أ.د. منى صبحي تشهد الأمة الإسلامية منذ عدة عقود حالة من الوهن الحضاري أقعدتها عن مواكبة سير الأمم الأخرى نحو التقدم والفاعلية، وعطلت من رسالتها في الشهود الحضاري مما أغرى الثقافات الغالبة اليوم بممارسة فعل (الاستقواء) والاستعلاء ومن ثم (الإملاء)، بحيث تكون مقدرات وثروات الأمة، وذاتيتها الثقافية تحت السيطرة والهيمنة والانطباع حسب رؤية تلك الثقافة الغالبة ومخططاتها وغاياتها.. وعندما يصل الأمر إلى الذاتية الحضارية للأمة وتصبح هي البوابة الرئيسية والقنطرة الوحيدة التي تسعى إليها الثقافة الغربية - وبالأخص الأمريكية- لفرض المشروع الثقافي والنموذج المعرفي الساعي إلى تفكيك المعتقدات والقيم المفاهيم والمصطلحات والسلوكيات المعارضة له، والعمل على إحلال ما تعتقد من رؤى وقيم ومنظومة حياة يتبنى هو محدداتها ومنطلقاتها، فإنه لابد من استنفار الطاقات وتوليد الهمم وتوحيد الجهود المخلصة لصد هذا الخطر الوافد، وقد عرف طريقه إلى ديارنا وأولادنا وحرماتنا في عصر الانفجار المعرفي وتدفق المعلومات وسهولة وسرعة الاتصال... ولعل من أبرز ملامح هذا الخطر الزاحف وأكثره إلحاحاً علينا ما يتعلق بالجانب الأخلاقي، وبخاصة فيما يتعلق بتربية الأبناء وتنشئتهم على القيم والسلوكيات النابعة من ثقافتنا في مواجهة حادة مع القيم والسلوكيات الوافدة والمختلفة على حد كبير عما ألفناه وعرفناه في ثقافتنا.. ولكن أن يصل بنا الحال إلى فرض آليات تعزز المفاهيم الغربية في مسألة الأخلاق وطبيعة العلاقة بين الجنسين وتفاصيل في الثقافة الجنسية مستمدة من تصوراتهم وثقافتهم، فذلك من أهم المهددات والتحديات الخارجية التي تفرض علينا شجاعة المواجهة وثقافة المقاومة وقوة المدافعة، ولن يحمل لواءها إلا الخلصاء من علماء الأمة ومفكريها وولاة أمورها، الذين لا يخشون أحداً إلا الله تعالى، وقد حملوا الأمانة، ورزقوا الوعي والهمة، وبجهدهم وجهادهم تكون الغلبة المنعة للأمة. في المسألة الثقافية الثقافة هي أسلوب حياة، وطريقة المجتمع- أي مجتمع- في الحياة بما يحمل من نسق فكري وخريطة إدراكية للقيم والمعتقدات والنظام الاجتماعي. ولكل أمة ثقافتها الخاصة بها تعمل على تنميتها والرقي بها.. وعندما تختلط الثقافة بالمصالح السياسية نرى أنهما يتبادلان التأثير في ما بينهما، وقد يدفع الخلط بينهما إلى أن تنكر أمة كل ثقافة غير ثقافتها كما أشار "ت.س.إليوت"، بل تشعر أنها مدفوعة إلى القضاء على كل ثقافة حولها، وإلى إعادة تشكيلها.. ولعل هذا ينطبق إلى حد كبير على الثقافة الغربية اليوم، وقد امتلكت زمام النظام العالمي الجديد، وسعت إلى تسويق مفاهيمها وقيمها مع شركاتها ومؤسساتها المالية والاقتصادية عبر القارات، واعتمدت إلى جانب السياسة التسويقية أسلوب التدخل المباشر وتحيل المسارات الثقافية للشعوب تجاه البوصلة الأمريكية عن طريق مؤسسات المجتمع الدولي وما يصدر عنها من مواثيق ومعاهدات ووثائق تتمخض عنها مؤتمرات تعقدها تلك المؤسسات وتجد الدول الأعضاء في تلك الهيئات الدولية أنها منقادة للتوقيع على هاتيك الاتفاقات في طريقها إلى أن تتحول إلى قوانين ملزمة لها وإلا كان التدخل الاقتصادي المتمثل في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتهديد بقطع المعونات والقروض ووقف مشروعات التنمية!! إن المشروع الغربي الآن يتخذ من المسألة الثقافية ورقة ضغط يلوح بها في وجه الحكومات، ويراهن عليها في خطاب الشعوب!! وتأتي القيم