بين النباتات المعروفة مختلطاً بها ومتطفلاً عليها... أو في الصحارى أو كهوف الجبال أو غيرها من الأماكن غير المألوفة. فكل داء... له منها دواء وكل مرض له بها الآن شفاء... ولأن الله سبحانه وتعالى لم يفتح بعد على عباده بما يعلمون من أسرار هذه الأعشاب والنباتات فقد يكون شفاء المستعصي من الأمراض والوبيل من الداء في تركيب بعضها مع بعض. أو في أعشاب وحشائش لم يعرف العلم عنها بعد أولم يصل الإنسان إليها بعد، والأمر كله بيد الله سبحانه خالق الداء والدواء. إلا أنه بالرغم من توافر الأعشاب الطبية في الصحارى المصرية في سيناء والسواحل الشمالية والشرقية وتوافر المعلومات اللازمة عن نجاحها في علاج بعض الأمراض لم ستستكمل الأبحاث العلمية لانشغال شركات الدواء بالتقدم في إنتاج الأدوية الكيماوية والتوسع في اتفاقيات تصنيع المستحضرات الدوائية الأجنبية التي تُدر عليهم العوائد الوفيرة ونتيجة لذلك تقلص نشاط البحث العلمي التطبيقي في مجال النباتات الطبية وأغلقت بعض الشركات وحدات استخراج مستحضرات الدوائية الطبيعية. من هنا نطالب بإنشاء شركة متخصصة في مصر وفى كل بلد إسلامي لإنتاج هذه النوعية من الأدوية وترويجها ووضع الأسس العلمية للهيئات الطبية وجماهير المرضي للتوعية بفاعلية الأدوية الطبيعية باتباع الأساليب الحديثة المتطورة في الاستخدام والإنتاج والتعبئة والترويج. من خلال هذه الرحلة القصيرة في عالم النبات تبين لنا أن الله سبحانه وتعالى قد أوجد لنا صيدلية ربانية متنقلة تدعونا بإلحاح شديد إلى أن نحسن استغلال نعم الله سبحانه وتعالى الجليلة، ونحن محتاجون إلى أن نكتشف الأسرار الدوائية للنباتات... وعندئذ سندرك - وبحق - أننا أمام مصدر دائم ورخيص ومفيد للدواء [23]. وصدق الله العظيم حيث يقول: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ [يونس : 101] وبعد فهذه دعوة مني عزيزي القارئ - لأن تتجه إلى الطب الأخضر الذي يقيك شر التفاعلات الكيميائية التي تحدث من جراء تناول الأدوية والعقاقير الطبية.
نشرت فى 10 يوليو 2007
بواسطة madaa
عدد زيارات الموقع
370,497


ساحة النقاش