الدكتور رفعت رشوان أستاذ القانون الجنائي المشارك بكلية الحقوق جامعة بني سويف وكلية شرطة ابو ظبي

إن أبناء اليوم هم آباء الغد،وأطفال الحاضر هم رجال المستقبل،ولقد بلغ عناية الإسلام بالأطفال بقسم المولى عز وجل بهم في قوله تعالى" ووالد وما ولد " من هنا كان الاهتمام المتنامي بمسألة انحراف الأحداث وتمييزهم بنظام قانوني مستقل يختلف في مضمونه وعقوباته عن النظام القانوني المقرر للبالغين،وهو ما فعله مشرعو الكثير من البلدان المتحضرة ومنهم المشرع الاتحادي في دولة الإمارات العربية المتحدة وذلك بإصدار القانون الاتحادي رقم(9) لسنة 1976 في شأن الأحداث الجانحين والمشردين.

          ومن منطلق ربط نصوص التشريع بالواقع الذي وضعت لتحكمه نستعرض فيما يلي القضية التالية من واقع أوراق المحكمة الاتحادية العليا، حيث اتهمت النيابة العامة كل من :

          1- " ف. أ "       طالب       20 سنة

          2- " خ. ع "      امرأة         21سنة

          3- " و. م "        عاطل        17 سنة و9 شهور

          4- " ع. ح "       طالب         17 سنة و6 شهور

أنهم بتاريخ 29/ 11/ 2003 بدائرة الشارقة قتلوا عمداً مع سبق الإصرار والترصد المجني عليه " ف" بان بيتوا النية على قتله،حيث استدرجته المتهمة الثانية" خ.ع " إلى شاطئ البحر في وقت متأخر من الليل وحددت المكان لباقي المتهمين الذين أعدوا لذلك آلة حادة ( سكين) وترصدوه على الشاطئ وما أن ظفروا به حتى هاجموه وأمسك به المتهم الأول " ف.أ " والمتهم الرابع " ع . ح " وشلا حركته، وطعنه المتهم الثالث " و .م " بالسكين حال وجود المتهمة الثانية "خ .ع " قاصدين من ذلك قتله، فأحدثوا به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية التي أودت بحياته وطلبت عقابهم طبق أحكام الشريعة الإسلامية والمواد 44/أولاً ،وثانياً، 51، 332/2 333 من قانون العقوبات الاتحادي رقم 3/1987 ،والمواد 1 ،8 ،10 ،15 من القانون الاتحادي رقم 9 لسنة 1976 في شأن الأحداث الجانحين والمشردين.

          المحكمة :

بجلسة 19/4/2004 قضت محكمة جنايات الشارقة بالإجماع بقتل المتهمين جميعاً قصاصاً لقتلهم المجني عليه بالوسائل المتاحة ومصادرة السكين المضبوطة

          الاستئناف :

استأنف  كل من الجناة والنيابة العامة الحكم، وبجلسة 19/11/2005 قضت محكمة الاستئناف :

          اولاً : بالإجماع بقبول الاستئنافات الخمسة شكلاً.

          ثانياً : أ- في الاستئنافات المقدمة من الجناة برفضها وتأييد الحكم المستأنف.

                 ب- في الاستئناف المقدم من النيابة العامة بقبوله موضوعاً .

                

 

ا    المحكمة الاتحادية العليا :  

     طعن الجناة في الحكم بالنقض حيث تبين للمحكمة الاتحادية العليا من خلال

    أوراق الدعوى أن الطاعن "و.م" لم يبلغ الثامنة عشر من عمره وقت ارتكاب

    الجريمة،وتمسك فى دفاعه فى درجتي التقاضي فى مذكرتيه الابتدائية

 والاستئنافية بحداثة سنه،ومثله الطاعن" ع.ح" ولم تعرض أي من المحكمتين لهذا

   الدفاع الجوهري ولم تحدد إن كان قد بلغ البلوغ الطبيعي بعلاماته مادام لم يبلغ

    سن الثامنة عشر سنة وترتب على ذلك مسئوليته الجنائية،ومن ثم انتهت إلى

   اعتبار الحكم قد أخل بحق الدفاع الجوهري الذي لو تحقق قد يتغير به وجه الرأي

    في الدعوى،ولما كانت جرائم المتهمين جميعاً مرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة

    وبما لا يمكن معه تجزئة الحكم في هذه الطعون : 

                 حكمت المحكمة :

بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية لمحكمة الاستئناف مصدرة الحكم لنظرها مجدداً بهيئة مشكلة من قضاة آخرين .