والمعتقدات على رأس الورقة الثقافية، كما تأتي الأسرة ودورها التربوي على قائمة المستهدف من تلك الهجمة الغربية لما تمثله مؤسسة الأسرة من قوة ومنعة وفاعلية في تحصين الأطفال من الذوبان في الآخر والحفاظ على الهوية، إلى جانب وسائل الإعلام ومناهج التعليم ووسائط الثقافة المتنوعة... وإذا كانت الأسرة هي خط الدفاع الأول لبناء وتنمية الجوانب التربوية في شخصية الفرد وبخاصة الجانب الإيماني والجانب الأخلاقي، فقد أدركت الثقافة الغالبة اليوم أن ميدانها في المواجهة مع ثقافتنا هو الجانب الأخلاقي بالدرجة الأولى، ومن ثم كان إصرارها على تقويض دعائم وأسس هذا الجانب تحت ستار: الثقافة الجنسية تارة، والصحة الإنجابية تارة أخرى، مستغلة الأجواء التي وفرتها ثورة الاتصالات وسهولة تبادل وجهات النظر حول تلك المسائل، إضافة إلى ملاحظاتها انصراف الثقافة الإسلامية عن تجلية مفاهيم الثقافة الجنسية من مصادرها النقية تحت مزاعم واهية ومبررات لا قيمة لها، في مقابل السماح لبعض الأفكار الموروثة اجتماعياً- بدون سند من الدين- بالتحكم في نظرتنا لهذا الجانب التربوي المهم. الثقافة الجنسية في المشروع الغربي ترتبط الثقافة الغربية ارتباطاً وثيقاً بالدين، ويتجلى هذا بوضوح في موضوع علاقة الرجل بالمرأة- في العقلية الغربية- إلى جانب وراثتها للحضارة اليونانية والرومانية اللتين نظرتا إلى المرأة على أنها جسد ومخلوق أقل من الرجل بل والمصدر الأول لشرور العالم على حد تعبير جان جاك روسو في متابعته لنظرة أفلاطون، أرسطو للمرأة، فإن مجيء المسيحية كرس بند الخطيئة وظلت المفاهيم الأساسية عن تفوق الذكر وتدني الأنثى ماثلة بلا تغير كما أفاضت ليندا جين شيفرد (في أنثوية العلم).. وهذا أدى إلى هضم حقوق المرأة وانتقاص قدرها وشأنها وظلمها مادياً ومعنوياً بشكل كبير. لم تحتمل المرأة في الغرب هذا الظلم الصارخ، فكانت حركات تحرير المرأة المتعددة فمنها زاد التوجه المعتدل التي تنادي بحقوق المرأة داخل سياقها الأسري والمجتمعي، ومنها من شطت بعيداً وتمردت على كل أشكال العلاقة مع الرجل واتجهت بتفكيرها إلى الانحراف والخروج عن المألوف والتمادي في الآراء غير السوية إلى درجة تأليف جمعية (تقطيع أوصال الرجل) والدعوة إلى إزاحة الرجل من الوجود وغيرها من الأفكار غير الطبيعية كما فندها مثنى أمين. مع تزايد النظرة الدونية للمرأة في الثقافة الغربية ازداد الغلو في مطالب الحركات النسوية، وشاعت مصطلحات: السلطة الأبوية، المجتمع الذكوري، تمكين المرأة، مناهضة التمييز ضد المرأة، العنف ضد المرأة... وغيرها من المصطلحات والمفاهيم التي تترجم الحالة الصراعية الاجتماعية في تلك الثقافة.. ومع بروز دور مؤسسات المجتمع المدني استطاعت النسويات الغربيات الوصول إلى مواقع صنع القرار واتخاذ القرار في بلادها وفي مؤسسات المجتمع الدولي، حتى أن إحصائية حديثة ذكرت أن 60% من أعضاء المنظمات الأنثوية في أمريكا سحاقيات؟؟! وهذه المنظمات وأمثالها في الغرب هي المسيطرة على لجنة المرأة في الأمم المتحدة، ومن خلالها فرضت وتفرض شذوذها الفكري والسلوكي على العالم أجمع من خلال المواثيق الدولية كما أشار الدكتور محمد عمارة.. وتحت بند الحرية الشخصية المفتوحة شاع في الغرب مظاهر للانحلال الأخلاقي وفوضى العلاقات الجنسية والشاذة تدعمها فلسفات ونظريات وآراء تدعو إلى التحرر والعبثية والنفعية واللذة والبحث عن المتعة كغاية عليا.. وساهمت وسائل الإعلام في