مذ غادرت
وأمّي تلعبُ دور الجنديّ عنّي
تخوضُ الدّمع من غير خوذة
تُرضعُ ثلّاجة الموتىٓ من دفئها
تُكسّرُ رؤوس أعواد الكبريت التي تحمل شرارة عدم عودتي
(تدحُّ) صدر النّهار من ربو البارود
تُحنّطُ التّقويم
تُغطّس رأس الغد ببركة الأمس
ولأنّها لم تحظى بقبرٍ لأخي
تضعُ الآس على كلّ القبور التي لا تحمل شواهدها أغانٍ وتواريخ
أمّي تُغنّي للقبور
تشمُّ التُّراب
توزّع دمعها بالتّساوي
هكذا تطمئنُّ على صلة الرّحم بين الدّم والتُّراب
أمّي ترشُّ السّكّر على وجه العيد
وتغطّي وجهها لئلّا أرى الملح الذي يُغطّيه
أمّي تُودعُني لهفتها ومن ثمّ
تعود تعود
كمثل الجنود
وتُرخي تعبها فيء الحدود
عند أمّي
أنا الوصيّةُ
والمُوصّىٓ بي أنا
ولكن حينما أخبرتها عنك
صرت أنت الوصيّة
والمُوصّىٓ بها أنت
أنا بين نونيك سرّي
كشمسٍ مجّت نورها
أشرقتُ توّي
في نونك الأولى نما قلبي
وببطن نونك الأُخرى غفا اسمي