                 تعليق :

وتعليقاً على هذا الحكم يقول الدكتور / رفعت رشوان أستاذ القانون الجنائي بكلية الشرطة،أن الواقعة الماثلة أمامنا تثير العديد من المسائل القانونية لعل من أهمها،وهو ما استندت إليه المحكمة الاتحادية العليا في نقض الحكم والإحالة،هي تلك المسألة المتعلقة بالأحداث.

فلقد أصطلح على التفرقة بين صورتين أساسيتين من صور السلوك الإنساني غيرالمرغوب فيه : أولى هاتين الصورتين هي " انحراف الأحداث"، وثانيهما هي " إجرام البالغين"

 ونتيجة لهذه التفرقة ميز المشرع الاتحادي بصدد المسئولية الجنائية للحدث بين مراحل ثلاث :

                 أولاً: مرحلة امتناع المسئولية: أشارت إليها المادة(6) فقرة أولى من قانون الأحداث بنصها على أن " لا تقام الدعوى الجزائية على الحدث الجانح الذي لم يبلغ من العمر سبع سنين كاملة "

                 ثانياً : مرحلة تطبيق التدابير دون العقوبة: أشارت إليها المادة

                (7) أحداث بقولها " إذا ارتكب الحدث الذي أتم السابعة ولم يبلغ السادسة عشرة من عمره جريمة معاقب عليها في قانون الجزاء أو أي قانون آخر حكم القاضي باتخاذ ما يراه من التدابير"

                 ثالثاً : مرحلة الاختيار بين العقوبة والتدابير : أشارت إليها المادة (8) من قانون الأحداث،ويخضع لأحكام هذه المرحلة الحدث الذي ارتكب جريمة بالفعل وكان عمره وقت ارتكابها بين السادسة عشرة والثامنة عشرة،وللقاضي فى هذه المرحلة سلطة الاختيار بين العقوبة والتدبير،ولكنه إذا اختار العقوبة طريقاً فانه يرد على اختياره هذا العديد من القيود لعل من أهمها :

1-   لا يحكم على الحدث بأي حال من الأحوال بعقوبة الإعدام أو السجن أو العقوبات المالية" المادة 9 من قانون الأحداث".

2-    إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي الإعدام أو السجن تبدل بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على عشر سنين"المادة 10/1 من قانون الاحداث"

3-   إذا كانت الجريمة التي ارتكبها الحدث معاقب عليها بالحبس،فلا يجوز أن تزيد مدة الحبس المحكوم بها على نصف الحد الأقصى المقرر لها أصلا ً"مادة 10/2 من قانون الأحداث" .

نخلص من ذلك إلى أن تحديد حالة الجاني من حيث البلوغ أم الحداثة يعد من المسائل التي يترتب عليها- دون شك – تغيير وجه الرأي في الدعوى، وللقاضي فى سبيل هذا التحديد أن يسلك أحد معيارين :

أولاً : المعيار الوصفي : وهو مستمد من أحكام الشريعة الإسلامية، ووفقاً له يكون الشخص حدثاً إلى أن تظهر عليه علامات البلوغ وهى عبارة عن إمارات طبيعية محسوسة يدل ظهور بعضها أو كلها تباعاً على أن صاحبها قد وصل إلى مرحلة البلوغ دون النظر إلى السن، وعلامات البلوغ تدور حول ما يتصل ببلوغ القدرة على النكاح، وقد ذكر الفقهاء منها الإنزال للفتى، والاحتلام والحيض والحبل للفتاة .

ثانياً : المعيار الحدي : أشار إليه المشرع الاتحادي في قانون الأحداث،وذلك بنصه في صدر مادته الأولى على أنه" يعد حدثاً في تطبيق أحكام هذا القانون من لم يجاوز الثامنة عشرة من عمره وقت ارتكابه الفعل محل المساءلة...." .

               فإذا كان ثمة دفع من قبل الخصوم بالحداثة فمما لاشك فيه أن مثل هذا الدفع يعد من الدفوع الجوهرية المنتجة في الدعوى،وتكون محكمة الموضوع ملزمة بالرد في أسباب حكمها عليه،فان هي أغفلت ذلك فإن حكمها يكون مشوباً بالقصور، باطلاً متعيناً نقضه، وهو ما انتهت إليه محكمتنا العليا في الحكم الماثل .

                                                                             

                                                                             

 

المصدر: الدكتور رفعت رشوان
  • Currently 220/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
60 تصويتات / 601 مشاهدة
نشرت فى 3 يناير 2010 بواسطة justice

ساحة النقاش

law
<p>مقال متميز لأستاذ قدير ومتميز وإلى الأمام دائما.</p>
law
<p>مقال متميز لأستاذ قدير ومتميز وإلى الأمام دائما.</p>

عدد زيارات الموقع

15,026