التسويق الإعلامي لجسد المرأة ومستلزمات إظهار مفاتنها وإضفاء الشرعية على صور الحرية المطلقة تحديداً منذ فترة الستينيات من القرن العشرين وحتى يومنا هذا.. هذا واقعهم الناجم عن ثقافتهم التي تمردت على الدين وتخلت عن القيم وعاندت الفطرة، ولكن أن تُصدّر تلك الثقافة، وتفرض هاتيك القيم على مجتمعاتنا الإسلامية عن طريق آليات العولمة التي بيدها صناعة القرار لتحديد مصير العالم مثل (منتدى دافوس والمؤتمرات الدولية الخاصة بالمرأة والسكان والقوانين الدولية التي تصبح ملزمة بعد التوقيع والتصديق عليها، والمنظمات الأهلية والإعلام وممارسة الضغوط)، فهنا مكمن الخطر الحقيقي. خاصة أن المفاهيم الغربية التي تختبئ وراء المصطلحات المصكوكة تحمل في ظاهرها معاني متقاربة في ثقافتنا، لكن إن أمعنا النظر في المصطلحات في لغتها الأصلية صدمتنا الكثير من الحقائق والآليات التي تنافي أبسط المبادئ والأعراف والقيم في منظومتنا الثقافية. إن نظرة متأنية لمفهوم الصحة الإنجابية كما ورد في وثيقة بكين وخدمات الصحة الإنجابية (البند:106،281،206،94،95) وكما جاء في تقرير المؤتمر الدولي للسكان والتنمية (الفصل الثاني، الثالث، الرابع، السادس)على سبيل المثال تشير إلى أن (الصحة الإنجابية تعني قدرة الناس على التمتع بحياة جنسية مرضية ومأمونة، وقدرتهم على الإنجاب، وحريتهم في تقرير الإنجاب وموعده وتواتره) ويوضح بند 95 في وثيقة بكين أن (الناس) هم (جميع الأفراد والرفقاء couples). أما بند 7-8 من وثيقة القاهرة للسكان فيخص تلك الخدمات (الصبية و المراهقين بدعم وإرشاد من آبائهم، وبما يتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل عن طريق المدارس ومنظمات الشباب..) وبما أن الصحة الإنجابية وخدماتها متاحة (لجميع الأفراد والرفقاء) بما فيهم (الصبية والمراهقين) فقد لزم من وجهة نظر الثقافة الغربية إتاحة فرص واسعة للتثقيف الجنسي لهذه الفئة بالذات تفادياً للحمل والأمراض الجنسية، كما سمحت بالإجهاض، وتيسير وسائل منع الحمل، فيما يسمى بـ(التثقيف الجنسي). إن نظرة الغرب للجانب الجنسي في حياة الفرد لا تخرج عن كونها: حرية شخصية، فكل إنسان يفعل ما يحلو له، ومن واجب المجتمع حمايته وتثقيفه أيضاً كما ورد في بند 95 من وثيقة بكين( الاهتمام بوجه خاص بتلبية الحاجات التثقيفية والخدمية للمراهقين كيما يتمكنوا من معالجة الجانب الجنسي من حياتهم معالجة إيجابية ومسئولة). وتحض مواثيق الأمم المتحدة مثل (بكين- القاهرة للسكان) ووثيقة عالم جدير بالأطفال على التثقيف الجنسي، خاصة للمراهقات، وتيسير حصولهن على وسائل منع الحمل وإباحة تقنين الإجهاض تحت مسمى (الإجهاض الآمن)، وتؤكد على حق المرأة (في أن تتحكم وأن تبت بحرية ومسئولية في المسائل المتصلة بحياتها الجنسية بما في ذلك صحتها الجنسية والإنجابية، وذلك دون إكراه أو تمييز أو عنف- بكين: بند 96) وفي بند 108 من هذه الاتفاقية هناك مطلب بإدراج تعليم الجنس الآمن safe sex في المناهج التعليمية بالنسبة للأطفال (تصميم برامج محددة موجهة للمراهقين والرجال من جميع الأعمار مع مراعاة أدوار الوالدين المشار إليها في الفقرة 107هـ تهدف إلى توفير معلومات كاملة ودقيقة عن السلوك الجنسي والإنجابي المأمون والمسئول بما في ذلك الاستخدام الطوعي لوسائل الوقاية الذكرية المناسبة والفعالة بغية الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز). إنها ثقافة قائمة على الفردية