جاء للتو مسرعاً كي يبدأ يومه العملي في مستشفي الشفاء بغزة، كانت الساعة قد قاربت التاسعة صباحاً، بدأ ينادي على بضاعته وقت كنا نستأذن في الدخول إلى قسم الاستقبال في مستشفى الشفاء، وتحديداً في الساحة الأمامية للمستشفى. هناك كان أوائل زبائنه، أناساً قضوا ليلتهم الفائتة على زرع الساحة الخارجية للمستشفى، هم أهالي المصابين الذين يرقدون في العناية المركزة، فلا مجال لأن يكونوا بالقرب من جرحاهم حسب لوائح هذا القسم. بطل زاوية وجوه وأعلام هو الطفل الفلسطيني محمود أبو ريالة ابن الثانية عشرة من عمره، بائع الشاي الذي يجول في أركان مستشفى الشفاء ببراد الشاي والأكواب البلاستيكية ليبيع لأهالي المرضى كوبَ الشاي بنصف شيكل، هذه المهنة كان عمرها بالنسبة لمحمود عاماً واحداً وظروفها تتمثل في كون والداه وهو أب لـ12 فرداً عاطلاً عن العمل كغيره من آلاف الآباء الفلسطينيين، استأذنا الطفل في الحديث عن يومه بين الشهداء والجرحى وأهالي المرضى، فقال إنه نشأ وسط هذه الأسرة فقيرة الحال ومع هذا حرصت أمه أن يعمل وهو يدرس، ويبشرنا محمود بنجاحه قبل أيام، أما عن المال الذي كسبه في الأمس فهو 40 شيكل كما يقول. للمكان رهبة، ونقصد مستشفى الشفاء، وكيف لا وهو محط أخير للكثير من شهداء فلسطين، هناك بالقرب من ثلاجة الموت أو حتى بالقرب من الجرحى الذين يبقون شهوراً على أسرة العلاج من إصابة أو إعاقة تسببت فيها أسلحة الاحتلال الصهيوني يتواجد محمود معظم وقته، فيخبرنا محمود عن تجربته مع ثلاجة الموت بقوة وصبر لم يعهدا على مثل هؤلاء الأطفال. يقول محمود إنه اعتاد أن يرى الشهداء في هذه الثلاجة خصوصاً وقت إخراجهم للتشييع والدفن، ولكل شهيد مع هذا الطفل حكاية يسجلها بألم في ذاكرته، لكنه يبدي لنا ألمه على جثمان واحد من الشهداء مازال يرقد في الثلاجة منذ أيام لأنه مجهولة الهوية، ويتمنى الطفل أن يُعرف في القريب العاجل أهل هذا الشهيد، ويعرب لنا بائع الشاي عن حلمه بالشهادة ويجمع ببراءة بين هذا الحلم وحلم آخر بأن يكون طبيباً في هذا المستشفى لما يراه من رسالة نبيلة للأطباء الفلسطينيين الذين يعملون ليل نهار من أجل إنقاذ الفلسطينيين المصابين شباباً وأطفال ونساء. مشهد سيارات الإسعاف قادمة من الباب الرئيسي للمستشفي ومتوجهة بسرعة نحو قسم الاستقبال، يكاد يومياً نراه بضحاياه الجدد على شاشات التلفزة، وما أن يحدث ذلك على أرض الواقع حتى ترى محمود قد ركد مسرعاً ليرى الضحايا الجدد، يقول محمود: نصطف كما الكثير من الشباب والأطفال لنرى الجرحى والشهداء ولا أستطيع أن أفعل شيئاً سوى أن أكبر بصوت عال مع الشباب.. الله اكبر.. الله أكبر.. لأن منظر الشهداء والجرحي يكون مؤلماً جداً... الله أكبر".
نشرت فى 27 أغسطس 2006
بواسطة madaa
عدد زيارات الموقع
370,535


ساحة النقاش