واللذة والمتعة الوقتية، وتحاول هذه الثقافة تقليل حجم المشكلات الناجمة عن تلك الرغبات الفردية الموغلة في الأنانية والمادية عن طريق إتاحة المعلومات الجنسية للصبية والمراهقين مع توفير الوسائل التي تقلل من الأمراض أو الحمل غير المرغوب فيه أو حتى التخلص منه، ومن ثم كانت الصحة الإنجابية والجنسية مدخلاً لتقنين الحرية أو الفوضى الجنسية عندهم، ونشرها في ثقافات الأمم الأخرى متلازمة مع توريد وسائل منع الحمل للدول النامية بل ونقل التكنولوجيا إلى هذه البلدان لتتمكن من إنتاج وتوزيع وسائل منع الحمل – محلياً – ذات النوعية العالية الجودة، وبخصوصية وسرية تامة كما شرح ذلك الدكتور فؤاد عبد الكريم. إن الاتجاه نحو تعليم الصغار والمراهقين طبيعة العلاقة الجنسية واستخدام وسائل منع الحمل، وإتاحة الفرصة كاملة لهم لإقامة تلك العلاقات وإضفاء الشرعية عليها حتى لو وصلت إلى الشذوذ.. هذا الاتجاه ذو النهاية الواحدة نحو الدمار والهلاك وفساد الحياة والكون لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلقنا عبثاً ولم يجعل نواميس الحياة فوضى وتحلل وشهوات معربدة. وهذه الثقافة تعجل بهلاكها كما مصارع الأمم السابقة عندما مالت ميلة واحدة واتبعت الشهوات فلم تقم لها قائمة.. ولكن الجديد في الثقافة الغالبة اليوم أنها تسعى بشكل حثيث لتصدير أمراضها ومشكلاتها وأزماتها الخلقية إلى الثقافات الأخرى بل ذهبت إلى حد الإلزام عن طريق المعاهدات الدولية والمواثيق الأممية وأجهزة الإعلام العالمية التي تروج لتلك المفاهيم المغلوطة والمصطلحات الفاسدة، حتى أن تطبيقات تلك الدعاوي وصلت إلى مناهج التعليم في الثقافات المستهدفة والمؤسسات الدينية والجمعيات الأهلية فضلاً عن وسائل الإعلام المختلفة.. هذه التحديات والضغوط الخارجية عندما تصادف ضعفاً من داخل المجتمعات المستهدفة تجد فرصاً أوسع للتمدد والتجذر وربما للشرعية!! .. وهذا ما نجده في موضوع الثقافة الجنسية وهو يحاصر قيمنا وأعرافنا ويضغط على أعصابنا لنتقبل المصطلح والمفهوم النابع وراءه ومن ثم تطبيقاته وكأننا أمة مقطوعة النسب بالثقافة والدين والتشريع وفي انتظار من يتبنى ويتكفل بمعاشنا وأرزاقنا ومنهج حياتنا!! وإذا كان من أعراض الوهن الحضاري أن تتعطل الحواس أو تضعف، فهذا ليس معناه أن الطريق غير واضح أو محدد.. إن لدينا منهجاً ربانياً فريداً لم يدع شاردة ولا واردة في حياة الإنسان والكون والحياة ذاتها إلا ووضحها وأبان عن حقائقها وآليات الوصول إليها "وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه".. ولعل من حسنات التحديات الخارجية أن نفيق من غفلتنا ونتلمس طوق النجاة في ديننا " وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا" ولنوضح لقومنا وللعالمين ما حبانا الله من نعم في هذا المنهج القويم خاصة في المسألة الجنسية لب الصراع والهجمة الوافدة علينا من الثقافات الغالبة. الثقافة الجنسية في التصور الإسلامي يؤمن المسلم بأن الله هو الخالق الواحد الأحد الذي خلق الكون والحياة وكرّم الإنسان بأن نفخ فيه من روحه، ثم ميزه عن باقي مخلوقاته بنعمة العقل مناط التفكير، وأنزل له الدين ليضبط حركة العقل ويوسع مداركه.. كما أعطاه حرية اختيار الدين بعد أن وضح له حكمة الأديان في حينها وختمها بالإسلام أكمل الرسالات "إن الدين عند الله الإسلام" –" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".. ويشكر المسلم ربه أن وضح وفصل له الإسلام من عقيدة وعبادة ومعاملات وتشريعات بما يضبط تفكيره واعتقاده وسلوكه وحياته بشكل متكامل ومتوازن، وجعل معيار القبول: التقوى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". والتصور الإسلامي للإنسان أنه روح وجسد معاً، ومن ثم اهتمت التربية الإسلامية بمراعاة الجوانب الأساسية في تكوين المسلم منذ ميلاده مثل الجانب الإيماني، والخلقي، والعقلي، والجسمي، والجنسي، والاجتماعي..وحرصت على تطعيم الإنسان بالأمصال الوقائية في كافة الجوانب لتجنيبه المشكلات فيما يسمي بالتربية الوقائية، كما قدمت طروحات فريدة علاجية لأي مشكلة أو أزمة تواجه الإنسان، ذلك لأن التربية الإسلامية تستمد معطياتها من المنهج الرباني الفريد كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير". والتربية الإسلامية في اهتمامها بجوانب تربية وتزكية الإنسان لا تعرف التبعيض والنظرة الأحادية، بل تعمل جاهدة على تحقيق التناغم والتوازن والانسجام بين كل هذه الجوانب، مثل الأواني المستطرقة.. الجوانب كلها تتساند وتتعاون وتغذي بعضها بعضا لتدفع بالإنسان في طريق الاستخلاف سويا ناضجا متفردا على هدى من ربه وبصيرة "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم". إنسان التربية الإسلامية يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر والقضاء والقدر بخيره وشره، ويتصل بالله عن طريق إقامة الشعائر عن طهارة حسية ونفسية وتدبر القرآن والكون ودوام الذكر والفكر..وتنعكس هذه الصلة المطمئنة "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" على علاقته بالناس والكون والأحياء من حوله فيتمسك بالفضائل ومكارم الأخلاق وينأى عن الرذائل وسفاسف الأمور.. وهو في ذلك ينمي مدركاته العقلية بالمعرفة والعلم والسعي لعمارة الأرض، تعينه الصحة النفسية السوية مع عافية بدنية يعرف حقها "إن لبدنك عليك حقاً" كما في التوجيه النبوي على أداء واجباته الأسرية والمجتمعية بشكل متناغم وفعال حتى يصل إلى قمة العطاء والمسؤولية: الشهادة على الناس كافة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.." إنسان التربية الإسلامية مفطور مثل غيره من البشر على الجانب الغريزي.. إنها فطرة ربانية أودعها الله إياه وتتعهدها التربية الإسلامية بالرعاية والعناية حتى تصل إلى المرحلة التي يستطيع بها وضعها في حلها فيثاب ويؤجر لدوام الاستخلاف وعمارة الأرض. التربية الإسلامية تؤكد على أهمية أن يستعد الوالدان لتربية الأبناء قبل أن يولدوا لمعرفة أفضل الأساليب والوسائل في جوانب التربية، خاصة التربية الوقائية لكافة الجوانب وبالأخص الجانب الجنسي، وفي أسلوب الحب والترغيب والتوضيح يتعلم الصغار آداب لمس الجسد واحترامه، وحدود العورة، وآداب قضاء الحاجة وآداب النوم، وآداب اللعب مع الصغار مع البعد عن الاحتكاك الجسدي..وعندما يكبر الصغار قليلا هناك آداب اللباس، وآداب الاستئذان وآداب لاختلاط الجنسين وآداب التفريق في المضاجع..كما أن هناك إجابات واضحة وعلمية عن الأسئلة والمخاوف والفضول المرتبط بالجنس تعطي للطفل حسب سنه ومدركاته (الجرعة على قدر الطلب والحاجة).. وعندما يشارف الطفل سن البلوغ هناك شرح لوظائف جسم الإنسان والتغيرات التي ستطرأ عليه بشكل علمي ومبسط وطبيعي ليتقبل الطفل هذه التغيرات بشكل طيب ويعلم الأحكام الشريعة من طهارة وتكاليف المترتبة عليها، وهنا تبدأ التأكيدات على أهمية غض البصر والبعد عن المثيرات السمعية والبصرية ما أمكن، وإعلاء الجانب الإيماني عن طريق التذكير برقابة ومعية الله، والصوم واستفراغ الطاقة فيما عمل أو حرفة أو أعمال البر، مع ربط الولد والبنت بالمساجد والصحبة الصالحة ودروس العلماء، وشغل أوقات الفراغ بما يعود بالنفع على الفرد وأسرته ومجتمعه إن تيسر، مع تشجيع اليافعين على ممارسة الرياضة وارتياد المعسكرات والرحلات والأنشطة التطوعية.. كما تعمل التربية الإسلامية على تبصير هذه الشريحة بالعقبات المنهي عن الاقتراب منها وما تحمل من عواقب وخيمة: "ولا تقربوا الزنى" أو العلاقات المنحرفة الشاذة، وتفتح في المقابل الباب للتشجيع على الزواج للإحصان إن استطاع الفرد المقدرة، بل وحث المجتمع على تقليل موانع الزواج وتيسير سبله.. وعندما يقبل الفتى أو الفتاة على الزواج توفر لهم التربية الإسلامية الجانب التثقيفي الخاص بتلك العلاقة النظيفة الجميلة التي امتن الله بها على عباده وجعلها آية من آياته "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"، فيعرف الزوجان الحقوق والواجبات لكل منهما، والحقوق والواجبات المشتركة ويتعرفان على آداب تلك الصحبة والمعاشرة بالمعروف والإحسان لتبقى العلاقة الزوجية محفوفة بالعلم الصحيح ومصونة من الابتذال والعبث والتدني: بل إن التربية الإسلامية حافلة بالنصوص من القرآن الكريم والسنة المطهرة توضح الثقافة الجنسية المشروعة بعيدا عن اللبس أو الفهم المغلوط كما افرد لذلك عبد الحليم أبو شقة الجزء السادس من موسوعته "تحرير المرأة في عصر الرسالة" على سبيل المثال هذه بعض ملامح ثقافتنا في الجانب الجنسي في مراحل الفرد المتعاقبة ولسنا في حاجة إلى فرض الوصاية علينا من حد وتعليمنا كيف نحيا وخاصة في تلك الجوانب الأخلاقية التي تستمد معيارها مباشرة من القرآن الكريم والسنة النبوية كشأن ثقافتنا الإسلامية ككل متكامل.. إن النقطة المفصلية بين ثقافتنا والثقافة الغالبة اليوم إننا نستمد مرجعيتنا من المنهج الرباني في الفكر والتصور، وهم يستمدون مرجعيتهم من النظريات والفلسفات الإنسانية المتعددة.. نحن نؤمن بأن الإنسان لم يخلق عبثا، وان نموه مرحليا وطبيعيا من حقه علينا ومن سنة الكون، أما الحضارة أو الثقافة الغالبة فهي تخلط بين الأوراق وتنادي بتقديم ثقافة مرحلة لمرحلة وكأنها تعتسف النمو الطبيعي للإنسان وتنتزع براءته قسرًا تحت مزاعم الحرية وتقذف به إلى ممارسات بهيمية تحت مسمى الحرية الجنسية، دون النظر إلى العواقب الوخيمة لهذه القسوة على حياة الأفراد والمجتمعات والتي تعترف هي ذاتها بالإحصاءات المخيفة عن جراثيم الاغتصاب والأطفال اللقطاء والشذوذ والمخدرات والدعارة والطلاق والقتل والأمراض العصبية والنفسية والجنسية. إن الثقافة الغالبة اليوم وصلت إلى ذروة العلو في سفينة الحياة وهذا أعماها عن البصر في خروقات رهيبة في قاع السفينة، بل وتحلم أن تصيبنا هذه الخروقات وعن طريق وكلائها المحليين من مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأجهزة التشريعية في البلدان المستهدفة تعمل جاهدة ومهددة أيضا لاختراق مؤسسة الأسرة عن طريق تصدير تلك المفاهيم والمصطلحات الفاسدة! لم يعد لدينا إلا المقاومة الثقافية وسيلة لمجابهة المشروع الغربي الضاغط، وهذه المقاومة تتطلب منا الوعي من مخططات الآخر وثقافته، وتجلية المفاهيم والمعتقدات في ثقافتنا وتقديمها للناس كافة. عبر وسائل الإعلام ومناهج التعليم وجهود العلماء والمفكرين والمخلصين من أبناء هذه الأمة التي تملك رصيدا فطريا هائلا لتبني المشروع الإسلامي الذي يحقق مزيد من الانتشار والتأييد مقابل المشروع الغربي..ومن أبجديات المقاومة الثقافية أيضا الاهتمام بالتربية الوالدية داخل أسرنا وتبصير المربيين والمعلمين بالخطر الزاحف على حصوننا الداخلية ورفع الوعي بمخططات الثقافة الغالبة لم يعد لدينا إلا المقاومة الثقافية وسيلة لمجابهة المشروع الغربي الضاغط، وهذه المقاومة تتطلب منا الوعي والحذر من مخططات الأخر وثقافته، وتجلية المفاهيم والمعتقدات في ثقافتنا وتقديمها للناس كافة وهذا لن يتم إلا بتضافر جهود الِأسرة ومؤسسات المجتمع المختلف لتشكيل حائط الصد أمام الهجمة الوافدة، وتعزيز الدفاعات الثقافية لدى أبناء الأمة. يجب على الوالدين ا لانتباه إلى دورهما التربوي الكبير في تنشئة وتربية الأولاد على القيم والثقافة الإسلامية وإكسابهم الحصانة الفكرية والنفسية وتعزيز الهوية والانتماء إلى الإسلام كمنهج حياة، وتبصيرهم بالمخاطر التي تستهدف حاضرهم ومستقبلهم وتجنيبهم الانسياق وراء تلك الدعاوى الهدامة التي تحاصرهم إعلاميا وثقافيًا. وينبغي على مؤسسات التعليم أن تعمل جاهدة لترسيخ الثقافة الإسلامية عن طريق المناهج التعليمية العلمية والنابعة من هويتنا بعيدا عن الإملاءات والضغوط الخارجية التي تستهدف دائما تحويل مسار محتوى المناهج صوب الأهداف الغربية.. كما يقع على المعلم والقائمين بالأنشطة والضغوط الخارجية التي تستهدف دائما تحويل مسار محتوى المناهج صوب الأهداف الغربية.. كما يقع على المعلم والقائمين بالأنشطة المدرسية عبئاً كبيراً في توصيل القيم والأهداف الإسلامية والانتباه إلى مخططات الغرب في الثقافة الجنسية وآليات تطبيقها لدى الصغار والشباب عن طريق الإعلام والثقافة والمناهج والمناشط المدرسية. كما نتمنى على العاملين في المؤسسات الصحية والأطباء توخي الحذر من مصطلحات ومفاهيم الصحة الإنجابية والجنسية الوافدة ومن مجالات تطبيقاتها في المراكز الصحية وتجمعات المراهقين في المدارس والنوادي. وهذا الأمر ينسحب على دور مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات أهلية ألا يغيب الوعي والتوعية من برامجها وأنشطتها خاصة أن تلك المؤسسات مستهدفة من قبل الثقافة الغالبة لترويج مبادئها ومخططاتها.. أما عن دور وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية فهو من الخطورة بمكان، لأن ترويج مثل هذه الثقافات الخادعة عن طريق البرامج والإعلانات والدراما والقصة والمسلسل والفيلم يجد آذانا صاغية لدى عامة الناس التي لم ترزق من الوعي إلا القليل، وتسلم قيادة تشكيلها الثقافي إلى هذه الوسائل ذات الفاعلية الكبيرة. إن أبجديات المقاومة الثقافية تتطلب منا شحذ الهمم ونشر الوعي ووضع استراتيجيات طويلة المدى قادرة على صد وتفنيد الثقافة الغالبة، وباستطاعتها محاورة (الآخر) ومغالبة آرائه الفاسدة، وتعزيز المواقف الدفاعية، ولديها القدرة أيضاً على بناء إنسان العقيدة والفكرة والحياة. * بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي عن المرأة في القاهرة بعنوان: "قضايا المرأة المسلمة بين أصالة التشريع الإسلامي وبريق الثقافة الوافدة".
  • Currently 86/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
29 تصويتات / 656 مشاهدة
نشرت فى 8 أغسطس 2006 بواسطة madaa

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

370,535